&
إيلاف - فداء عيتاني: "المستهدف هو نمط الحياة الأميركي" يقول جورج بوش، "لن نغير من أسلوب حياتنا" يضيف، "أبلغناهم إما معنا أو مع الإرهاب" يقول وزير الخارجية الأميركي، "إما صديقنا أو |
عدونا" يقول سيناتور جمهوري متحدثا مع رئيس جهاز المخابرات الباكستاني، "لقد حاولوا ضرب اقتصادنا" يؤكد الرئيس الأميركي، "سنستوعب هذه الصدمة وسنحقق الازدهار على غرار ما فعلنا في ما مضى" يقول رئيس الاحتياطي الفيدرالي واثقا.
من تمكن من متابعة ما يقوله الرئيس الأميركي جورج بوش وأعضاء الإدارة الأميركية من وزراء الدفاع والخارجية والعدل، من يتمكن من متابعة مسيرة الأسهم الأميركية خلال الأشهر الستة الأخيرة يمكن له ان يدرك ما الذي يجري على سطح هذا الكوكب الصغير.
هل نبدأ من البدايات الأولى أم نبدأ من النهايات المستقبلية؟ ربما لا فرق، ربما الفرق الوحيد هو في الصورة التي ستعود لتكتمل كيفما بدأنا، وسترتسم أمامنا بعبارات سديدة التبسيط تماما كما أحاديث الرئيس الأميركي بوش الذي يطالب بالعدالة ويحشد الحلفاء في معركة مصيرية أمام "العالم المتحضر".
ما كان سيقود نحو ما سيكون، وما يكون سيفسر لنا ما كان، انه العالم يتجه نحو اقتصاد الحرب خارجا من مرحلة اقتصاد السلام العالمي، وتاركا خلفه إلى غير رجعة ما اصطلح على تسميته العولمة.
العولمة تلك المرحلة التي بدأت مع انهيار الاتحاد السوفيتي والتي ترافقت مع حرب الخليج الثانية "عاصفة الصحراء" كانت ومحاولة طموحة من الرأسمال العالمي، والأميركي بشكل خاص لفتح الحدود والانطلاق في حركة حرة بشكل شبه مطلق، إنها، وإذا ما استعرنا تعبير الاشتراكيين، "أممية رأس المال" ولكن مصيرها لم يكن افضل من مصير الاشتراكية، لقد انتهت على فشل مر، أدت إلى إعاقة النمو ليس فقط في الدول المتخلفة بل في الدول الصناعية نفسها، وأدت إلى تباطؤ التطور التقني،والى انفلات السوق من دون ان تؤدي إلى انفلات نحو تطور متسارع، أو إلى مزيد من الرفاه في "دول الرفاه"، لقد أدت أممية رأس المال وبعد عشرة أعوام من بدايتها إلى ركود اقتصادي سمي تخفيفا تباطؤ، والى الاتجاه المتسارع نحو الانهيارات الاقتصادية تم تحاشيها، أو على الأقل رسم الخطوط العريضة لتحاشيها عبر الدخول في الحرب الطويلة بمواجهة الإرهاب.
دعونا نتسلى قليلا، الإرهاب الذي سينخرط العالم في مواجهته خلال الأعوام المقبلة أدى إلى سقوط بضعة آلاف من الضحايا، ولكن الاحتلال سواء الإسرائيلي لفلسطين أو البريطاني لأيرلندا أو الإسرائيلي للبنان أدت إلى موت بضعة مئات من الأشخاص، وكذلك الصراعات العرقية والإقليمية، والنزاعات ما بين الدول التي أدت إلى موت بضعة ملايين من الأشخاص خلال المرحلة التالية على الحرب الثانية من الحرب الباردة إلى نهاية العولمة كان القتلى يسقطون من كل حدب وصوب، وللمزيد من الفائدة العامة فلنتذكر قبائل التوتسي والهوتو الأفريقية، التي قامت بتبادل القتل مما أوقع ما يقارب من مليون قتيل خلال بضعة اشهر في النصف الأول من التسعينيات، إذا إنها ليست الأرواح البشرية هي ما تحرص عليه الحملة ضد الإرهاب، وهي طبعا ليست أرواح الجنود الذين اقر الحلف الأطلسي ووزير الدفاع الأميركي انهم سيتعرضون للخطر والموت لا محالة بعد ان أثبتت نظرية "صفر قتلى" فشلها ووضعت إلى جانب زميلتها العولمة في صفحات التاريخ.
الإرهاب ليست الكلفة الاقتصادية التي كلفها للولايات المتحدة، فتكاليف الفشل الاقتصادي والقصور الكامل على مدى الكون كانت ولا شك اكبر، وخسائر البورصات والأسهم والتراجع في قطاع التكنولوجيات وقطاع الأمن والدفاع كان اكثر كلفة بما لا يقاس من الخسائر التي تسبب بها الإرهاب على مدى الأعوام الثلاثين الأخيرة، التباطؤ والتراجع في القطاعات الاقتصادية الرئيسية في الدولة الصناعية كان اكثر من ان تتسبب به أية موجات إرهابية، إنها ليست الخسائر المالية التي أدت إليها العمليات الإرهابية وإلا لكانت الولايات المتحدة قد هاجمت مراكز البورصات واحتلت البورصة اليابانية واوقفت المؤشرات البريطانية وأرسلت قوات الدلتا الخاصة إلى وول ستريت في عملية كومندوس ولداهمت الاف بي آي شركت مايكروسوفت واعتقلت قوات النخبة للبحرية الأميركية السيلز بيل غايتس بصفة التخريب ضد الأمن القومي.
"المستهدف هو نمط الحياة الأميركي" يقول جورج بوش، "لن نغير من أسلوب حياتنا" يضيف، "أبلغناهم إما معنا أو مع الإرهاب" يقول وزير الخارجية الأميركي، "إما صديقنا أو عدونا" يقول سيناتور جمهوري متحدثا مع رئيس جهاز المخابرات الباكستاني، "لقد حاولوا ضرب اقتصادنا" يؤكد الرئيس الأميركي، "،سنستوعب هذه الصدمة وسنحقق الازدهار على غرار ما فعلنا في ما مضى" يقول رئيس الاحتياطي الفيدرالي واثقا.
إذا كانت الصورة تحمل كل هذه الملامح فإلى أين تقود بعد ان تم ترجيح كفة موازنة القضاء على الإرهاب مقابل الدرع الصاروخي. إنها تقود إلى الصناعات الحربية واقتصاديات الحرب.
وما من أحد يجهل ان اقتصاديات الحرب تشهد عادة نموا عاليا، ورخاء، كما إنها تعطي زخما في الإنتاج وتردع المعوقات الاقتصادية وكابحات النمو، إنها الاقتصاديات الأمثل للدول المتعثرة، فكيف ان كانت هذه الدول صناعية، وان كانت مراحل ما بعد الحرب عادة ما تشهد تعسرات وركود وأرقام عالية من الاكلاف الناتجة عن الأعمال الحربية، فان الحالة ليست نفسها هنا حيث الولايات المتحدة ستكون عمليا في الجانب الآمن من العامل وستخوض الحرب عن بعد وليس عبر أراضيها، تلك ستكون الحرب، الحرب من اجل الاقتصاديات والرفاه.
واليوم وبعد كل شيء لن يوافق الاقتصاد الأول على الكوكب ان يتعرض لاستنزاف دول متخلفة تمتلك الطاقة، الطاقة التي ستطالب بها القوات العسكرية لتتحرك، هذه الطاقة التي لم ينجح بعد في إيجاد البدائل لها والمسماة بالنفط كانت إلى حد ما رهينة منظمة الدول المصدرة للنفط وتحالفها المرحلي مع دول منتجة للنفط من خارج المنظمة، وهي اليوم سيتم إخضاعها بالجيوش المرقطة ومباشرة.
لو قيل اليوم كيف ستكون الخريطة السياسية للعالم بعد عدة اشهر لما أمكن تقديم اكثر من مشهد تقريبي لانتشار مرقط للقوات العسكرية الأميركية وحلفائها في عملية القضاء على الإرهاب، ونزاعات محلية عرقية وإقليمية ودينية واقتصادية دامية ستدور على امتداد خط ممن الصين إلى أقصى القارة الأفريقية، انه مشهد مرعب للحروب، ولكنه أيضا خط حيوي لأنابيب النفط، وسيكون خط تحدد شدة التهابه مدى ارتفاع مؤشرات الأسهم في الولايات المتحدة والدول الصناعية، إنها ما بعد العولمة.






التعليقات