كلّ أهل الفن الذين عرفوا الزميل حبيب يونس عن كثب لم يصدّقوا أنّ هذا الشاعر يمكن أن يزجّ في السجن. كانت صورة توقيفه بيدين مغلولتين أليمة جداً. فهاتان اليدان اللتان كتبتا الكثير من الشعر العاميّ والفصيح وعزفتا الكثير من المقطوعات الموسيقية يصعب عليهما ان تتحمّلا وطأة ذينك القيدين. حبيب يونس الذي جاء خطأ الي السياسة في أيام المراهقة والحماسة هو شاعر أولاً وأخيراً. وطوال عمله في الصحافة حرص علي ان يكون ذلك الشاعر المتضلّع من اللغة العربية والمدرك أسرارها والمذلّل صعوباتها.
ولعلّ ادمانه قراءة سعيد عقل وانبهاره الشديد بإبداعه في الشعر والنثر جعلاه يسلك ذلك الدرب في التمرس اللغوي والصنعة المتينة. وتجرأ مرة علي أن يصحّح بضعة أخطاء ارتكبها شاعر رندلي فقدّم له الطاعة ووافق علي تصحيحها.
عندما أوقف الزميل حبيب يونس اتصل بنا للفور الفنان منصور الرحباني وكان في صوته الكثير من الأسي. فهو علي غرار الكثيرين لم يستوعب ان يُزج هذا الشاعر وراء القضبان. وكذلك كانت صدمة مارسيل خليفة وماجدة الرومي وسواهم وسواهم من أهل الفنّ الذين كانوا يحترمون في حبيب يونس نزاهته وصدقه وقلبه الكبير وتلك الثقافة الموسيقية والشعرية التي اكتنزها بخبرته ومثابرته.
عندما أصبح مكتب حبيب يونس مجاوراً لمكتبي في الحياة أغلقت محيط المحيط وبقية القواميس العربية. فالزميل كان أشبه بالمعجم المتحرّك الذي يمدّنا بالمفردات والمترادفات والكلمات الصائبة ويسندنا في مطاردة الأخطاء الصعبة، صرفاً ونحواً.
هذا الشاعر الذي غنّي له المطربون وكتب أحلي أبيات العتابا و المعنّي والكثير من القصائد بالعامية والفصحي يستحيل عليه ان يكون محطّ اتهام أياً يكن. وايماننا هو بالعدالة اللبنانية التي لا بدّ من ان تحكم في مصلحته، هو الذي لم يُعرف إلا بطيبته وعفويته ولبنانيته، هو الذي كان فرحاً بأبوّته، بابنته الصغيرة ليْن التي مازالت واحداً من آماله القليـلة الـتي يتـشبّث بها.
عينا حبيب يونس هما من العيون الأوفر دمعاً. قد لا أصدّق ان رجلاً يبكي عندما يسمع فيروز، وليلة شاهد حبيب يونس فيروز في حفلة بيت الدين سقطت من عينيه دموع. أجل دموع. وبالأمس أخبرتنا زوجته أنّه بكي كثيراً عندما علم أنّ زميلنا سمير كامل رحل عن هذه الفانية. ومن وراء القضبان، هناك حيثما ينتظر حبيب ساعة الخروج، رثي الزميل الشاب بقصيدة ملؤها الألم والحنين. لم يكن حبيب يونس يستطيع ان يشاهد صورة طفل يموت أو أم ثكلي أو أبرياء يُقتلون. حبيب يونس شاعر قبل ان يكون صحافياً وربما شاعر قبل ان يكون انساناً.
أرسل حبيب يونس من سجنه رسائل الي ابنته الصغيرة، أرسل اليها قصائد أيضاً وقصائد الي الآخرين، من الأصدقاء والأهل. وكتب قصيدة الي والده الذي يجتاز مرحلة خطرة يحثه فيها علي مواجهة أصعب الصعاب. والقصائد التي قرأناها صاخبة بالحزن، بالصوت المجروح، بالألم، والشوق. وأخبرت زوجته أيضاً أنه كتب نحو ستين قصيدة خلال تلك الأيام التي مضت. كأن الشعر يصبح في السجن أداة لمواجهة العزلة والفراق، كأنه يصبح ملاذاً وسماء في تلك الغرف الضيقة.
أُعطوا حبيب يونس عوداً أو أيّ آلة موسيقية فهو سيقلب السجن الي فسحة وجدانية، سيجعل القضبان أغصاناً وسيزرع النوافذ الضيقة بالورد والاسيجة الحديد بالنباتات الخضراء. اعطوه آلة موسيقية ليملأ ذلك العالم الموحش بالفرح والحبور.
فعلاً ما أصعب أن نصدّق التهم التي وجّهت الي حبيب يونس. كلّ يوم نزداد قناعة أن العدو الاسرائيلي الذي دحرته المقاومة اللبنانية هو عدوّنا الدائم. وكلّ يوم نزداد قناعة بأن حبيب يونس بريء وضحية، وأملنا، كلّ أملنا بالقضاء اللبناني الذي لا يزال من الركائز القليلة التي يقوم عليها لبنان. (عن "الحياة" اللندنية)
ولعلّ ادمانه قراءة سعيد عقل وانبهاره الشديد بإبداعه في الشعر والنثر جعلاه يسلك ذلك الدرب في التمرس اللغوي والصنعة المتينة. وتجرأ مرة علي أن يصحّح بضعة أخطاء ارتكبها شاعر رندلي فقدّم له الطاعة ووافق علي تصحيحها.
عندما أوقف الزميل حبيب يونس اتصل بنا للفور الفنان منصور الرحباني وكان في صوته الكثير من الأسي. فهو علي غرار الكثيرين لم يستوعب ان يُزج هذا الشاعر وراء القضبان. وكذلك كانت صدمة مارسيل خليفة وماجدة الرومي وسواهم وسواهم من أهل الفنّ الذين كانوا يحترمون في حبيب يونس نزاهته وصدقه وقلبه الكبير وتلك الثقافة الموسيقية والشعرية التي اكتنزها بخبرته ومثابرته.
عندما أصبح مكتب حبيب يونس مجاوراً لمكتبي في الحياة أغلقت محيط المحيط وبقية القواميس العربية. فالزميل كان أشبه بالمعجم المتحرّك الذي يمدّنا بالمفردات والمترادفات والكلمات الصائبة ويسندنا في مطاردة الأخطاء الصعبة، صرفاً ونحواً.
هذا الشاعر الذي غنّي له المطربون وكتب أحلي أبيات العتابا و المعنّي والكثير من القصائد بالعامية والفصحي يستحيل عليه ان يكون محطّ اتهام أياً يكن. وايماننا هو بالعدالة اللبنانية التي لا بدّ من ان تحكم في مصلحته، هو الذي لم يُعرف إلا بطيبته وعفويته ولبنانيته، هو الذي كان فرحاً بأبوّته، بابنته الصغيرة ليْن التي مازالت واحداً من آماله القليـلة الـتي يتـشبّث بها.
عينا حبيب يونس هما من العيون الأوفر دمعاً. قد لا أصدّق ان رجلاً يبكي عندما يسمع فيروز، وليلة شاهد حبيب يونس فيروز في حفلة بيت الدين سقطت من عينيه دموع. أجل دموع. وبالأمس أخبرتنا زوجته أنّه بكي كثيراً عندما علم أنّ زميلنا سمير كامل رحل عن هذه الفانية. ومن وراء القضبان، هناك حيثما ينتظر حبيب ساعة الخروج، رثي الزميل الشاب بقصيدة ملؤها الألم والحنين. لم يكن حبيب يونس يستطيع ان يشاهد صورة طفل يموت أو أم ثكلي أو أبرياء يُقتلون. حبيب يونس شاعر قبل ان يكون صحافياً وربما شاعر قبل ان يكون انساناً.
أرسل حبيب يونس من سجنه رسائل الي ابنته الصغيرة، أرسل اليها قصائد أيضاً وقصائد الي الآخرين، من الأصدقاء والأهل. وكتب قصيدة الي والده الذي يجتاز مرحلة خطرة يحثه فيها علي مواجهة أصعب الصعاب. والقصائد التي قرأناها صاخبة بالحزن، بالصوت المجروح، بالألم، والشوق. وأخبرت زوجته أيضاً أنه كتب نحو ستين قصيدة خلال تلك الأيام التي مضت. كأن الشعر يصبح في السجن أداة لمواجهة العزلة والفراق، كأنه يصبح ملاذاً وسماء في تلك الغرف الضيقة.
أُعطوا حبيب يونس عوداً أو أيّ آلة موسيقية فهو سيقلب السجن الي فسحة وجدانية، سيجعل القضبان أغصاناً وسيزرع النوافذ الضيقة بالورد والاسيجة الحديد بالنباتات الخضراء. اعطوه آلة موسيقية ليملأ ذلك العالم الموحش بالفرح والحبور.
فعلاً ما أصعب أن نصدّق التهم التي وجّهت الي حبيب يونس. كلّ يوم نزداد قناعة أن العدو الاسرائيلي الذي دحرته المقاومة اللبنانية هو عدوّنا الدائم. وكلّ يوم نزداد قناعة بأن حبيب يونس بريء وضحية، وأملنا، كلّ أملنا بالقضاء اللبناني الذي لا يزال من الركائز القليلة التي يقوم عليها لبنان. (عن "الحياة" اللندنية)







التعليقات