&
&
&
تتجه أنظار اقتصاديات العالم بأسرها عند التاسعة والنصف من صباح اليوم (بتوقيت شرق الولايات المتحدة) الى أسواق المال الأميركية لمعرفة الطريقة التي ستتبعها بورصة نيويورك، كبرى أسواق الأسهم العالمية، لنفض غبار التوقف عن العمل الذي طرأ عليها منذ يوم الثلاثاء الماضي، عقب الهجمات التي تعرض لها الحي النيويوركي المالي، الذي يضم أهم عشرين مبنى من مباني المؤسسات الاقتصادية الدولية، أبرزها سوق الأوراق المالية الأميركية، الاحتياطي الفيدرالي، <<وول ستريت>>، <<سيتي بانك>>، <<مورغن ستانلي>> وغيرها...
أمران أساسيان يحتار الخبراء الماليون والاقتصاديون في تحديدهما:
1 حجم الخسائر الحقيقي الناجم عن الهجمات، سواء كان ذلك على الاقتصاد الأميركي، أو الاقتصاد العالمي ككل.
2 الآلية التي سيتبعها <<المارد>> الأميركي مع حلفائه للخروج من قمقم الركود الذي جُر اليه، وهو الذي يعاني أصلا من تخوفات الوقوع فيه، حتى قبل حصول الهجمات كما دلت بيانات اقتصادية صادرة قبل أسبوع واحد فقط من أسبوع الآلام الأميركي، حين توقعت هذه البيانات حصول انكماش في الاقتصاد الأميركي، أكثر منه ركودا، وحيث دلت المؤشرات الاقتصادية أن نسبة البطالة في الولايات المتحدة ستصل الى نحو 7 في المئة بداية العام المقبل، وان الاقتصاد الأميركي سيحقق نموا يتراوح ما بين 5،1 و25،2 في المئة في أحسن حالاته.
من الناحية النظرية، يؤكد رئيس سوق نيويورك للأسهم ريتشارد جراسو أن الاختبارات الأولية أظهرت استعداد أسواق المال الأميركية لفتح أبوابها والعودة الى العمل صباح اليوم، بعد أن أجرت البورصات الرئيسية الاصلاحات اللازمة، وباتت مستعدة لاستقبال عودة 120 ألف شخص يعملون في حي المال بمنهاتن، وإن بشكل جزئي.
إلا أن السؤال الفعلي بنظر الخبراء الاقتصاديين هو: ماذا بعد فتح الأسواق المالية الأميركية؟ وماذا بعد الرد الأميركي المرتقب على الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة؟ وكيف سيكون أداء الاقتصاد الأميركي بعد أعنف ضربة يتعرض لها منذ الحرب العالمية الأولى من حيث التأثير والتوقيت؟
يبدو أن الرد الاقتصادي الأبرز الذي ستقابل به المصارف المركزية العالمية هجمات الثلاثاء الموجعة، هو إجراء تخفيضات متعاقبة لأسعار الفائدة، في مسعى للحافظة على استقرار أسواق المال وبهدف استعادة ثقة المستثمرين وتعزيز النشاط الاقتصادي، وقد يستدعي ذلك تشكيل موازنات ملحقة أو موازنات طوارئ مالية من قبل الادارة الأميركية على غرار ما قامت به اليابان خلال السنتين الماضيتين حين تعرض اقتصادها لأزمات ركود حقيقية. إلا إن كل ذلك برأي خبراء متابعين لن يبعد شبح الكساد ولن يحول دون خطر وقوع اضطرابات جديدة غير متوقعة في الأسواق المالية الأميركية والعالمية أيضا، لا سيما الأسواق الأوروبية التي بدت الأكثر تأثرا بوول ستريت من غيرها. إلا أن إصرار الحكومة الأميركية على فتح سوق السندات أعطى تطمينات للمستثمرين الأميركيين والأجانب للهرب الى ملجأ أكثر استقرارا وأمانا.
حكومة دولية
منذ وقوع الهجمات على واشنطن ونيويورك يوم الثلاثاء المنصرم تصرفت الحكومات ومصارفها المركزية وكأنها <<حكومة وحدة دولية>>، في مسعى مشترك لضمان تدفق منظم للأموال واستمرار الإقراض من جانب المصارف والمؤسسات، إذ ضخ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يوم الجمعة الماضي نحو 38 مليار دولار في الأسواق، وكذلك فعل المصرف المركزي الأوروبي الذي ضخ 63 مليارا في اليوم نفسه للمحافظة على استقرار السوق، وامتصاص آثار الضربة المؤلمة، وقد كان لذلك مفعول جيد نسبيا.
لكن السؤال المطروح الآن هو: هل يمكن لهذه المصارف المركزية التقييم والرد على نحو فعال، إزاء ما سيحدث مع اعادة افتتاح الأسواق الأميركية، والمخاطر الطويلة الأجل لهبوط آخر في الاقتصاد الاميركي والعالمي؟
يحتاج محافظو المصارف المركزية ووزراء المالية الى الاجتماع وجها لوجه لتقرير خطوتهم التالية، كما اتضح الأسبوع الماضي حين اتصلوا ببعضهم البعض لضخ أموال في الأسواق، منذ مساء الثلاثاء المنصرم. ومع ذلك يرى محللون أنه من المستحيل تقريبا في هذه المرحلة التنبؤ بما ستؤول اليه الأسهم في وول ستريت صباح اليوم، وبالآثار المتوقعة على أسواق الأسهم الأخرى.
مهما يكن من أمر فإن الآراء انقسمت بشأن هل ستحجم المصارف المركزية للعالم عن اتخاذ قرارات متسرعة بشأن أسعار الفائدة قد يفسرها المستثمرون بأنها علامة تخوف؟ وبالنسبة لمصارف الاستثمار وخبرائها الاقتصاديين فإن الصورة أيضا يشوبها الغموض، وقد أصدر <<بنك دويتش>> في هذا السياق مذكرة الى مستثمريه قال فيها <<تقديرنا العام هو أن المأساة تؤذن بأن الاقتصاد الأميركي سيهوي على الأرجح في غمار الكساد في النصف الثاني من العام مع تراجع ثقة المستهلكين، ومن المحتمل أن يمتد أثر هذا الى بقية أرجاء العالم ويتعين إجراء خفض آخر لتقديرات النمو العالمي، ويجب أن ترد المصارف المركزية وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الاتحادي>>، برغم أن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني أعلن في تصريح له <<ان الاقتصاد الأميركي قوي>> متوقعا أن يشهد انتعاشا في وقت لاحق من هذا العام.
أما على صعيد التأثيرات المحتملة على الأسواق الناشئة التي يصنف لبنان من ضمنها، فقد رد محللون في وول ستريت بغضب على تحذير مؤسسة <<ستاندرد اند بورز>> للتصنيفات الائتمانية، من أن حالة عدم اليقين التي تسود بين المستثمرين ستحد قطعا من قدرة الاقتصادات الناشئة على الاقراض من أسواق المال الدولية، وربما تؤثر سلبا على بعض التصنيفات السيادية، معتبرين أنه من المبكر للغاية توقع أي شيء.
وهكذا بدا جليا أنه من الصعب جدا توقع ماذا سيخبئ صباح اليوم الأول من اعادة استئناف الأسواق المالية الأميركية لنشاطها بعد توقف دام ستة أيام، لكن الأكيد أن بورصة وول ستريت ستفتح أبوابها غير أنها ستكون عاجزة عن الاجابة عن السؤال: ماذا بعد اعادة الافتتاح، وكيف التصرف؟ (السفير اللبنانية)
&