&
كتب غسان تويني في النهار اللبنانية فقال :" في زمن تذكّر الحروب الصليبية والتذكير بما كان منها، والتحذير... كان يمكن ان يصحّ "استدعاء" بعض ما جاء في تأريخها العربي، من مثل تحالفات أمراء صليبيين مع أمراء مسلمين (عرب وغير عرب) في مواجهة تحالفات مضادة لامراء مسلمين مع أمراء صليبيين آخرين... طلباً لنصرة هؤلاء على أولئك، وأولئك على هؤلاء، من الفريقين!!!
كان يمكن ذلك، طلباً لتبرير أو تكفير، لو لم يتجرأ الرئيس الباكستاني برويز مشرّف فيذهب، أبعد من الصليبيين، ليذكّر - وهو الذي كان حليف "طالبان" الأول - المسلمين، ومن بعدهم كل العرب، "بأحداث السنوات الست الأولى من الاسلام (...) ان الرسول المقدس (ص) ذهب من مكة الى المدينة (...) [حيث] وقّع ميثاق المدينة مع القبائل اليهودية (...) ثلاث معارك خيضت مع كفّار مكة خلال هذه الفترة، معركة بدر، وأُحد، والخندق. خرج المسلمون ظافرين من هذه المعارك ضد كفّار مكة لأن اليهود وقعوا معاهدة مع المسلمين".
ويمضي يروي الرئيس الباكستاني بالتفصيل كيف بدأ اليهود يضطربون من تقدم الاسلام و"يتآمرون لبناء علاقات سرية مع كفّار مكة. وعندما أحسّ النبي المقدس (ص) بالخطر وقّع صلح الحديبية مع المكيّين الذين كانوا يحاربون الاسلام". وينتهي الرئيس الباكستاني، بعد رواية التفاصيل كاملة، الى استخلاص العبرة من معركة خيبر وكيف "ان النصر أصبح ممكناً لأن المكيّين صار بوسعهم الهجوم بسبب الاتفاق (...) وبنعمة الله انتشر مجد الاسلام ليشمل مكة (...) والدرس هو ان في وضع الأزمة، طريق الحكمة أفضل من طريق الانفعالات(...) والقرارات العاطفية".
***
هل ينقذ "طريق الحكمة" باكستان& - وقد تجاوب حزبا المعارضة فيها مع نداء رئيسها، اذا& ومتى قدّمت اميركا دليلاً مقنعاً بان بن لادن سيد هذا الارهاب؟
لا نعرف بعد. حسبنا ان نردد قول الرئيس الباكستاني:
"الشجاعة من دون حكم عاقل هي بمثابة غباوة (...) ينبغي اللجوء الى التعقّل وعلينا ان ننقذ امتنا من الأذى وان نبني احترامنا الوطني".
ثم... هل يستجيب حكام العرب والاسلام الذين يتوجه اليهم - عبر الباكستانيين - هذا النداء، فتصبح باكستان حبة العقد في تحالف& اسلامي ضد الارهاب؟ ... وهل تستجيب واشـنطن، هي كذلك، لهذا النداء الذي يصح توجيهه اليها؟
الأحرى ان نبدأ بأنفسنا، بلبنان، فنتساءل متى نقتنع بأنه آن أوان الحسابات العاقلة؟... فلا نمضي نستسلم، مثلاً، للشجاعة ولو واهمة، حيناً، وللخوف نسمّيه تروياً حكيماً، أحياناً !
وبتعبير أوضح: هل آن اوان "ان نبني احترامنا الوطني"؟... علماً بأن فرض هذا الاحترام على الآخرين، في "لعبة الأمم"،& يبدأ بفرض& "الاحترام الوطني" على الذات، فلا نستمر في الشعوذات العقائدية، تُعلّمنا تارة ان "قوة لبنان من ضعفه" (كم دفعنا الثمن غالياً، سنوات بل عقوداً طوالاً!...) وطوراً ان "الرشد الوطني" هو في التحايل على الآخرين، حتى اذا ما استحل واحدهم أرضنا، وعقولنا، ظننا ان من الحلال بقاءه الى ان... الى ان نبلغ من الرشد سوياً!!!
***
أوَثمة حاجة الى تفسير؟
قبل الاسترسال، لا بد من وقفة أمام واقعٍ يحدث الآن، وقد يؤدي الى ما يطمح اليه جميع العرب، اذا احسنوا سلوك سبيل "التعقّل" في الافادة من "لعبة الأمم". والمطلوب بعد ان تمرد شارون على اميركا وحال دون اجتماع عرفات وبيريس ، ان يجعل العرب محك صدقية اميركا في حربها على الارهاب، ان تقود واشنطن حملة ضغط فريد على اسرائيل& لحملها على الاقلاع عن
"دبلوماسية الارهاب" والعودة الى الشرعية الدولية التي لا مظلة واقية للعرب، وللسلام،& سواها.
في نظرنا - ولا نخال ذلك مستحيلاً - يجب ان يقفز الفلسطينيون فوق حواجز المفاوضات التفصيلية لحمل أميركا على الاعتراف فوراً ومباشرة بالدولة الفلسطينية، مع قبول الصيغة التي كان قد عرضها باراك للمشاركة في اعتبار القدس عاصمة دولتين.
وبعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، يصبح من الممكن قيام تضامن عربي صريح يطلب، بل يفرض على اميركا واوروبا والروسيا والصين، وكل من دخل في الحملة ضد الارهاب، مساعدة "الحكم" الفلسطيني المشرّع دولياً على نيل الحد الاقصى من مطالبه، مقابل انتمائه الى العداء للارهاب...
***
سياسة خيالية؟ ديبلوماسية مستحيلة؟
لا، كلا... بل العكس. في زمن الأزمات المستحيلة التوقّع (من كان يتوقع اصابة اميركا بمثل ما اصيبت به في 11 أيلول؟) وحده الخيال الكبير في شجاعته هو الطريق الى الواقعية، شرط ان نمارس الواقعية من دون مراوغة كلامية فارغة!
[حسبنا شهادة على قابلية العالم للاقتناع بضرورة قيام الدولة الفلسطينية - وقد حاولت اسرائيل اغتيال كل معالمها وأجهزتها ورجالها - ان كيسينجر اياه، في مشروع اقترحه قبيل 11 ايلول، جعل قيام الدولة الفلسطينية حجر الزاوية في بنيان السلام].
***
ليس كثيراً على لبنان - اذا اراد الحكم فيه ان يباشر، هو كذلك، "فرض احترامه الوطني" - ليس كثيراً& ان يكون السبّاق بين العرب الى الدعوة الفلسطينية هذه... بدل الغرق مع سواه في مطالبات جزئية تبريرية احسن ما يمكن ان توصف به انها محاولة خوض حرب وقائية ضد "الحرب على الارهاب"... حرب تظهرنا وكأننا& ندافع عن بن لادن، حتى ولو ثبت اجرامه، لمجرد انه عربي ومسلم!!!
***
وبعد، الوقت ليس للفلسفة ولا خصوصاً للتفلسف، بل للحساب.
وأول الحساب هو محاسبة الذات. فلنحاسب أنفسنا ونتحاسب:
ماذا يمكن ان يجني العرب، ولبنان بالذات - في المطلق، نكرر: في المطلق! - من حماية "القاعدة" وبن لادن، على افتراض& انه مُنتظرٌ منا المساهمة في ذلك؟
الجواب: لا شيء. بل العكس. النهج الارهابي - كائنة ما كانت العقيدة التي يتجلبب بها أو يظن نصرتها - هو نهج انتحاري مصدره اليأس، ولا يمكن ان يؤدي لا الى تغيير الطبيعة الانسانية، ولا الى تبديل قواعد صناعة التاريخ او تطوره. وأخشى ما نخشاه، اذا سلكنا هذا الطريق، ان تمعن اميركا في غيّها فينقسم العالم بعد ذلك الى معارض للارهاب ومؤيد له... هو نحن !
في حين انه ليس من عقيدة دينية في العالم دعت الى اعتماد الارهاب. بل العكس هو الصحيح، ولبنان هو النموذج الفذ في "المآسي الذاتية" التي تؤدي اليها الحروب التي تعتمد الارهاب.
ولنتصارح، بدءاً بالارهاب "المسيحي": ألم يؤد الى استقتال المسيحيين بعضهم البعض، والآن الى ما يشبه المزيد من اليأس؟ وارهاب المسلمين، ألم يؤد كذلك الى صرفهم عن مقاتلة العدو العدو ليتقاتلوا؟ ولا حاجة الى احصاء ولا تفسير...
واذا لم يكن الخطف والقتل على الهوية ارهاباً، فماذا يكون الارهاب؟ وقتل الابرياء بالقنابل في بيوتهم وتهديم أحيائهم ومدائنهم عبثاً، أوَليس ارهاباً؟... وماذا عن اغتيال الزعماء والرؤساء الواحد بعد الآخر (ولاننسى القضاة !) ومن كل طائفة وفريق؟
والارهاب الفلسطيني في لبنان - حين كان - هل استرجع فلسطين، أم أدى الى مزيد من اضعاف قدراتها واستجلاب الويلات عليها... بما فيها ويلات استدخال الجيش السوري الى لبنان لضرب الفلسطينيين، وقد فعل؟
الأمر الذي ادى، بدوره، الى خنق القوى الحية في لبنان والى تحويله سلعة دفعت سوريا ثمن اقتنائها بالانضمام الى "الحلف الأميركي المقدّس" ضد العراق...
***
ولنعد الى محاسبة الذات.
نعم، لا منطق لأية مواربة في اعلان العداء للارهاب، من حيث هو، واياً يكن ومن اين يأتي، سواء من اميركا تخترع "بن لادن" جديد، او من بن لادن الذي يتحداها اليوم ونجح !...
ثم، لا فائدة لنا ولا مكسب من الامتناع عن خوص الحرب ضد الارهاب، متى تحدد معناه القانوني وارتسمت خطة استئصال جذوره. ولبنان لن يكتسب حق المشاركة في المطالبة بالذهاب الى معالجة جذور الحقد على "الكبار" الا من داخل الحرب، لا من شرفة المتفرج عليها.
هكذا، ببساطة. بل أكثر:
مصلحة البقاء اللبناني في عدم الوقوع في شباك التفاهة، أي "الاستقالة من القرار" كما في "عاصفة الصحراء"... اذ بدل أن نكون& شريكاً صريحاً (كالشقيقة الكبرى سوريا!) في "العاصفة"، ارتضينا ان نكون "شريكاً صامتاً" يراوح بين المعارضة الشكلية والموافقة الضمنية بالواسطة... فصرنا الضحية مرتين: ضحية "انتصار" العاصفة، وضحية محاولة "الانتصار عليها" ساعة بدأ "الانفتاح" على العراق، بحجة انقاذ شعبه من المأساة، يدر بترولاً ومبادلات اقتصادية، فضلاً عن البطولات... ومُنعت عنا حتى فتات موائد هذا الانفتاح!!!
فلا يلدغنَّ المؤمن (مثل لبنان) من جحر مرتين!!!
يدفع مرة ثمن انفتاح سوريا على العراق، ثم ثمن ابتعادها عنه عندما يُطلب اليها ذلك بَدَلَ بطاقة دخول الى "الحلف المقدس" العتيد !
***
ننتقل اخيراً الى حسابات المستقبل، ولو لماماً، لأن الحسابات ستطول. وقد تتغير المقاييس، وتتسابق الوقائع التي لا حساب يكون واقعياً اذا كان عنها غريباً، فنظرياً.
اذا صح ان لا شيء يمكن ان نجنيه من اي انتصار لأي ارهاب، لا من بن لادن، ولا من سواه - على افتراض ان انتصار الارهاب ممكن - فالاحرى ان ندرك ان "العولمة" الاقتصادية فالسياسية، التي ادت الى "عولمة الارهاب"، تؤدي كذلك، شئنا أم أبينا، الى عولمة الحرب عليه... اذاً لا بديل لدينا لولوجنا هذه العولمة: لا جبهة بديلة& نستنهضها أو نصر بديل نتطلع اليه... فأية فائدة من المراوحة؟
بماذا نساهم في الحرب، حتى نجني منها ثمناً؟
ربما لن نجني شيئاً، لأننا نستمر نقول ان شيئاً لم يطلب منا... او ربما لم يطلب منّا بعد؟...
بكلمة واحدة: "علينا ان ننقذ أمتنا من الأذى"، بلغة الرئيس الباكستاني!
وإذذاك تكون مشاركتنا في "الحرب على الارهاب"، تعبير عفوي أصيل عن طبيعتنا اللبنانية والعربية، الاسلامية كالمسيحية.
***
في لبنان، طريق الانقاذ هذه تفترض الشجاعة لا في المصارحة فحسب، ولا في مخاطبة العالم باسم لبنانٍ حر يريد فرض احترامه... بل الشجاعة كذلك في التخلّي عن رواسب ربع القرن من الحروب الارهابية التي ادت الى الخراب والدمار، وكادت تزرع اليأس من الحياة والحرية في قلوبنا والعقول... ثم الشجاعة في الانتقال الى بناء لبنانٍ جديد، بحرّية واستقلال& عبر حوار جدي في العمق يقود وحده الى التعقّل والتآلف...
لبنانٌ لا يكون ثمن حرية الآخرين، ولا ثمن حربهم - صادقة او مزعومة - على الارهاب الدولي...& ولا ثمن سلامهم خصوصاً... فضلاً عن المغانم والمكاسب التي نالوا ويستمرون ينالون من حروب يخوضونها بلحمنا ودمنا، زارعين ارضنا، بدل خيراتها، اوهاماً واشباح اوهام!
&