&
الرياض - محمد السيف: يحتل تدريب الموظفين وتنمية مهاراتهم أهمية بالغة، لما له من آثار إيجابية تنعكس بالتالي على الأداء العام للقطاعات العاملة، وتولي الدول المتقدمة التدريب أهمية قصوى، إذ تخصص ميزانيات وبرامج عالية له، وفي السعودية يجب أن يحتل تدريب الموظفين مكانته اللائقة، إذ ما كانت النية تتجه لإحلال الكفاءات الوطنية محل الأجنبية.
ولأهمية الموضوع فقد طرح منصور العبدالمحسن ، أحد أعضاء منتدى المال والأعمال بندوة " إيلاف " هذا الموضوع من خلال رؤية تحليلية لواقع التدريب في السعودية وأهميته وأنه ضرورة مستقبلية في طريق السعودة، حيثُ ذكر منصور أنه في العام 1985 ومع بدايات تطبيق برنامج التوازن الاقتصادي كمنهج جديد للدولة السعودية، وبمبادرة من قبل مجموعة من الشركات المتعددة الجنسية العاملة في المملكة أمثال (بوينج ، مكدونالد دوغلاس (اندمحت مع بوينج حديثا)، برتيش ايروسبايس، آي بي أم، فلور العربية، بترومين، نورثروب، العليان ) قدم إلى المملكة فريق متخصص من منظمة تدعى (Organizations Resources Counselors) اختصارا (ORC) يتبعون لجمعية روكفلر الخيرية في نيويورك وذلك لتقييم سوق المملكة من حيث قوى العمل ودراسة كيفية تنمية الموارد البشرية السعودية ووسيلة تطويرها لتتوافق ومتطلبات هذه الشركات الضخمة من حيث مهارات العمل المطلوبة والبرامج والسياسات التدريبية والتعليمية اللازمة لها بالإضافة إلى تقييم أوضاع العمالة من حيث تكلفتها المالية وانعكاسات قرارات السعودة (بدأت الدولة في حينه تحث المنشآت الضخمة للقطاع الخاص السعودي والمختلط على استيعاب القوى العاملة السعودية ) على موازنات التدريب الرسمي أو التدريب على رأس العمل وتأثير ذلك على العوائد المتوقعة لهذه الشركات نتيجة لتنفيذها أعمال في الاقتصاد السعودي.
وقد عقدت تلك المنظمة أربع اجتماعات (طاولة مستديرة) ثلاثة منها اجتماعات إقليمية على مستوى المناطق الرئيسية في المملكة (الشرقية، الوسطى والغربية) والرابع كان اجتماعا شاملا لكل المناطق عقد في الرياض بحضور المرحوم عبدالله الدباغ بصفته أمينا عاما لمجلس الغرف التجارية الصناعية في المملكة و بحضور السيد/عبدالرحمن السدحان بصفته نائبا لرئيس ديوان الخدمة المدنية في حينه . كما وحضر الاجتماع عدد محدود من رجال الأعمال السعوديين ممثلين لأعضاء مجلس الغرف التجارية الصناعية في المملكة. (عقدت كل تلك الاجتماعات بغياب ممثلين عن مكاتب العمل أو مندوبين من وزارة العمل والشئون الاجتماعية في المملكة).
وما يهمنا هنا هو الخلاصة التي ذهب إليها ذلك الاجتماع الضخم والتي ركزت على أن هناك حاجة ملحة لتخصيص مبالغ ضخمة لتدريب وتأهيل المواطنين السعوديين إذا ما كانت النية تتجه نحو إحلال هؤلاء محل القوى البشرية الأجنبية الموظفة في المشاريع الضخمة التي يقوم على تنفيذها كبريات شركات القطاع الخاص في السعودية. وتفاوتت الرؤى بين الأطراف المشاركة من حيث كون التدريب استثمارا أم تكلفة. فمن وجهة نظر العديد من الشركات المشاركة فقد طرحوا حقيقة أن التدريب وإن كان واجبا اجتماعيا ، فإنه مكلف ولابد من حساب تكلفته بدقه في قيمة المشاريع المطلوب تنفيذها . أما من حيث الأطراف الممثلة للدولة ، فقد كان الموقف أن التدريب هو استثمار إستراتيجي يستفيد منه كافة الأطراف سيما وأن الدولة قد خصصت الملايين من الريالات في خططها التنموية لتنمية قطاعات التعليم والتدريب الفني والمهني سعيا لتوفير المهارات البشرية السعودية المؤهلة للعمل في القطاع الخاص.
ومع اختلاف المواقف، فقد خرج المجتمعون بتوصيات كان أهمها :
1) أن تقوم الدولة السعودية بالمشاركة في تكلفة التدريب لمواطنيها سواء كان ذلك التدريب رسميا أم كان تدريبا على رأس العمل.
2) أن تسعى الدولة لتوجيه مخرجات التعليم الأكاديمي والتعليم المهني لتتوافق مع متطلبات سوق العمل وضمان إيجاد قاعدة من المهارات البشرية السعودية القابلة للتوظيف المباشر.
3) أن تعمل الدولة ومن خلال المؤسسات التعليمية والاجتماعية المختلفة على تنمية روح العمل لدى المواطنين وكسر العديد من الحواجز الاجتماعية المعيقة لمشاركة المواطن في العمل الحرفي والمهني.
4) تقليص الفجوة الموجودة بين المميزات والحوافز المضمنة في لوائح العمل في كل من القطاعين الخاص والعام حتى يتسنى للقطاع الخاص أن يستقطب قوى العمل السعودية التي كانت تشعر بعدم الأمان الوظيفي في الوظائف الغير حكومية.
ولنا أن نضيف، بأنه وإن كانت الدولة قد عملت خلال الستة عشر عاما التي مضت على عقد تلك الاجتماعات على تحقيق بعض من تلك التوصيات ، فإن ما تم حديثا من تأسيس لصندوق تنمية الموارد البشرية في المملكة ووضعه تحت رئاسة الأمير نايف بن عبدالعزيز كونه وزيرا للداخلية ورئيسا لمجلس القوى العاملة في المملكة، لهو مؤشر على أن الدولة قد بدأت تشعر بأهمية ما تم اقتراحه في العام 1985 وواقعيته.
&
وإذا ما راجعنا ما تم إنجازه من قبل الدولة من خلال مبادرة الغاز السعودية الضخمة والتي وقعت اتفاقياتها مع ثمان من كبريات الشركات العالمية العاملة في مجال النفط والغاز، فإننا نعي أهمية التركيز في الوقت الحاضر على تأسيس معهد أو مجموعة مراكز تدريبية متخصصة توظف وتسعى إلى توطين التقنية العالية التي سوف تستخدم في هذه المشاريع بحيث تكون نواتج هذه المراكز من الكوادر الوطنية القادرة على المساهمة وبفعالية في بناء هذه المشاريع وبالتالي إلى استلام زمام المبادرة في إدارتها في المستقبل. وندعو هنا إلى أن تعمل الدولة للضغط على هذه الشركات من أجل توحيد عناصر التقنية المستخدمة في هذه المشاريع حتى نستطيع السيطرة على مستقبل التعامل معها وبالتالي للخروج بتقنية موطنة يسهل نقلها للأجيال القادمة.
ولنا أمل بأن لا ننتظر ستة عشر عاما أخرى لنقول ليتنا قد فعلنا ذلك......