كتب رفيق خوري في الأنوار اللبنانية فقال :" بطاركة الشرق رفعوا الصوت في (ظروف عالمية محفوفة بالمخاطر). فهم في استنكار العمل الارهابي الذي ضرب أميركا، دعوا الى (التروي والحكمة) لئلا تؤدي ردة الفعل الانتقامية الى (دورات عنف لا نهاية لها). وهم في التحذير من (الأحكام الظالمة والتعابير المثيرة للحساسيات وتشويه فئات معينة كالعرب والمسلمين) لفتوا النظر الى (واقع العولمة) وما فيه من سلبيات ومظالم قادت الى (اليأس والاحباط والمرارة) لدى الشعوب وزادت بشكل خاص من مشاكل العالم الثالث (الذي يعاني من الفقر والمرض والجهل والتخلف، كما من الارهاب المنظم الذي يمارسه بعض الدول ومن الأنانية الجماعية للعالم الصناعي). شيء من كسر الصمت في مواجهة موجة صاخبة تحاول توظيف خطر الارهاب في صنع ارهاب أكبر. وشيء من صراخ المتظاهرين ضد العولمة في سياتل وجنوى وسواهما.
لا بل ان البطاركة تجاوزوا الصورة العامة الى التفاصيل، وان قيل انهم أغفلوا بعضها وركزوا على جانب واحد في بعضها الآخر. فأبسط ما أعادوا تأكيد الحاجة اليه هو (حوار الثقافات والحضارات) رداً على تصادمها. وأقل ما طالبوا الأسرة الدولية به، عند النظر في (حال بلداننا)، هو المواجهة الحقيقية لقضايانا بالحلول العادلة (حيث العدل هو طريق السلام، والسلام العادل هو الطريق الحقيقي الى الأمن): من (منح الشعب الفلسطيني حقوقه في دولته المستقلة وعاصمتها القدس) الى (رفع الحصار ووضع حد للظلم الذي يعاني منه الشعب العراقي). ولم تغب مشاكل لبنان الاقتصادية والسياسية عن بيان مجلس البطاركة، وان غاب ما يربطها بالصراع العربي - الاسرائيلي. ولا كانت حصة البلدان العربية أقل من الدعوة الى العمل على (خير مواطنيها واحترام كرامتهم كي يأخذوا مكانهم ومكانتهم في مسيرة أوطانهم).
والأمل هو ألا يكون صوت البطاركة مثل صوت يوحنا (الصارخ في البرية). أولاً في برية الغرب الذي يستعد للحرب ويمارس العنصرية. وثانياً في برية الشرق الذي يعاني من أنظمة الاستبداد ويواجه، فوق مظالم الغرب والاحتلال الاسرائيلي، تيارات الانغلاق ورفض الآخر. فما يدور حولنا هو منطقان خطيران يغذي كل منهما الآخر ويتكامل معه، ولو من موقعين متناقضين: منطق الرئيس بوش الذي يضع الحرب في اطار المواجهة بين (الخير والشر). ومنطق (الطالبان) الذي يضعها في اطار المواجهة بين (الايمان والكفر).
ذلك ان الحرب هي أولاً وأخيراً، حرب سياسية واقتصادية يشم فيها الجميع رائحة النفط ويرى كثيرون على خريطة آسيا الوسطى استراتيجية الهيمنة الأميركية. ولا يبدل في الأمر انها رد على عمليات ارهابية قامت بها منظمة لها قواعد في بلد يمنحها الملجأ، وكانت جزءاً من المواجهة مع أميركا والغرب لأسباب بعضها ايديولوجي وبعضها الآخر سياسي ضد الحماية الأميركية لاسرائيل والوجود العسكري الأميركي في المنطقة. فلا أميركا التي تتحرك بعوامل الربح واقتصاد السوق وثقافة الاستهلاك والغطرسة تمثل القيم المسيحية. ولا نظام الطالبان ومنظمة (القاعدة) يمثلان الوجه الحضاري للاسلام.
واذا كان الوجه الأول للمشكلة هو أن تأخذ الحرب الأميركية طابع العداء للعرب والمسلمين، فان الوجه الثاني هو معادلة ادانة الارهاب والتعاطف مع الارهابيين والدفاع عنهم. ومن هنا أهمية ارتفاع الصوت الآخر: الصوت الاسلامي الذي يتأثر به الشرق ويسمعه الغرب، الى جانب صوت البطاركة الذي يسمعه الشرق وقد يؤثر في الغرب.
والحرب أولها كلام، كما قال الشاعر العربي القديم. كذلك حوار الحضارات.