تحقيق هنري حاماتي&:يتطارح الناس، في ما بينهم كل يوم، السؤال التالي:
- اذا لم يكن تنظيم بن لادن هو المسؤول عن عمليتي نيويورك والبنتاغون، فمن المحتمل ان يكون بطلهما؟
- في ما يأتي، محاولة اجابة عن هذا السؤال، اجابة لا تستند، بالطبع، الى تحقيقات بوليسية عدلية،
او الى وثائق، ولكنها تجتهد في تقصي مقومات هذا الذي سندعوه "الاحتمال الآخر"،
داخل المجتمع الاميركي المليء بالقضايا القابلة للتفجر.
- لماذا نوجه انظارنا نحو "الاحتمال الآخر"؟
- لاسباب عدة، هذه اهمها:
أ - عمليتا نيويورك والبنتاغون عمليتان صعبتان ودقيقتان، فهما تقتضيان مؤهلات بشرية شخصية متمرسة في القتال والطيران، يصعب تجنيد مثلها لاربع طائرات دفعة واحدة.
ب - لان قصة بن لادن، مع الولايات المتحدة، قصة قديمة، شاهدنا فصولها في كينيا وتنزانيا وبحر اليمن... فلما كان على الادارة الاميركية، منذ اللحظة الاولى لتفجيرات نيويورك والبنتاغون، ان تقدم للاميركيين جوابا يقنعهم ان اجهزتها غير مقصرة، وغير غافلة، وان الادارة تعرف عدوها. بادرت فوراً - قبل مباشرة اي تحقيق، وقبل ظهور اي دليل، وقبل اعتقال اي متآمر او شاهد - بادرت الى تسمية بن لادن، والى اتهامه، والى المطالبة برأسه. فالحقيقة هي ان الولايات المتحدة لا تملك غير قصة بن لادن تعرضها على الرأي العام المنذهل في اميركا والعالم.
ج - الاسماء العربية والمسلمة التي سارعت الى اذاعتها الادارة الاميركية، خلال الاربع والعشرين ساعة الاولى من الكارثة، كانت اسماء احياء يرزقون واسماء اموات، واسماء اشخاص بسطاء لا يعقل ان يكونوا منفذي اضخم واعقد عملية انتحارية تدميرية عرفها العالم.
د - لم تنشر الولايات المتحدة كلمة واحدة عن طواقم الطائرات الاربع، وتاريخهم، ولم نسمع الكثير، ولا القليل، عن التحقيقات الاولية التي اجريت في اوساط عائلاتهم، واصدقائهم، ورؤسائهم السابقين في الجيش الاميركي، علماً ان قادة الطيراني المدني في الولايات المتحدة الاميركية هم غالباً، بل دائماً تقريباً، ضباط سابقون في الجيش الاميركي، فلدى اهل البنتاغون ملفات كاملة عن حياتهم، لا تخلو من المعلومات المفيدة عن ماضيهم، ومتاعبهم، ومشكلاتهم... ناهيك بأفكارهم وتوجهاتهم.
هـ - لم تنشر الادارة الاميركية كلمة واحدة عن محتويات "الصناديق السود"، للطائرات الاربع، علماً ان هذه الصناديق تكشف النقاب عن كل ما يجري - كل ما جرى - داخل غرفة القيادة في الدقائق الاخيرة، الدقائق الطويلة التي فصلت بين لحظة اقتحام غرفة القيادة - اذا كان من اقتحام -& ولحظة الصدام الاخير.
و - وما يدعو الى الشك ان الادارة الاميركية اعلنت ان احد هذه الصناديق "في حالة سيئة، الامر الذي استدعى ارساله الى المصنع الذي صنعه..."، وبعد هذا لم نسمع كلمة واحدة لا من الادارة ولا من المصنع... علماً ان هذه الصناديق مصنوعة بطريقة خاصة تحصن محتوياتها من الصدام او الاحتراق. فالصانع، اساساً، صنعها لتصمد للصدام والاحتراق. وهذا الصانع هو& من الذكاء بحيث يعلم ان احداث الطيران هي حكماً صداماً وحرائق... ولا شيء غير ذلك.
ز - منذ الساعات الاولى، ادرك بوش ان ثمة خطراً كبيرة محتملاً على حياته الشخصية، فكان اول قرار اتخذه هو السفر الى لويزيانا!
- وماذا في لويزيانا؟
- في لويزيانا مركز قيادة عسكري انشئ في ظروف التهديد السوفياتي، وفيه مركز اقامة رئيس الجمهورية الاميركية عند الضرورة القصوى، مع الخط الاحمر وشيفرة الاسلحة النووية السرية. فهو مركز يصمد لاي هجوم نووي سوفياتي على الارض الاميركية، اياً كان حجمه، الامر الذي يعصم الرئيس الاميركي، ويبقيه حياً، فقادراً على اطلاق القوى النووية الاميركية في اتجاه الاتحاد السوفياتي!
ح - الى هناك هرع بوش، ومن هناك استنفر الجيش الاميركي بقطعاته المختلفة، ثم رفع مستوى الاستنفار الى الدرجة القصوى، وهو يعلم ان القوة كلها، على ضخامتها، هي فقط قصة طائرات مدنية مخطوفة استخدمت بمهارة اجرامية فائقة التصور كسلاح ارهابي... ليس الا؟
فلا سوفيات! ولا حرب! ولا تهديد نووي من خارج الولايات المتحدة!
... ومع هذا، كان كلامه الاول - وما اكثر زلات لسانه الفاضحة - "ان الاعداء موجودون بيننا! وستكون معركتنا معهم عنيفة! وسنسوقهم امام العدالة!"... فمن كان هؤلاء الذين استدعوا كل هذا الهلع، في الساعات الاولى؟
ط - ولا بد من التذكير بأن بن لادن نفى ان تكون له علاقة بتفجيرات نيويورك والبنتاغون، فهذا له حسابه ايضاً... واذا كان ثمة من يقول ان بن لادن لا يستطيع ان يعترف بمسؤوليته عن العملية لان في هذا ما يحرجه تجاه طالبان، فإننا نرى ان هذا المنطق ينحر نفسه: أليس هذا معناه ان بن لادن ما كان ليفكر في عملية رهيبة كهذه - ليس فقط حتى لا يحرج تجاه طالبان، بل - حتى لا يورط طالبان بما حرصت الولايات المتحدة على توريطها به منذ اللحظة الاولى، ودون تردد. وبن لادن اولى الناس بمعرفة مشكلة الولايات المتحدة فيه هو، وفي طالبان، وفي افغانستان.
وبعد
القوى الكبرى للمجتمع الاميركي
ان تصوّر "الاحتمال الآخر" هو تصوّر يفترض ان مخططي العملية ومنفذيها ليسوا بن لادن وجماعته.
بل ليسوا عرباً او مسلمين.
بل ليسوا من خارج الولايات المتحدة الاميركية.
فهو تصوّر يؤسس نفسه على مشاهدة، ولو سريعة، للتكوين الاجتماعي السياسي للمجتمع الاميركي، لاستطلاعه مقومات ما يمكن ان ينتج ظاهرة عنف في هذا المستوى وهذا الحجم: اعني لاستطلاعه عناصر "الاحتمال الآخر".
سنتبع في هذه العجالة، نهج تعيين القوى الكبرى التي يُُعرف بها المجتمع الاميركي، ونعد منها، ههنا، اهمها، في مرتبتين:
1- في المرتبة الاولى، نشاهد اربع قوى مؤسسية تؤلف هي القوائم الاربع التي تقوم عليها الدولة الاميركية، وهي: الرأسمال الصناعي، والادارة السياسية، والجيش، والبؤر العلمية.
2- وفي المرتبة الثانية، نشاهد التناقضات الاجتماعية الكبرى التي تقدم لنا منظر المشكلتين الرئيسيتين في المجتمع الاميركي: ونعني مشكلة التفاوت الطبقي الهائل: 60 مليون اميركي يعيشون تحت الحد الادنى المقبول للفقر، ومشكلة الاختلاف العرقي: السود والبيض، والانكلوسكسون واللاتين والآخرون...
في المرتبة الاولى، اذن، تتحدد ركائز الدولة الأساسية، وتتعين بالتالي، سمات النظام السياسي العام - السيستم - المقدس الاول في ما يدعى الديموقراطية الاميركية. فما النظام الاميركي، في الاخير، سوى مجمل العلاقات القائمة بين القوى المؤسسية الأربع: المصنع، والادارة، والجامعة والجيش...
وفي المرتبة الثانية، التي تحكمها الليبيرالية الاقتصادية المتوحشة، تتحدد سمات النظام الاجتماعي العام: نظام دعه يعمل، دعه يمر، دعه يجوع، دعه يمرض، دعه ييأس، دعه يموت... وهو نظام يحشر الافراد حشراً في التكتلات العرقية التي تشكل المفجر الثاني الأعظم للحياة الاميركية، بعد المتجر الطبقي.
نعم العرق/الطبقة، هذا هو اللغم الاعظم الذي تبطنه الحياة الاميركية:
الرأسمالي الصناعي الانكلوسكسوني البروتستاني الأبيض، الـ"Wasp"، مستنفراً معه الانكلوسكسون المتعصبين البيض، المناضلين ضد الملونين، كل الملونين، بمن فيهم اللاتين، ناشطين وراء اقنعة الارهاب، وتحت شعار "الصليب النازي"، في جهة،
والآخرون، كل الآخرين، في جهة اخرى.
* * *
طبعاً، لا يختلف وضع الولايات المتحدة، عن اوضاع بقية المجتمعات المشابهة، فهو يخضع، ككل اجتماع بشري، للنواميس الاجتماعية العامة التي تحكم المجتمعات الانسانية وتقرر شكل السلطة فيها: النواميس التي تعلمنا "ان السلطة قدرة - Pouvoir - و"ان القوة العظمى، أياً كان نوعها، وأياً كانت كيفية تشكلها، هي التي تحكم، وهي التي تقرر شكل "الديموقراطية" العزيزة على قلب الاميركيين.
والقوة العظمى في الولايات المتحدة هي، حتى الآن، قوة الرأسمال الصناعي. فهو الحاكم، وهو القائد، وهو مقرر النظام العام في الداخل الاميركي، وهو الراسم والاستراتيجيا العامة للدولة الاميركية في الخارج.
الرأسمال الصناعي، "اي مصلحة الرأسمالية الصناعية الفردية هي التي تتشبث بالليبيرالية الاقتصادية المتوحشة في الداخل، وهي التي تفرضها على العالم في صيغة اتفاق انترناسيوني يدعى "الغات": هي القوة الأولى.
الادارة الاميركية تابعة للقوة الاولى، ومقيدة بمصلحتها - وخصوصاً مع الجمهوريين - وخادمة لها، مفلسفة سلوكها بمنطق الفلسفة الليبرالية التي لا تعتبر لمفهوم النفع العام سوى معنى واحد هو تطور الانتاج الصناعي ونجاحه، وهما امران لا يحصلان الا بتأمين تطور التكنولوجيا - وهذا هو دور البؤر العلمية او الجامعات ومراكز الابحاث - وبتأمين تصريف الانتاج داخلياً وخارجياً.
تعميم الليبيرالية المتوحشة
الآن، نحن نعبر الخط الاحمر لمصلحة الطبقة الرأسمالية الصناعية الحاكمة:
دور الادارة هو تأمين تصريف الانتاج الصناعي، داخلياً، في الجيش الاميركي - وهو اكبر زبون للصناعة الاميركية الثقيلة - وخارجياً، لدى "الدول الصديقة"... ورسم سياسة تعميم نظام الليبرالية المتوحشة في العالم كله. وعمل كل ما هو ممكن لاستبقاء منتجات الصناعات الاوروبية واليابانية باهظة الاكلاف عبر التحكم المباشر بالنفط: ضخاً وتسعيراً، لتوفير افضل شروط الزحمة للمنتجات الاميركية... وأخيراً، خلق المناخات الدولية اللازمة لتنشيط الانتاج الصناعي العسكري الثقيل، والا فلا بد من اصطناع "مظلة واقية من الصواريخ العابرة للقارات"، رغم انتهاء الحرب الباردة منذ احد عشر عاماً.
واذا جاءت ادارة اميركية متمسكة بمبادئ اخلاقية ما، او بقيم ما، فلا بد من ازالتها ولو اقتضت ضرورة ازالتها قتل رئيس الولايات المتحدة نفسه، ولو كان اسمه جون كينيدي.
لقد كان هذا الذي نصف بعضاً من جوانبه، هنا، نظاماً عاماً ثابتاً مدستراً في الولايات المتحدة الاميركية، منذ ما قبل الاستقلال حتى ايامنا الحاضرة.
ولم تكن علاقة الرأسمال الصناعي بالجامعة مختلفة عن علاقته بالادارة. فالجامعيون اثنان:
علماء علوم وضعية، يعملون في المشاريع الصناعية، ولها، وفي مراكز الابحاث المشمولة منها، فهم متعيشون من الصناعة، ومقيدون بأربابها، وعاملون باشراف الادارة - في المشاريع الاستراتيجية خصوصاً - والادارة نعرف هويتها وتبعيتها.
وعلماء علوم انسانية وخدماتية يشكلون طبقة وسطى متعيشة من فتات الموائد الكبرى: ومنهم منظرو الحرية والليبرالية والديموقراطية، وموظفو المؤسسات المالية، وأصحاب المهن الحرة، والكوادر السياسية والادارة المحلية... ورجال الاعلام، ورجال الأمن القومي/المخابرات على انواعها.
نعم، التنظير للحرية والليبرالية والديموقراطية هو كل الفكر السياسي الاميركي: هو دين الدولة! ولا محل في هذا النظام، الذي قلنا انه مجمل العلاقات القائمة بين المصنع والادارة والجامعة والجيش، لغير من يدين بهذا الدين!
ولقد كان عقل العلوم الانسانية معطلاً كلياً، خلال عقود الحرب الباردة، تحت سيف نظام لا يسمح اطلاقاً بتطارح قضايا النظام الاجتماعي الهمجي، المتخلف مئتي عام عن الانظمة الاجتماعية الاوروبية... تحت طائلة الاتهام بالتشيّع للسوفيات، الامر الذي لا يعني اقل من الخيانة العظمى. (30 مليون اميركي كانون تحت مراقبة الاستخبارات الاميركية على مدار الساعة، خلال الاعوام 1950-1990).
اكبر جسم اميركي
وكما هي الادارة، كذلك قيادات الجيش والامن القومي.
فالادارة تحرص على ألا يصل الى المناطق العليا من طبقات الهرم العسكري الامني الا "الموثوقون"، وهؤلاء، في الجيش، هم غالباً ابناء عائلات زرقاء موثوقة، او من كانت ملفاتهم نظيفة مئة في المئة.
والمطلوب من القيادات العسكرية مطاوعة الادارة والمصنع في التوقيع على اوراق "حاجات" الجيش، وطلب "الضرورات" الملحة من التقنيات والعتاد: فاقرار المظلة الواقية من عابرات القارات - مثلاً - يحتاج توصيات، بل طلبات من كبار الاستراتيجيين العسكريين، "الحريصين" على تأمين حماية البلاد من الاخطار الخارجية.
على ان الجيش هو اكبر جسم بشري موجود في المجتمع الاميركي.
ولقد كان، منذ عبوره الاطلسي خلال العقود الاولى من القرن المنصرم الى العالم القديم، خير ملاذ لشبان الطبقة الفقيرة الذين لا يجدون مجالا للعمل في البلاد، وخصوصا في ازمان الازمات الحاملة من الكساد، بالنظر الى تدني مستوياتهم العلمية والثقافية.
والكساد آفة المجتمع الرأسمالي الصناعي، ولا دواء له غير خض السوق وتحريك عمليات التوزيع والتصريف، وهي الوظيفة التي تتنكبها الادارة في الخارج، بافتعال الحروب واختلاق الصدامات الدولية واذكاء نار التناقضات، حيثما يمكن ذلك.
هكذا وجدت الرأسمالية الصناعية الاميركية وسيلتها لتخطي ازمات الكساد، بواسطة نشاط الادارة، وهكذا، في الوقت نفسه، صار بقاء الجيش متمركزا ومتحركا في انحاء العالم ضرورة وطنية داخلية قوامها تنشيط الصناعة، وهكذا، اخيرا، اخذ الجيش ينمو ويكثر ويعظم وتنمو حاجاته وتكثر وتعظم، حتى بات اعظم قوة عسكرية في العالم، خلال بضعة عقود من السنين.
ولا بد، هنا، من سوق ملاحظة صغيرة، ولكن هامة على العلاقة بين طبقة الفقراء المعوزين والجيش: كان الجيش ملاذا للفقراء، قلنا، ولكنه كان في الوقت نفسه عاملا مساعدا على مواجهة الازمات الاجتماعية الداخلية، باشكال عدة:
اولا: بكون المؤسسة العسكرية الاميركية هي اكبر زبون للمؤسسة الصناعية الاميركية.
ثانيا: بكون الدور الذي يقوم به الجيش الاميركي خارج البلاد، هو دور منشط للانتاج الصناعي الاميركي، لأنه منشط لعملية تصريف الانتاج الاميركي في اسواق بل في جيوش الدول الحليفة.
ثالثا: بكونه يؤمن ظروفا افضل للعمل في الداخل الاميركي، عندما ترتفع وتيرة عمليات تصريف الانتاج الصناعي في الخارج، وبالتالي وتيرة عمليات الانتاج، في الداخل.
رابعا: بكونه هو الجيش، يضخ من الاوساط الفقيرة مئات الالوف من الشبان العاطلين عن العمل، مسهما هكذا، في التخفيف من حدة المعضلة الاجتماعية المتمثلة في هذه الفئة الاجتماعية الواسعة النطاق، التي تؤلف اكبر تهديد للمجتمع الاميركي.
بعد ما تقدم من ايضاحات حول التكوينات الاجتماعية السياسية الكبرى في الولايات المتحدة الاميركية، صار في امكاننا طرح السؤال الكبير الآتي:
كل مجتمعات العالم حصلت فيها تطورات مهمة قلبت اوضاعها رأسا على عقب، اخذت شكل تبدلات جوهرية في نظاميها الاجتماعي والسياسي، كانت عواملها ثقافية اقتصادية في الدرجة الاولى، الا المجتمع الاميركي، فلقد بقيت قواعد حياته السياسية والاجتماعية ثوابت جوامد، حتى ايامنا الحاضرة... فاذا كان علينا، بمقتضى منطق نواميس التطور العامة، ان ننتظر، آجلا او عاجلا، (تبدلا) ما يحصل في هذا المجتمع، فما هي القوى المرشحة لتحقيق هذا التبدل؟
طبعا، نحن نسأل عن قوى حية تتمثل في حقائق جديدة، فالتبدل او التطور هو حركة الى امام، ولا يمكن تصور حركة تحدث تبدلا دون افتراض قوة جديدة تحققها. وجوابا على هذا السؤال، نحن نقول ان المجتمع الاميركي يتمخض عن احداث مهمة مستقبلا، وان تبدلات خطيرة ستعصف به في السنوات الآتية، وذلك لأنه بات يبطن حقائق جديدة آخذه بالاخلال بتوازن قوائمه الاربع، وبتصديع علاقاتها، وما الاحداث الاخيرة الا الظواهر الاولى للتبدلات المنتظرة.
اول حقيقة تاريخية الجديدة في حياة المجتمع الاميركي هي الجسم العسكري الاميركي.
هذه مؤسسة قومية عامة، بل هي اول مؤسسة قومية عامة جامعة للاميركيين!
هذه الحقيقة الجديدة عمرها بضعة عقود فقط، وتكمن اهميتها، بالنسبة الى مجمل المتحد الاميركي، في انها المؤسسة الوحيدة الجامعة للاميركيين الممزقين، اجتماعيا، الى اعراق وطبقات، والممزقين، اداريا، الى "ولايات" ذات مجالس وحكومات (وهذه العبارة ترجمة خاطئة لعبارة States التي تعني دولا لا ولايات) والممزقين نفسيا الى اثنيات واصول قومية مختلفة ومتنافرة.
كان بديهيا ان تستفيد سلطة الرأسمال الصناعي، اعني قدرته، اعني its power، من هذا التمزق الثقافي الاقتصادي الاجتماعي الثقافي، بل نحن نذهب الى ترجيح ان سلطة الرأسمال الصناعي التي استبقت المجتمع الاميركي عاصيا على التغيرات التاريخية، ما كان ممكنا لها ان تحفظ عصمتها وعصمة هذا الدستور (السيستم) لولا ان المجتمع الاميركي كان ممزقا، مفككا، لا قبل له بأي فعل، او بأي رد فعل.
الحدث التاريخي الكبير، في نظرنا، هو اذن نشوء الجيش الاميركي وتحوله خلال العقود الستة الاخيرة فقط، من جيش صوري هو اقرب الى القوى الاجرائية الامنية الداخلية منه الى جيش ضخم، عددا وعتادا، تعهد اليه مهام كبيرة دائمة في انحاء الكرة الارضية جميعا.
ومن يجرؤ على القول ان مثل هذا الحدث التاريخي الضخم سيبقى دون فعالية تذكر في مستوى التكوينات السياسية وفي مستوى العلاقات الاجتماعية، للدولة والمجتمع الاميركيين؟
رابطة تشبه الهوية
لا نجرؤ على اغفال هذه الحقيقة الجديدة، ولا نستطيع الامتناع عن متابعة افعالها النفسية والاجتماعية والسياسية في اميركا.
بل ان ما يجدر الاهتمام به بقوة هو ان هذه المؤسسة القومية العامة الوحيدة استطاعت ان تؤسس اول رابطة قومية عامة بين الاميركيين: رابطة تشبه الهوية.
اجل، الرابطة الوحيدة التي يشعر بها الاميركيون، المتميزون بالنزعة الفردية - نزعة الاميركان كوميونتي - حين يتعاطون في الحياة، او تجمعهم صدفة، هي رابطة الهوية العسكرية لمقاتلي النورماندي، في الحرب الثانية، ومقاتلي اليابان، ومقاتلي كوريا وفيتنام، ومقاتلي العراق... فهؤلاء الذين فرقتهم فلسفة النفعية الفردية الاميركية، وفرقتهم اصولهم واعراقهم وطبقاتهم ودولهم (ولاياتهم)، جمعهم الجيش، وقرب بينهم، واشعرهم بانتماء واحد الى وطن واحد، واوجد في محمولات ذاكرتهم مفاعيل وقائع مشتركة، من افراح وآلام وانتصارات وانكسارات ومخاوف وتساؤلات.. هذه الرابطة، التي دعوناها هوية في حدود ما اوضحناه آنفا، هي اليوم حقيقة اجتماعية نفسية واحدة.
ولكنها حقيقة محكومة، اجتماعيا، بالتمزق النفسي العرقي الطبقي العام، ومضغوطة، سياسيا، بالقوة العظمى: قوة الرأسمال الصناعي المهيمن على الادارة المتمثلة بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، وعلى قيادات، الجيش... وسيبقى مقدرا لهذه الحقيقة الجديدة ان تبقى عاطلة - ولكن كامنة - اي ليست ذات فعل تغييري عملي يشاهد في يوميات المجتمع الاميركي... الى ان يقيض لها ظرف من الظروف المؤاتية، فينقذها من عطالتها، ويمنحها مجال الفعل.
نقول، لا حركة دون قوة تحدثها؟
المجتمع الاميركي، مثل كل مجتمعات العالم، سيتحرك حتما الى امام، وسيحتضن تغيرات في الاتجاه العام لسياق التطور الانساني العام، شاءت قوى الرأسمال الصناعي او ابت، فما من قوة في الكون تستطيع ان تعطل النواميس العامة في الاجتماع البشري، نواميس التطور الفاعلة ديناميا في قلب المجتمع بقوى المجتمع نفسها، شاء افراده انفسهم او ابوا.
ولعل المجتمع الاميركي اكثر المجتمعات الانسانية استحقاقا لرهانات التغيير، بالنظر الى غناه بعوامل التطور: القوى المادية الروحية التي لا احصاء يحصيها فيه.
يمكننا الان ان نقارب تصور "الاحتمال الآخر" في مراجعة اولى:
في العام نفسه الذي سقط فيه الاتحاد السوفياتي، واعلن فيه رسميا انتهاء الحرب الباردة، اجتاح الجيش العراقي الكويت، وانفجرت حرب الخليج الثانية.
الغدر اربع مرات
انتهت الحرب الباردة مع السوفيات، وابتدأت حرب ساخنة مع العراق: حربا في حجم سبعمئة الف جندي اميركي، في اضخم ترسانة اسلحة وارقى ترسانة اسلحة عرفها تاريخ الانسان، شارك فيها مجموع دولي مؤلف من ثلاثين دولة.
لا بد للادارة الاميركية من البحث عن سوق لبيع المنتجات الصناعية الاميركية، فهذه هي وظيفتها الاولى. وهكذا تم افتتاح اضخم معرض لأضخم كمية اسلحة لزبائن مقرشين فعلا، هم حكام الدول النفطقراطية في الخليج العربي:
اضخم كمية اسلحة جمعها الاميركيون من مئة وخمسين مركزا عسكريا كانت لاشهر قليلة سابقة تطوق الاتحاد السوفياتي...
هذا كان آخر افعال الجيش الاميركي خارج الـ home:
تمركز واسع النطاق في البحار والصحارى والمحيطات، استخدام واسع النطاق لتكنولوجيا الصواريخ والاسلحة الحديثة.
الرئيس صدام حسين يطلب من دي كويلار ابلاغ مجلس الامن عن عزمه على استعمال كل الاسلحة التي يملكها اذا دخلت الجيوش الحليفة ارضه.
ثم يتوقف القتال، ليبدأ الحصار على جبهة العراق، وليبدأ بيع الاسلحة على جبهة الدول النفطقراطية.
استمر الاعداد للحرب، اي نقل الاسلحة وحشد الجيوش، مدة خمسة اشهر ونصف، ولكن المعركة لم تتجاوز الاربعين يوما.
وانكشف الصراع عن كارثة: السلاح الاميركي قذر، فالذخيرة ملوثة باليورانيوم المستنفد، والطعوم التي اعطيت للجنود كانت وبالا عليهم اشد من اليورانيوم.
لقد لوثوا ارض العراق، فابتلي شبانه واطفاله باعراض مرضية سببت عددا هائلا من الوفيات.
ولكنهم تلوثوا هم ايضا: فالمصابون من الجنود الاميركيين يعدون مئة الف جندي، اعترفت الدولة الاميركية بعشرين الفا منهم.
نعم كانت حصيلة بيع الاسلحة لدول الخليج ارقاما ضخمة، وما كان احوج جورج بوش اليها! هو الذي اوصل ديون الدولة الاميركية الى 3.7 تريليون دولار!
ولكن كانت حصيلة القتال مئة الف جندي معطوب: مئة الف عسكري مريض، مألوم، بما لا شفاء له منه ، فيما خضع كل جنود تلك الحملة للفحوص الطبية والمراقبة الصحية، فعاش الاصحاء منهم من آلام القلق ووسائس المرض ما لا تحتمله اعصاب، وخصوصا انهم يشاهدون، بأم العين، ما اصاب زملاءهم من مصائب، كان اقلها شأنا الاما في الجسم، ولكن اخطرها تغيرات جينية mutation genetique، حصل جراءها المصابون بها على اطفال مشوهين.
اذن، عاد الاميركيون معطوبين، ودون ان يحرزوا انتصارا عسكريا يتبرر به هذا الحشد الهائل من الجيوش والاسلحة،
عادوا من اعظم حشد عسكري لهم محتضنين اسوأ ما يخشاه شبان في مقتبل العمر: امراض لا شفاء منها.
اجل، كانت حرب فيتنام هزيمة عسكرية ايضا للجيش الاميركي، ولكن ضحاياها كانوا امواتا، واما ضحايا حرب العراق فأحياء يرزقون اطفالا مشوهين.
هم يشعرون، وهذا من حقهم، ان قيادة جيشهم في البنتاغون قد غدرت بهم اربع مرات: مرة اولى حين دعتهم الى حرب منتصرة وما من نصر، ومرة ثانية حين طعمتهم طعوما فاسدة ضارة، ومرة ثالثة حين زودتهم اسلحة تقتل حامليها، ومرة رابعة عندما انكرتهم، وهملتهم وتنكرت لمسؤوليتها عما اقترفت يداها.
ما من شك في ان النتائج التي ترتبت على حرب العراق، مثل تلك التي ترتبت على حرب فيتنام، لم تكن سوى مشكلات& صغيرة امكن الادارة الاميركية تطويقها واستيعابها... لقد مات - على ما تقول الادارة الاميركية - خمسون الف جندي في فيتنام:ماتوا، هكذا، دون اي معنى، وعاد الاحياء الى وطنهم في حالة نفسية يرثى لها.
ولكن هؤلاء والذين ماتوا ما كانوا ضحايا سلاح قذر اعطتهم اياه قيادتهم العسكرية، وما كانوا مصابين بامراض لا شفاء منها في اجسادهم.
* * *
في هذا الاتجاه، نلتقي "الاحتمال الاخر":
احتمال ان يكون الذين نفذوا عمليات نيويورك والبنتاغون عسكريين اميركيين مصابين ناقمين وحاقدين ويائسين...
هل سمع احد ان الصناديق السوداء قد سجلت صوتا لعربي او مسلم يهتف، قبيل لحظة الصدام: الله اكبر!؟
ايعقل ان يستشهد احدنا، هذا الاستشهاد المصمم المدروس، وينسى ذكر ربه، قبل ملاقاة وجهه بثوان معدودة؟!(النهار اللبنانية)
&