كتبت عناية جابر : مي منسى، وجه تلفزيوني، عاصر بدايات الاعلام المرئي عندنا، كذلك المكتوب كونها تكتب في الزميلة "النهار" منذ ما يقرب ال33 عاما. الى ذلك أصدرت السنة الفائتة "أوراق من دفاتر شجرة رمان" ولها حديثا "أوراق من دفاتر سجين"مذيعة تلفزيون "المنار" التي استضافتها السنة الفائتة بمناسبة كتابها الاول الذي يحكي الحرب اللبنانية بشكل عام، سألتها الكتابة عن الجنوب، وبعفوية اجابت مي ان كتابها القادم سيكون عن المقاومة وعن سجين من المقاومة اللبنانية. عن"دفاتر في أوراق سجين" الذي يحكي قصة مقاوم سجين، التقتها "السفير" وكان هذا الحوار.&
تقولين ان <<الأمكنة التي يقيم فيها الانسان زمنا، تصبح كنسيج حول قشرته>>. ثمة وفاء كامل عندك للأمكنة حتى لو كانت سجونا، وثمة كلام كثيف عن الظل. كيف رتّبت ظلك الخاص، وما مدى علاقتك بالمكان؟
كنت في حال وحدة تامة بعد انفصالي عن زوجي، وبالتالي التأقلم للعيش مع <<حالي>>. هذا أوجب عندي تعاملا حساسا مع الامكنة وفاهما لها، تماما كعملية إرتداء <<الكولون>> الذي يبدو صغيرا شكلا، ويتمدد على اتساع الجسد. حين توجد الارادة، يصبح كل شيء ممكنا بحيث يتم توسيع الامكنة او تضييقها بحسب هذياناتنا. إنني وحيدة وتوأم نفسي. بيتي هو سجني وهو أيضا الفردوس الذي أجد فيه الحرية، حرية الوجع او الحزن او البكاء او الضحك، رغم انني لست انسانة ضحوكا. ابتسم ولا أضحك.
الظل عندي هو الآخر. هو الذي يتمدد ويتقلص معي. كل الظلال (الشجر، الجدران، الضوء) تشعرني بامتنان أمام الخالق وتشعرني بأن روح الأشياء قد دخلت إليّ. وقد تعلمت محاكاة هذه الأرواح. البطل في روايتي، مروان الذي تعايش طويلا مع ظله في السجن، عرف يوم اقتيد إليه انه سيفارق ظله، وتلك كانت صدمته الكبرى.&
حيال قراءة <<أوراق من دفاتر سجين>> وقعت في حيرة أملتها اللغة الجميلة على حدة، والحبكة السردية في مكان آخر. هل حيرتي لصالح روايتك أم ضدها؟
أنا كتبت في العتمة ودخلت الى جوف الأشياء حيث لا نور ولا ملمس. كنت استفيق في الرابعة صباحا لأكتب متماهية مع جو السجن. أكتب لذاتي لا للآخرين، لأراها بوضوح وأفهم من أنا، لذا لم أكن أبحث عن الحبكة، وكأن يدا خفية كانت تُملي عليّ الاشياء. كنت عندما استعيد القراءة أسأل بما يشبه الهلوسة: انت الذي تكتب عنّي أين أنت؟ كأن الراوي هو أنا، وكأنني استحلت ذلك الراوي.
لماذا الرواية على لسان الراوي الذكر، وهي روايتك؟ هل تقصّر لغة السجون المظلمة عن أن تكون لغة المرأة ككائن يختلف فيزيولوجيا الى حد عن الرجل؟&
لا أشعر بإحراج كوني راويا ذكرا في الرواية، حتى في تخشب جسده وجفاف النسغ في روحه جراء سجنه الطويل. في مرة من المرات أخذ مروان يداعب ذاته وكنت كأنني هو، وكأنني ايضا أختبر اللذة معه. ان توأمنا الآخر، هو الجنس الآخر الذي نحبه ونبحث عنه. الرجل كما أشتهيه أجده فيّ وتعشقه أنثاي. مروان في هذا الكتاب هو أخي في الروح. وهو هذا الانسان الذي عايش الفقر والجور والظلم والجوع والحرمان ولمس الشر عن كثب. كلها مشاعر علّي كل يوم في مقالاتي ان أناضل من أجلها. يجب علي ان أستحضر صوت الله كي يسير معي في هذه الظلمة التي نعيش فيها.
راهبة لغة
وجدت في لغة <<أوراق من دفاتر سجين>> لغة رسولية هل توافقين؟&
انها فعلا لغة رسولية وأنا مترهبة لهذه اللغة. انها لغة مقالاتي ايضا وأنا لست صحافية لمجرد قبض معاش. بهذه اللغة أتوق الى الارتقاء عن الاشياء، وليست سوى روحانيتي التي تُعينني على ذلك. انني أبحث دائما عن الانسان الطهوري المستعد والجاهز للغفران دوما، صادفت آلاما كثيرة في حياتي ومجرد بقائي وحيدة وسماعي الموسيقى يخلص روحي قليلا. أولئك الذين كتبوا النغم (<<باخ>> مثلا) هم الأرواح النبيلة التي أسعى إليها.&
العذاب بالغ، وبارح في روايتك، لماذا؟
أنا امرأة تراجيدية. لقد وجدت في الأمم محبرة أكتب منها. ومن دون أية مازوشية، أنا أطلب الوجع لأكتب. وعندما أمرّ بحالات قصوى من الوجع لا أقاوم عكس التيار، بل أرتمي في حضن هذا الوجع، فيحضنني ويعانقني ويطمئنني. الوصول الى هذه الاحاسيس ليس وليد البارحة. وهي ليست فكرة عندي، بل خلاصة امتحانات كثيرة في الحياة. لقد دفنت يوما شقيقي (الذي كان مصابا بالانفصام والذي كان شاعرا كبيرا فيما مضى) دفنته وحدي ولم أدعُ احدا، ووجدت في هذا الامتحان كم كنت قوية، لقد قوّت الامتحانات من عزمي. امتحان الطلاق، وموت الأهل، والحرب، وموت الشقيق. لم أتناول حبة <<فاليوم>> في حياتي. من هنا تدركين بأنني لست مازوشية، بالعكس. أتمرن على حمل الاثقال النفسية لتقوية عضلات روحي.
احببت مروان (بطل الرواية) لأنه استجاب لي في هذا الوجع ومقاومته. كان بكف يده يمحو العفن عن جدران زنزانته. ومثلما تُعيد العنكبوت حياكة بيتها بالصبر والجلد، صار هو بدوره عنكبوتا، وأنا أيضا العنكبوت التي لا تتذمر. هو في زنزانته ومن كوته الصغيرة كان ينتظر مرور الطير او هبّة الهواء. وأنا انتظر من شرفتي بروز أول عنقود عنب على الدالية. هذا هو الفرح الأعظم.
الرواية الحديثة
أين أنت مي منسى من القص الحديث، وكيف ترين الى انتاجات الرواية الغربية والعربية حاليا.
تحدثت مؤخرا مع كبار الكتّاب الفرنسيين، وقلت لهم بأن القص الحديث للفرنسيين خيّبني. أقرأ للجزائريين أمثال رشيد بوجدرة وللمغربي الطاهر بن جلون. كما اقرأ للروماني كونديرا وللألباني كاداريه ولكتّاب من أميركا اللاتينية وأفريقيا. لكن عندما أحتكّ بالرواية الفرنسية المكتوبة بقلم فرنسي أشعر بالازعاج وكأن اللغة الفرنسية غدت لغة الشارع. أبحث في الأدب عن الانفعالات الكبرى في الكلمات. طلبت دار النشر الكبرى <<أكت سيد>> ترجمة كتابي الاول الى الفرنسية. قرأت مسودة بعض الفصول وذُهلت عندما وجدت الترجمة في غاية الانضباط، لكن فاقدة الروح والانفعال. جواب المترجم على الأمر، كان بأن القصة الحديثة ترفض المؤثرات والحالات النفسية الركيكة.&
ما تريدين من كتابك؟ ما هي الغاية منه ومن لغته وفكرته؟&
اجل، غايتي كبيرة من إصداري الاخير، وترى الى ان الانسانية جمعاء لا دين لها ولا عقيدة وهي وجدت على الارض ليتفاهم الناس فيما بينهم وليتحاوروا. رسالتي ضد الحروب وضد التسلط وأردت بشكل خاص ان أشي على فساد السجون وبأنها تفتت انسانية الانسان وتطفئ ما لديه من فكر وذاكرة. غايتي هي استبدال السجون بالمدارس والمصحات النفسية واعادة الانسان المذنب الى فضيلته، هذه رسولية لغتي، ورسوليتي التي تكلمتِ عنها.(السفير اللبنانية)
&