&
&
&
&
كتب هشام ملحم : مع استمرار الغارات الجوية الأميركية ضد أفغانستان لليوم الثالث على التوالي، أبلغت الولايات المتحدة المجتمع الدولي، انها تحتفظ لنفسها بالرد العسكري ضد أي دولة ترعى الإرهاب وتؤوي الإرهابيين في أراضيها، وساهمت في تعميق النقاش الدائر حاليا في الأوساط الرسمية وفي اوساط صنّاع الرأي حول ما يسمى في واشنطن الآن <<المرحلة التالية>> للحرب في أفغانستان، أي الدولة او الدول والتنظيمات التي يمكن ان تتعرض للسيف الأميركي. ويتمحور النقاش حول احتمال اتخاذ اجراءات عقابية عسكرية وغير عسكرية لاحقا ضد العراق، وربما أيضا سوريا ولبنان وايران.
وكان هذا النقاش قد بدأ فور اقتناع واشنطن بمسؤولية تنظيم القاعدة وقائده أسامة بن لادن عن تفجيرات نيويورك وواشنطن، بين تيار يتزعمه بول وولفوويتز نائب وزير الدفاع، ويحظى بدعم من شخصيات محافظة ويمينية في الحكومة والكونغرس، يرى ان الحرب ضد الإرهاب يجب ان تكون شاملة، بحيث تبدأ في أفغانستان وتنتهي في دول أخرى، في طليعتها العراق، وربما سوريا ولبنان (قصف سهل البقاع) وتيار آخر معتدل يتزعمه وزير الخارجية كولن باول ويرى ان استهداف دول أخرى، حتى العراق، سيؤدي الى تفكك التحالف الدولي الراهن والهش لأن معظم الدول العربية والمسلمة، وتحديدا السعودية ومصر وسوريا وتركيا، لن تبقى في التحالف. هذا التيار يرى أيضا ان الوضع سيكون اسوأ إذا استهدفت الضربات سوريا لأن ذلك سيقلب مختلف المعطيات والتوازنات الاستراتيجية والسياسية في شرقي المتوسط، وربما أدى الى تورط إسرائيل في أي نزاع جديد، مع ما يحمله ذلك من مضاعفات سلبية على <<عملية السلام>> ودور الولايات المتحدة فيها.
وبالإضافة الى النقاش المغلق بين المسؤولين الحكوميين، يشارك في النقاش العلني محللون سياسيون، ومراكز ابحاث واعضاء في الكونغرس. ومن المتوقع ان يحتدم هذا النقاش أكثر، بعد انتهاء المرحلة الأولى من الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان، هذا إذا انتهت بانتصار أميركي ملموس يتمثل بسقوط نظام طالبان، وانهيار تنظيم القاعدة في أفغانستان.
وباسم مكافحة الإرهاب، حاولت بعض الفعاليات في الكونغرس، ومن بينها عدد من مؤيدي إسرائيل، استغلال انتخاب سوريا لعضوية مجلس الأمن الدولي، للضغط على حكومة بوش والوزير كولن باول بالتحديد لاستخدام حق النقض (الفيتو) ضد عضوية سوريا في المجلس. ولكن الحكومة رفضت هذه الضغوط ولم تعترض على انتخاب سوريا، دون ان تعلن كيف صوتت في الاقتراع السري. ويرى بعض المسؤولين والمحللين انه سوف يكون من الصعب على واشنطن مهاجمة سوريا عسكريا بعد دخولها في مجلس الأمن الدولي.
ويوم أمس قال السناتور الجمهوري المتشدد جون ماكين في تصريحات تلفزيونية انه لا يستبعد توجيه ضربات ضد العراق وسوريا وايران، إذا استمرت برعاية الإرهاب، او إذا استمر العراق بتطوير أسلحة التدمير الشامل. وأضاف ان هذه الدول لا توفر الملجأ للإرهابيين فحسب بل <<دعمت تنظيمات إرهابية تسببت بقتل أميركيين والحاق الضرر بالمصالح الأميركية>>. ولكن رئيس الأكثرية الديمقراطية في مجلس الشيوخ السناتور توم داشل اعتمد موقفا مغايرا، حين دعا في مقابلة تلفزيونية الى مد اليد لهذه الدول لمحاولة بناء ائتلافات جديدة تشملها، وأشار الى ان بعض الدول التي كانت من بين خصوم الولايات المتحدة في السابق <<أمامها فرصة لكي تصبح حليفة للولايات المتحدة في هذه الحرب ضد الإرهاب>>.
ولكن حتى التيار المعتدل في الحكومة سوف يصر على ان تتوقف الدول التي تتهمها واشنطن برعاية الإرهاب ومن بينها ايران والعراق وسوريا والسودان وليبيا، عن تأييدها للتنظيمات التي تعتبرها واشنطن إرهابية، حيث يقول المسؤولون ان واشنطن لن تحاسب او تعاقب بالضرورة هذه الدول على سلوكها السابق، بل على سلوكها في المستقبل. ويشير المسؤولون في هذا السياق الى ان تعاون السودان في التحقيقات الراهنة أدى الى إلغاء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليه الأمم المتحدة، بموافقة وتشجيع من واشنطن. ويقول المسؤولون الأميركيون ان المراحل التالية للحرب في أفغانستان، قد تشمل استخدام أساليب عقابية غير عسكرية ضد الدول التي ترعى الإرهاب، تشمل فرض عقوبات اقتصادية وديبلوماسية إضافية لتضييق عزلة هذه الدول، او محاولة اعتقال إرهابيين متورطين في قتل مواطنين أميركيين، او مساعدة قوى المعارضة (في حالة العراق) او الضغط على الدول المجاورة، على سبيل المثال الضغط على سوريا وتركيا والأردن لتضييق الحصار ضد العراق ومنعه من شحن او تهريب نفطه.
ويقول المسؤولون الأميركيون، انه إذا تبين في وقت لاحق ان التحقيقات اظهرت ضلوع العراق ولو بشكل بسيط بالهجمات ضد نيويورك وواشنطن، او إذا تبين ان تنظيمات إرهابية يمكن ان تحصل من العراق على مواد خطيرة، فإن واشنطن لن تتردد في توجيه ضربات قوية للعراق.
ويقول جيفري كيمب المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي والباحث في مركز نيكسون، والذي يشارك في هذا النقاش في الأوساط الأكاديمية، ان واشنطن بعد انتهاء المرحلة الأولى من الحرب، سوف تراقب عن كثب علاقة دول مثل سوريا ولبنان وايران، بتنظيمات مثل حزب الله وحركة حماس. ويضيف في حوار مع <<السفير>>، <<الحكومة الأميركية ستراقب ما تفعله هذه الدول لا ما ستقوله>>. ويشير كيمب الى ان النقاش في الأوساط الأميركية سيكون <<قاسيا وفظا>> بين التيارين وخاصة في ما يتعلق بضرب سوريا او ايران. ولكنه يضيف ان للعراق وضعا مختلفا، حيث لا يوجد هناك من يرفض تضييق الضغوط على بغداد، وان كان هناك من يدعو للتريث وعدم توجيه ضربات عسكرية، قبل بروز أدلة جديدة حول مسؤولية العراق عن أعمال إرهابية او تطويره لبرامج أسلحة التدمير الشامل.
ويؤكد المسؤولون الأميركيون انهم يريدون ان يعطوا بعض الدول <<مثل سوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية، الفرصة للابتعاد عن التنظيمات الإرهابية وتنظيف بيتها>> وفي هذا السياق رحب المسؤولون بالاجراءات التي اتخذتها السلطة الفلسطينية ضد عناصر تابعة لحركة <<حماس>> و<<الجهاد الإسلامي>> مثل اعتقال بعض الناشطين فيها. المسؤولون يضيفون انه بعد عودة الاهتمام لمنطقة الشرق الأوسط، بعد حرب أفغانستان، سوف يستعر النقاش حول قضية <<تعريف>> الإرهاب، وكيف يمكن تحديد هوية بعض التنظيمات مثل حزب الله وحماس التي تعتبرها واشنطن إرهابية بينما تعتبرها دول مثل سوريا ولبنان وايران حركات مقاومة وطنية مشروعة.
ويضيف المسؤولون انهم سوف يراقبون عن كثب ما ستفعله دول مثل سوريا في المستقبل وما إذا كانت ستتعاون مع الولايات المتحدة في المجال الاستخباراتي، وفي هذا السياق اعرب المسؤولون عن ارتياحهم الأولي لتعاون السلطات الأمنية اللبنانية والسورية في التحقيقات، وخاصة توفير المعلومات في البلدين حول عناصر تنظيم <<عصبة الأنصار>> في لبنان، وخاصة أولئك المتورطين في الهجمات التي قامت بها عناصر من هذا التنظيم ضد الجيش اللبناني في شمال لبنان، قبل أقل من سنتين، وأدت الى مقتل وجرح العشرات. وكانت التحقيقات الأولية قد كشفت علاقة لهذا التنظيم بأسامة بن لادن. وشمل التعاون المشاركة في الملفات حول الموقوفين وخلفياتهم، والسماح للأميركيين باستجوابهم. (السفير اللبنانية)