كتب رفيق خوري في" الأنوار" اللبنانية فقال : " تعددت الجبهات والحرب واحدة. فما تفعله أميركا في هذا الفصل من الحرب ضد الارهاب هو سد الثغرات على الجبهات الخلفية لتركيز الجهد على الجبهة الأمامية: أفغانستان. وما توحي به، وسط تقديم العروض والقيام بمساومات مع دول كثيرة متجاوزة مواقفها السابقة منها، هو ان هناك مساحة واسعة بين ما تسمعه في السر وما يقال في العلن. اذ لا كل من يقول، إرضاء للشارع، انه لن يشارك في القتال مطلوب منه ارسال قواته الى حرب تكاد تكون مشاركة الحلف الأطلسي فيها رمزية. ولا كل من يطالب بأن تكون الحرب تحت علم الأمم المتحدة ينسى انه لم يسأل عن ذلك في حرب كوسوفو تحت راية (الناتو). ولا كل من يطلب أدلة ويضع شروطاً للانضمام الى التحالف الدولي يتأخر عن المشاركة في سياسة (تجفيف المستنقعات) عبر التعاون في الجوانب المالية والقانونية والأمنية والاستخباراتية من الحرب ضد الارهاب.
ومن الطبيعي، بعد أشهر من رفع اليد الأميركية وترك يد شارون حرة في الاحتلال والقتل، أن يبدو حديث الرئيس بوش عن دولة فلسطينية كأنه أكبر قنبلة سياسية سابق الترحيب العربي بها الدوي الآتي من واشنطن. لكن من الصعب، قياساً على التجارب، تجاهل الشعور بأنها مجرد قنبلة صوتية في سماء الشرق الأوسط لإسكات الأصوات على الأرض عشية انفجار القنابل الفعلية في آسيا الوسطى. ولا يبدل في الأمر القول ان القنبلة كانت معدة للتفجير قبل 11 أيلول في اطار خطاب عن السياسة الخارجية يلقيه الوزير كولن باول في الأمم المتحدة. فلا أحد يتصور ان أميركا ستستخدم كل أوراقها لرؤية الدولة الفلسطينية حقيقة واقعة، سواء عبر التفاوض أو عبر (حل مفروض) كان ولا يزال العرب يحلمون فيه ويدعو اليه الآن وزير الخارجية الاسرائيلية السابق شلومو بن عامي. ولا شيء يوحي بأن التسوية الشاملة هي الآن مشروع ملحّ على جدول الأعمال الأميركي، قبل الحديث عن جدول الأعمال الاسرائيلي الذي لا مكان للسلام الشامل فوقه.
ذلك ان ادارة الرئيس بوش ترسل الى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى حمامة وصقراً. الحمامة هي المسؤول عن الشرق الأوسط في الخارجية وليم بيرنز الذي يسعى لادارة الأزمة واحتواء الصراع بالتهدئة حتى ينتهي الفصل الأول من الحرب ضد الارهاب. والصقر هو وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي يحمل بعض الأدلة ليضع اللمسات الأخيرة على ترتيب الجبهة ضد نظام الطالبان تاركاً مشروعه لضرب دول ومنظمات في الشرق الأوسط الى الفصول التالية.
وقبل بيرنز ورامسفيلد كان وزراء الخارجية في دول الاتحاد الأوروبي يجولون في المنطقة، وبينهم الوزير الألماني يوشكا فيشر الذي وضع بيروت بين محطاته. لا بل ان فيشر قام قبل أسابيع من تفجيرات واشنطن ونيويورك بجولة في الشرق الأوسط وأخرى في آسيا الوسطى قادته الى باكو وطشقند وسمرقند. وفي آسيا الوسطي قال للصحافيين الذين رافقوه: (اذا سألتموني أين نرى المخاطر الكبيرة، فانها في الشرق الأوسط الأقرب الينا، وأيضاً في آسيا الوسطى، وهذا ما يقلقنا كأوروبيين لأننا نتأثر به مباشرة في حين ان الأميركان بعيدون جداً).
لكن المخاطر ضربت قلب أميركا التي صارت قريبة جداً. وأخطر ما في سياستها الجديدة القول انها تريد أن تضرب في كل مكان ما دام الارهاب يستطيع أن يضرب في كل مكان.