معروف ان الروائي البريطاني الكبير أصيل جزيرة ترينيدات اف. اس. نايبول يكره الحوارات الصحافية ويفر هاربا حين يلتقي الراغبين في اجرائها معه. الآن هو يبلغ من العمر 70 عاما، ويتمتع بشهرة عالمية واسعة خصوصا ان رواياته العديدة تعكس قضايا تخص الهند والبلدان الافريقية والآسيوية، وحتى بلدان اميركا اللاتينية. وفي عام 1990، تسلم من الملكة اليزابيث الثانية وسام الشرف على مجمل اعماله الادبية.
نايبول

ويعيش اف. اس نايبول في "ساليسبوري"، جنوب غربي انجلترا. وفي بيته زارته الصحافية الايرلندية سيارا دفيير وكتبت عن هذه الزيارة في "الساندي اندبندنت" التي تصدر في دبلن تقول: "اذا ما كان السير فيديا (تقصد اف. اس. نايبول) هو واحد من اشهر الناشرين في العالم، فانه كان من الضروري ان استيقظ في الخامسة صباحا لاستقل الطائرة الى لندن، ثم اركب القطار لمدة ساعة ونصف الساعة لكي التقي به في بيته في ساليسبوري. في المحطة كانت هناك تاكسي في انتظاري ارسلها هو شخصيا. وقال لي جون السائق بانه يعرف نايبول وزوجته جيدا. واضاف قائلا: "نايبول رجل لطيف جدا، طلب مني مرة ان آخذه الى جلوسيستر من دون ان يبين لي سبب ذلك ثم خرج من السيارة ونشر رماد زوجته بات التي توفيت عام 1996. وعندما عاد الى التاكسي وضح لي ما فعل".
وصلنا الى البيت. بيت جميل محاط بحديقة جد نظيفة وجد مرتبة. ضغط جون سائق التاكسي على الناقوس. ناديرا، امرأة طويلة بابتسامة لطيفة حيتني بأدب ولطف: "صباح الخير لايدي نايبول" قلت "سمني ناديرا" ردت هي. بعد ثوان نزل اف. اس نايبول المدرج. هو رجل قصير "صباح الخير" قلت. وعندما كنت اصافحه طلبت منه ان كان يرغب في ان أسميه سير فيديا او السيد نايبول. التفت الى زوجته طالبا مساعدتها: "ما رأيك؟".
تردد خفيف. "سير فيديا" قالت ناديرا. حين جلسنا عبرت له عن اعجابي الكبير بـ"رسائل بين الاب والابن". وهي الرسائل التي تبادلها مع والده عندما كان يدرس اللغة الانجليزية في اكسفورد. في ذلك الوقت كان والده صحافيا لكنه كان يحلم بأن يكون كاتبا. ورسائل بين الوالد والابن جد مؤثرة وجد رائعة... اعلمت السير فيديا باني اتابع "دروسا لتعلم الكتابة". نظر الي وقال: "لا اعرف كاتبا واحدا فعل هذا. فالكتابة لا يمكن ان تعلم او تلقن". سألته: "متى بدأت تكتب؟ هل حدث ذلك عندما كنت طالبا في اكسفورد؟". اجابني قائلا: "ليس علي ان اكرر ما كنت كتبته وقلته مئات المرات. وليس باستطاعتي ان اؤلف كتابا في خمس دقائق من اجلك. انا ارفض هذا. ان كتبي موجودة في كل مكان وبامكانك الاطلاع عليها. لذا لا بد ان تتضمن اسئلتك شيئا من الاهتمام بها وبي ايضا والا فان الحوار معك لن يكون مجديا". سألته: "هل الجزيرة التي ولدت فيها كانت عنيفة؟".. رد قائلا: "لقد غادرتها منذ خمسين عاما. ابحثي عن سؤال آخر". "اذن انت لا تريد ان تجيب على اسئلتي؟" قلت. اجابني.. ماذا تريدن ان اقول لك. لم اذهب الى الجزيرة التي ولدت فيها منذ خمسين عاما". بعدها تواصل الحوار بيننا على الشكل التالي: ـ هل انت ترينيدادي ام هندي ام بريطاني؟
ـ ماذا تعنين بهذا الكلام؟
ـ ليس باستطاعتي ان احدد لك جنسية معينة. هل لك جنسية محددة؟ والداك كانا هنديين، غير انك عشت في الترينيداد ودرست في اكسفورد وهناك تكونت.
ـ لا لم تكن اكسفورد. ولا افكر في اكسفورد بمثل هذه المقاييس. لقد رأيت اشياء كثيرة هذا ما حدث. وليس لي اي ارتباط بأي واحد من هذه الاشياء. عند هذا الحد وقف السير فيديا وقال: "اعتقد ان تجيب زوجتي على مثل هذه الاسئلة".. ثم التفت الى زوجته وقال: "ان هذه الفتاة لا تفهم شيئا". بعدها اختفى. قالت لي زوجته: "ان السير فيديا متعب". قلت لها باني متعبة ايضا ذلك انني نهضت في الخامسة صباحا". ردت قائلة: "ان زوجي متعب من الحياة" وكنت انوي مواصلة الحديث غير ان السير فيديا كان قد طلب من جون سائق التاكسي ان ياخذني. رافقتني زوجته الى الباب ثم قالت: "بعد عشر سنوات سوف تكونين صحافية جيدة. عندها يمكنك ان تعودي لاجراء حوار مع زوجي!". لم اكن غاضبة حين ركبت القطار. كان شعوري هو الفشل الكامل، والحزن ايضا. هذا اللقاء مع اف. اس. نايبول غير نظرتي تجاه ما كتب. في كتبه هناك انسانية كبيرة، اما كشخص فهو لا يملك شيئا ولو قليلا من هذا". (عن "الشرق الاوسط" اللندنية)
&