&
لا تزال الصحف والمجلات الأجنبية، منذ أحداث "الثلاثاء الأميركي الأسود" في الحادي عشر من أيلول الجاري، تفرد صفحات عدة يتناول فيها محرروها العلاقة الغريبة بين الواقع والمتخيّل السينمائي، على خلفية سلسلة من الأفلام التي أنتجتها هوليوود منذ أعوام وأعوام، كما بالنسبة الى أفلام ومشاريع اقتربت كثيرا من الاعتداءات التي تعرّض لها برجا <<المركز العالمي للتجارة>> ومبنى <<البنتاغون>>، في نيويورك وواشنطن، مما دفع الاستوديوهات الكبيرة الى اعلان ما يشبه حالة الطوارئ، تمثلت أولا بتعليق عمليات التصوير، وتبديل بعض المشاهد، وسحب الأشرطة الدعائية من الصالات.
آخر هذه المطبوعات الفرنسية، مجلتا <<لو بوان>> (2001921)، و<<اكسبرس>> (2001920): في الأولى مقالة لساشا رين، وفي الثانية لدوني روسانو.
هنا إعداد مترجَم الى العربية لهاتين المقالتين اللتين كشفتا بعض المعطيات الجديدة عن واقع الحال في عاصمة الفن السابع العالمي، تختلف بعض الشيء عما سبق ونشرته <<السفير>>، نقلا عن <<ليبراسيون>> الفرنسية، في السابع عشر من الشهر الحالي.
لم تعد هوليوود مرتاحة، منذ أحداث <<الثلاثاء الأسود>>. فعلى الرغم من انها ليست المسؤولة، حقيقة، عما حدث، إلا انها ليست بريئة كليا، في المقابل. هذا ما خلص اليه ساشا رين، الذي حاول الاتصال بعدد من المنتجين الهوليووديين، من دون الحصول على أجوبة منهم، تتناول ما يجري حاليا في عاصمة السينما. قال رين ان البعض آثر ان يجيب عن هذه التساؤلات، من دون ان يذكر اسمه، في حين ان قلة نادرة تحدثت مباشرة اليه، والى دوني روسانو من <<اكسبرس>>، الذي رأى ان نتائج الهجوم على نيويورك، <<كانت مباشرة ومزدوجة>>، مضيفا انه <<على صورة أميركا كلها، أوقف عالم السينما نشاطاته كلها في خلال يوم المأساة، وفي الوقت نفسه، عُقدت اجتماعات لكبار مسؤولي شركات الإنتاج>>.
رفض المنتجون ان يعلنوا شيئا، <<لأن الصور المذهلة، التي شاهدها الناس طوال أسبوع كامل (بعد يوم المأساة)، من دون ان يضعف حجم رعبها في أية لحظة، لم تكن، في الحقيقة، غريبة او غير معروفة>>، كما كتب رين، مضيفا ان الناس شاهدوا هذه الصور مرارا، فبدت مألوفة لديهم: طائرات تتحطم، أبنية تتداعى كالورق، سيارات تنفجر، شوارع تتمزق باللهيب والدمار، وجماعات من الناس المرعوبين والهاربين وهم يصرخون خوفاً وهلعاً من حمم النار والدخان. هذه الصور شكلت، منذ اعوام طويلة، اساس التجارة التي لا تنضب: <<لنعترف بذلك، كما كتب رين، هذه التجارة كانت مسلية جداً في سينما الاستعراض الكبير في الولايات المتحدة>>. لكن ثمة نقطة اختلاف: في السينما، هناك دائماً بطل يصل في اللحظة المناسبة، وينقذ الجميع من الكارثة النهائية.
تساءل أحد كتاب سيناريو <<ملفات اكس>>، بشيء من السخرية اللاذعة: <<اين كان بروس ويليس يوم الثلاثاء الفائت؟ ماذا كان يفعل ارنولد شوارزينيغر؟>>. لكنه سرعان ما يعود الى الجدية، فيشير الى ان مأساة نيويورك <<ستعدل جذرياً السيناريوهات الجديدة، في المستقبل. ما من احد يتحمل (بعد اليوم) مشاهدة فيلم حركة وأكشن، مع بطل يوقف الكارثة في اللحظة الاخيرة. على المتخصصين بإنقاذ العالم في السينما، امثال آرنولد وبروس، ان يبحثوا عن شخصيات اخرى، وادوار اخرى. فالابطال ماتوا>>.
لا تريد هوليوود، إذاً، أن تزيد في حالة الهلع التي يعيشها الاميركيون. فجمهورها مصدوم ومجروح بسبب تلك الصور الحقيقية التي بثتها محطات التلفزة، والتي <<تجعل من اي فيلم خيالي روائي مشابه، غير محتمل>>. كتب روسانو، في معرض سرده عناوين افلام تم تأجيل مواعيد اطلاق عروضها، ان النية تتجه الى إلغاء الصور كلها التي تحتوي على برجي <<المركز العالمي للتجارة>>، في حين ان اي موضوع مرتبط بالارهاب جُمد: ما هو مصير <<ذروة المخاوف كلها>>، الذي انتجته <<بارامونت>>، عن ارهابيين يهاجمون ملعباً رياضياً؟ علماً بأن مصير افلام اخرى، مثل <<الرجل العنكبوت>> و<<ارتباك كبير>> و<<ضرر جماعي>> وغيرها، بات معروفاً: إما التأجيل، او تبديل بعض المشاهد، او الغاء المشروع. حتى ان فيلماً لا علاقة مباشرة له بالارهاب والعنف، مثل <<يوم التدريب>> عن فساد الشرطة، تم تأجيل عرضه ايضاً.
امتنعت الاستوديوهات عن اي تعليق، كما بعض المنتجين المتخصصين بافلام الاكشن، مثل دين دفلن (يوم الاستقلال) وجيري بروكهايمر (بيرلل هاربور). احد المعلمين وصف هذه الحالة في <<اكسبرس>> بالقول إن <<التعليق بأي شيء سيكون صادماً وغير محترم>>. أما المنتج توم بولوك (تطور)، الذي بدا عليه الغضب والسخط، فقال: <<وحدها وسائل الاعلام تهجمس بالسؤال عما ستفعله هوليوود. هنا، الجميع مصدوم بشدة، الى درجة انه لا يفكر بهذا النوع من المسائل>>، غير ان القرارات المتخذة بهذا الصدد، كشفت عن ان <<المشكلة حقيقية>>، وان السؤال المطروح بقوة، يبقى في معرفة ما اذا كانت هوليوود ستستمر في إنتاج افلام عن حكايات شبيهة ب<<الموت القاسي>>، حيث يتواجه الابطال والارهابيون، بين عمليتي تفجير دمويتين.
من جهتها، قالت مديرة <<الكاستنغ>> في فيلم <<ارتباك كبير>> لباري سوننفيلد (ثريلر كوميدي، مع تيم آلن ورينيه روسو، عن قنبلة نووية في طائرة مدنية)، الذي تأجل موعد اطلاق عروضه الأميركي الى العام 2002: <<حتى في العام المقبل، أعتقد ان ما من أحد سيكون له قب للضحك. أفلام كثيرة ستوزع في اشرطة فيديو. شركة <<وارنر>>، التي اوقفت بث الشريط الدعائي لفيلم <<الرجل العنكبوت>>، بسبب تصويره هذا الرجل عالقا بين برجي <<المركز العالمي للتجارة>>، طلبت أيضا من كل الذين يملكون ملصقات الفيلم <<ان يعيدوها (للشركة)>>.
بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت مرحلة الكوميديات الموسيقية. وإثر اغتيال جون كينيدي، عرفت <<ماري بوبانز>> و<<لحن السعادة>> نجاحا جماهيريا ساحقا. الهجوم على نيويورك يخاطر في دقّ ناقوس الخطر بالنسبة الى نوع سينمائي تزايدت شعبيته مع تطوّر المؤثرات الخاصة، مما يعني أن على الجمهور ألا ينتظر تحقيق جزء رابع من <<الموت القاسي>>، أو فيلم عما حصل في نيويورك، على الرغم من إشاعات بدأت بالانتشار، أفادت ان كتّاب سيناريوهات انكبوا، منذ الآن، على وضع مسودات مشاريع كهذه. في هذا الإطار، قال غولدمان: <<لا أريد ان أبدو وقحا. لكن، ما من أحد يمكنه ان يفعل شيئا بصريا أفضل مما شاهدناه مباشرة على التلفزيون. ما من أحد يرغب في الاقتراب من موضوع كهذا>>.(السفير اللبنانية)
&