قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

"من يصدق الرسائل" شخصيات الهامش تحتل مساحات سردية أساسية

الدار البيضاء- أحمد نجيم: عن دار النشر المصرية "ميريت" وفي سلسلة "تجليات أدبية" صدرت للشاعر المغربي&ياسين عدنان أول عمل سردي له وهو عبارة عن مجموعة قصصية. تضم المجموعة القصصية 12 قصة قصيرة وهي: "ثرثرة بالأبيض فقط"، "جرح على الستارة"،&"تمرين الرياضيات"، "من يصدق هذه الرسائل؟"، "فكرة طازجة"، "برد يأتي من حلم"، "رازا"، "حديقة البصل"،
"هدوء عنيف"،&"لاتصدقوا يوسف"، "الجارية وقد صارت ملكا"، و"سر الأرملة". كتبت بين عامي 1994 و2001 بمدن مراكش والبيضاء ووارزازات المغربية ومدينة بروكسيل البلجيكية.
تتسم لغة القصص بالاختصار والميل نحو الاقتصاد عن طريق استعمال جمل قصيرة: وهكذا مرت الأمور كما لم أخمن قط. رجعت بالليمونادة. فتحت الباب بصخب سعيد...(من يصدق الرسائل؟ ص 34).
الكتابة تحتل مساحة أساسية في بعض القصص وبخاصة في "فكرة طازجة" المهداة إلى "شيخ القصة القصيرة بالمغرب أحمد بوزفور". حكاية السارد الذي يبحث فيها عن فكرة طازجة أو "حكاية دسمة تليق بنهم قرائه المحترمين". في هذه القصة يتحدث السارد: الكاتب، عن رغبته لولوج "ليل النص". يصر فلا يستطيع، ليكتشف أن الكتابة "ليست تلك اللعبة السهلة" وأنها "أعنف من الملاكمة" غير أنه لا يمل فليلتجأ إلى الذاكرة". يبرز تفكير الكاتب في قارئه الحقيقي أو المفترض، ومن أجل خلق المتعة لهذا القارئ يلجأ الكاتب إلى "الحكاية: "زاد الكتابة ونبضها السرمدي" كي لا يمل هذا القارئ.
أبرز ياسين عدنان القاص أهم المعيقات التي واجهته في كتابته لمجموعته القصصية الأولى، والمرتبطة بفعل الكتابة والحكي والمسافة بين الكاتب وقارئه ثم "ورطته" التي تسببها له مخيلته. نفس هم التأليف والكتابة في آخر قصة المجموعة "سر الأرملة".
أما شخصيات قصص المجموعة فكثير منها يعيش على هامش المجتمع. شخصيات تشبه تلك التي يصادفها الكاتب الحقيقي في ارتياده لبعض الأماكن مثل الحانات. يحاول الكاتب بواسطة السارد أن يزيح بعض الأفكار المسبقة التي نكونها عن شخصيات كالمومس "كيف يتبادر إلى ذهنك أن تلك الجالسة إلى جانبك ليست عاهرة. إنها تشرب بهذا الشكل لأنها تعاني، وأنها في حاجة ماسة إلى شخص عميق يحاورها بعمق وينصت لها بعمق" (ص 9) الإنصات وخلق التواصل هو ما حاول أن يركز عليه في بنائه لشخصيات مجموعته، فيكتشف القارئ أنها "شخصيات حقيقية في عالم حقيقي كما في "جرح على الستارة". ننشر هنا قصة "من يصدق الرسائل".
من يصدق الرسائل؟
معللتي بالوصل والموت دونه
حبيبتي هند،
لقد مرت الأمور كما اتفقنا. كل شيء نفذ بدقة .
فبعدما قتلناها سويا و غادرت، سحبت الجثة بهدوء إلى حجرة النوم ( لا تنزعجي...لقد ارتديت القفازتين)...
نزعت عنها المعطف القطني وشققت قميصها و"الميني جيب" ليبدو كما لو أن الجريمة اغتصاب (سأكون الأكثر بعدا عن الشبهات في هذه الحالة كما تعلمين). لم أقترب من الدولاب كما وعدتك. تكفيني الأسوار والقلادة الذهبية التي أخذتها قبل ليلتين. ثم إنني لا أريد أن تفوح رائحة أخرى داخل الغرفة غير رائحة الاغتصاب. حبيبتي، إبقي حيث أنت عند عمتك. أرجوك استحملي ثرثراتها الخرفة ولا تتدخلي ثانية في عراكها مع الجارات . دعيها تشعل الحرائق في الحارة كما يحلو لها. لست امرأة إطفاء. ربما سيكون عليك أن تنتظري طويلا (إنما دون يأس!)
فأنا مجبر على البقاء قريبا لكي تظل الشبهة بعيدة. سأخضع دون شك لاستنطاق الشرطة. فأنا حبيبها على حد وهمها، والكل يعرف ما بيننا. إنما بعد أن تهدأ القضية وينتهي دوري، سأمر على شقتك، ألملم ما خف حمله من ثمين متاعك، وأخف إليك .
حبيبتي.....ما أجمل الحب، هذا الأبيض الطري، بعد عملية حمراء كهذه .

ليت هندا أنجزتنا ما تعد
حبيبتي نوال،
لقد مرت الأمور كما اتفقنا. كل شيء نفذ بدقة. حتى أن المسكينة صدقت أنك الآن في عداد الأموات . فبعدما أطلقت عليك الرصاصة اياها....( تضحكين !؟ ). نطت أرانب مذعورة من عينيها وأغمي عليها في الحين . بصعوبة بالغة، أعني بسلسلة من الصفعات - جعلتها تفيق . قلت لها :
" غادري فورا، وأنا سأتكلف بالباقي". قلت لها أيضا أن تغادر فورا من أجل أعصابها .
ثم& صرخت في وجهها :
" قلت غادري...." فلملمت أعصابها وحقيبة يدها ومضت .
حبيبتي، آسف إذ لم أكلف نفسي الإشادة - للتو - ببراعتك في أداء الدور. فقد كان علي أن أقتفي أثر الأخرى، وأتأكد من أنها ستنجز حقا ما وعدت. لم أتنفس الصعداء إلا بعدما رأيتها بأم عيني تصعد الحافلة المناسبة بالذعر المناسب. الحمقاء، لم تفهم أن حبنا أقوى من أن نساوم عليه . لم تفهم أيضا أني مغرم بك هائم، وأنك لا خل هواك ولا خمر . فإن كنت مطبوبا..... ( إلى آخر القصيدة). ثم إن مفتاح شقتها في جيبي. حلال عليك غنائمه .
آه يا حبيبتي، ما أجمل الحب، هذا الأحمر الطري، بعد جريمة بيضاء كهذه .

أعلل النفس بالآمال أرقبها
حبيبتي منى،
لقد مرت الأمور كما اتفقنا. كل شيء نفذ بدقة .
فالأولى تظن نفسها شريكة في جريمة قتل. وهي الآن غارقة في الكوابيس وثرثرات عمتها هناك. والأخرى هنا تعلل النفس-عبثا- بنسائم الحب وغنائم الغرفة المهجورة .& إنما هيهات فقلبي ليس زهرة ليقطف، ولا حديقة منزلية قد أغرس بها أية نبتة شئت .& إنه حمامة طليقة اختارت أن تحط إلى الأبد بين أغصان أنوثتك ( كما أقول في آخر قصيدة كتبتها عنك) .
حبيبتي، أشكر مساعدتك لي على دعس العقربتين .
لقد كانت الخطة ناجحة. فهنيئا لحبنا. بعد الزوال، سأمر عليك في صالون الحلاقة . سآخد سيارتك لساعات ومفتاح شقتك أيضا. فعلي أن أشياء هند وما خف من متاعها إلى بيتك. بعد انتهائك من العمل، أرجوك استقلي سيارة أجرة إلى البيت فلن أتمكن من المجيء لك. سأكون مشغولا بإعداد أشهى عشاء لأشهى الحبيبات.
آه يا عزيزتي..... ما اجمل الإستلقاء تحت شجرة الحب الخضراء في هدنة خضراء بعد يوم من المتاعب بالألوان .
ما الحب إلا للحبيب الأول
أبي العزيز،
لقد مرت الأمور كما اتفقنا . كل وصاياك نفذتها بدقة .
فقد انقطعت عن حياة اللهو التي جذبني طيشي الأول إليها.&وانصرفت - والله شهيد - إلى العمل بكل جوارحي. وإذا كانت رسائلي إليكم قد انقطعت هذه السنة، فلأنني كنت خجلان من نفسي. لم أستطع أن أكاتبك إلا بعدما تأكدت أنني أصبحت شخصا آخر. غصن أخضر صالح يمكنه -عن جدارة- أن يفخر بالانتماء إلى شجرة عائلتنا الوارفة. ويمكنكم بدوركم أن تفخروا منذ الآن بي .
والدي العزيز، بفضل وصاياك الغالية ودعواتك المستجابة -وانشغالي بالعمل عما سواه-تمكنت هذه السنة من جمع ثروة صغيرة يمكن أن أبدأ بها -إن شاء الله تعالى- حياتي الجديدة. (بالمناسبة لقد اشتريت سيارة).
لكنني ما عدت أحتمل العيش وسط هذه المدينة المجنونة. الإنسان مخلوق ضعيف يا أبي وهذه المدينة المجنونة. الإنسان مخلوق ضعيف يا أبي وهذه المدينة غول شديد البأس. إنها وكر شياطين. صخب لا يحد. مناكر ومغريات. لا أخفيك أنني بها أخشى فعلا على نفسي من أن أعود -والعياذ بالله- إلى سيرتي الأولى. لذا، قررت أن أرجع إلى البلدة وأفكر في الاستقرار نهائيا هناك.
أبي العزيز، يمكنك الآن أن تذهب برأس مرفوعة عند عمي حميد وتخطب لي بنته الياقوت.
الياقوت لي، وأنا لها، هكذا أوصت جدتي يامنة في ذلك المساء الشتوي القديم .
أبي .... ها قد نفذت وصاياك، نفذ إذن وصيتها .

بربك أخبرني ألم تأثم التي....
عزيزي القارىء،
لقد مرت الأمور كما لم أخمن قط. كنت للت قد انتهيت من كتابة تلك القصة، حينما تدحرجت حبكتها ككرة بلياردو مجنونة فوق سرير الحب الذي أسكن إليه منذ شهور. والحكاية بدأت هكذا. تركت المسودات فوق مكتبي الوطيء المجاور للسرير، وخرجت لشراء الليمونادة. كانت عتيقة مستلقية فوق السرير تداعب حلمتي نهديها كعادتها كلما سرحت في البعيد.
لاشك أنها بدأت تلملم فوضى المكتب في محاولة للانشغال عن غيابي حينما وجدت الرسالة. الرسائل الأولى كانت مدسوسة في العدد الأخير من مجلة "المدى". والأخرى لم تجد غير الأخيرة. لم تستطع أن تكبح جماح فضولها الأنثوي، وقرأت: "أبي العزيز، لقد مرت الأمور كما اتفقنا...إلخ " .
وهكذا مرت الأمور كما لم أخمن قط. رجعت بالليمونادة. فتحت الباب بصخب سعيد. وجدت الغرفة على نفس الفوضى المرحة التي تركتها عليها قبل دقائق. لكن أشيائها لم تكن هناك: حقيبة يدها. قرطاها اللذان تتخفف منهما عادة ساعة الحب. ساعتها الذهبية. علبة سجائرها. المنامة السوداء التي قررت ذات ليلة أن تتركها عندي لأنني وحدي أستحق أن أراها بها... لم تكن هناك. وحده عطرها الصديق كان يظلل ردهة السكون .
بعد لحظات من الذهول بدأت أتحرك في الغرفة محاولا استيعاب ما جرى. انتبهت إلى ورقة مضغوطة بعصبية وملقاة قرب الأباجورة. كانت الأكسسوار الزائد الوحيد. هرعت إليها. التقطتها. سرحتها. وقرأت: "أبي العزيز لقد مرت الأمور كما اتفقنا...."
يا إلهي.....من يصدق؟ من كان يخمن هذا الفخ؟ من سيوضح لها الآن أن الرسالة ليست رسالة. و أن الأمر لا يتعلق سوى بالجزء ما قبل الأخير من قصتي "من يصدق الرسائل؟" من يستطيع إقناعها بكل هذه الفوضى؟ بل أينها....أينها لأقول لها أن الأمر محض حكاية. وأن من يحكي كمن يحفر بئرا في بحر. الماء يتسرب أمامه من كل الجهات. ها قد مضت. صدقت الرسالة ورحلت... بعيدا عن الجرح الذي ليس جرحا لأن الرسالة ليست رسالة.
آه، ما أغبى هذه القصة. أعني تلك القصة. فبسببها ينشب الحب الليلة مخالبه في سريري الفارغ البردان .
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& &&&&&&& ورزازات/ ايار-مايو 1997&