&
أجرى الحوار: نبيل شرف الدين: الأعراض الأولى بسيطة.. أناس يذهبون إلى عيادات الأطباء والمستشفيات يشكون من رشح الأنف والتهاب العين والصداع وارتفاع درجة الحرارة، وهي أعراض في حد ذاتها لا تدعو إلى القلق، لكن الأعداد الكبيرة من هؤلاء المرضى قد تشير إلى حدوث أمر غير عادي، إنه مرض ذو أعراض سياسية.. كما يصفه خبراء الأمن القومي، لأنه أبرز مظاهر التعبير عنه هو إشاعة مناخ من الرعب، ولأنه يستند إلى "خطر مقيم وكامن".
فما أن تتفاقم تلك الأعراض التي تشبه الإصابة بالانفلونزا إلى مشاكل خطيرة مثل النزف وجروح داخلية وخارجية وصعوبة في التنفس، تكون المؤشرات الأولى لحدث مرعب.. هجوم بالأسلحة البيولوجية على سكان مدنيين، وإذا حدث أمر كهذا فان آلافا من الضحايا سيموتون بعد معاناة آلام مبرحة.. فضلاً عن الفوضى العارمة التي ستترتب حتماً على ذلك.
كان هذا جانباً من سيناريو الرعب الذي رسمه مراقبون غربيون وسط قلق متزايد بعد هجمات "أيلول أميركا الأسود"، من أن الولايات المتحدة ليست مستعدة بدرجة كافية لمواجهة هجوم ينشر جراثيم تسبب أمراضاً فتاكة، فما يؤرق الشارع والمسئولين الأميركيين الآن هو مواجهة هجمات غير تقليدية تستخدم فيها عناصر بيولوجية تسبب الانثراكس "الجمرة الخبيثة" أو الجدري وأمراضا أخرى، وتناول هؤلاء المراقبين تفصيلات هذا السيناريو استناداً إلى تحليل مضمون لكمية هائلة من المعلومات التي تراكمت لديهم من عدة مصادر مختلفة خلال السنوات الماضية، ولعله من المفيد أن نطلع على واحد من هذه السيناريوهات، من خلال أحد أبرز المراقبين الغربيين المعنيين بهذا الملف الشائك.
"إيلاف" أرسلت عبر الشبكة أسئلتها للباحث الفرنسي المعروف "رولان جاكار" وهو خبير لدي الدول الأعضاء بمجلس الأمن والمجلس الأوربي، ورئيس لجنة المراقبة الدولية للإرهاب، ومركز دراسات التهديدات العصرية، وتلقينا إجاباته الواردة في الحوار التالي:
* سبق أن ذكرت أن ابن لادن هدد أكثر من مرة إلى القيام بحرب جرثومية أو كيمائية.. فهل تأخذ هذا التهديد مأخذ الجدية ؟
يرد جاكار بالإيجاب، مشيراً إلى أن ابن لادن دعا فعلا إلي استخدام الأسلحة الجرثومية أو الكيمائية بقوله إن "امتلاك أسلحة للدفاع عن المسلمين يعتبر واجباً شرعياً، ولو كنت فعلاً أمتلك أسلحة كيمائية أو جرثومية فإني أحمد الله أن سخر لنا هذا ".
* هل يمتلك ابن لادن الأدوات الكافية لتنفيذ مثل هذه التهديدات ؟
ـ من المعلوم أن السلاح الجرثومي يعتبر اليوم من أرخص الأسلحة وأكثرها إبادة.. وطبقا لدراسة قام بها جهاز المخابرات الكندية والتي أذكرها في كتابي فإن الميزانية اللازمة لعملية إرهابية بيولوجية لن تتعدى مليون دولار إذ إن كيلوجراما من السموم البكتريولوجية لا يزيد سعره عن 400 دولار وهي عادة أخطر من الغازات السامة التي تصيب الأعصاب وممنوعة تماما من معظم جيوش العالم..
* هل هناك دلائل علي أن بن لادن يمتلك أسلحة بيولوجية أو كيميائية ؟
ـ إن أيا من الكيمائيين الذين يستعين بهم ابن لادن في معامل إعداد الهيروين المنتشرة في أفغانستان يستطيع أن يصنع أسلحة بيولوجية أو كيمائية، إن هذه الأسلحة من أسهل الأنواع التي يمكن تجميع مكوناتها نظراً لأنها في متناول الجميع في أسواق الصناعات الكيمائية أو الصيدلانية، ومن المعروف أن ابن لادن استقدم لعدة شهور في أفغانستان علماء شيوعيين عملوا في استخبارات ألمانيا الشرقية، وكانوا خبراء في استخدام الأسلحة الكيمائية والجرثومية، وأجهزة المخابرات الغربية لديها أكثر من دليل يثبت بأن ابن لادن عقد العزم منذ سنوات على استخدام هذه الأسلحة، وعلي سبيل المثال من عامين استطاعت المخابرات البريطانية التقاط مكالمات تليفونية بين جزائريين أعضاء في منظمة تابعة لابن لادن وتفيد المكالمات بأنهم بدئوا في تصنيع غازات سامة.. وأحد أعضاء تنظيم الجهاد المصري أثناء محاكمته في القاهرة في أبريل 1999 (وقد حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة) كشف بأن أسامة بن لادن يملك فعلا أسلحة بيولوجية وكيمائية وأن في نيته استخدامها يوما ضد أهداف غربية وأن زعيم الإرهاب يمتلك مخزونا كبيرا من هذه الأسلحة موزعة في مخابئ سرية بأفغانستان، وفي أماكن أخرى من العالم، وهذه المعلومة أدت إلي انعقاد مؤتمر قمة لأجهزة المخابرات الغربية في ديسمبر 1999 وفي مايو 2000 في واشنطن وباريس وفي مقر الحلف الأطلنطي.. وبعد أحداث "ثلاثاء الطائرات" فإن خبراء الأمن يعيشون حالة قصوى من الترقب، وقد التقطت كلمات مثل "صيدلة" و"مبيدات حشرية" في المكالمات التليفونية عبر الأقمار الصناعية الخاصة بالتجسس علي المكالمات التليفونية التي تلتقط أي محادثة مريبة.
* ما تصورك لنوعيات الأسلحة البيولوجية أو الكيماوية التي يمكن أن يمتلكها بن لادن ؟
ـ هناك الكثير الذي يمكن ذكره.. بكتيريا انتراكس وتجمع بين أكثر من جمرة خبيثة ومن السهل تحويلها إلي سلاح رهيب.. ثم نوع من سموم النيترات يمكن بصورته الغازية أن ينضم لترسانة الأسلحة البيولوجية للإرهابيين، وبالإضافة للجديري فإن خبراء هذه الأسلحة يشيرون أيضا إلي فيروس غرب النيل الذي يمكن أن يسبب إصابات مميتة، وهذا الفيروس سبق أن تسبب في حالة من الرعب في نيويورك في شهر أغسطس عام 1999 ولم يستطع أي جهاز مخابرات أن يفسر كيف عبر هذا الفيروس الرهيب الأطلنطي وقد كان له الكثير من الضحايا.
* وما تصورك لطريقة استخدامهم لمثل هذه الأسلحة ؟
ـ قامت أجهزة مكافحة الإرهاب في معظم الدول الغربية بوضع أكثر من سيناريو لهذا الغرض.. فقد يلجأ الإرهابيون إلي تسميم المواد الغذائية أو تلويث مصادر المياه، يمكنهم أيضا نثر هذه المواد السامة في أجهزة التهوية أو استخدام الحشرات والفئران أو المواشي، ومن التصورات الأخرى أن يستخدم الإرهابيون "ماكيت" صغير للطائرات يوجه من بعد لتنثر مثل هذه المواد السامة فوق المدن.. وذهبت تصورات الباحثين الأميركيين إلي أكثر من ذلك.
* وهل تتوقع هجوماً بيولوجياً من تنظيم "القاعدة" علي أميركا أو دول غربية أخرى، على هذا النحو ؟
ـ لو طلبت مني قبل شهر واحد فقط أن أتصور وقوع هجوم بالطائرات المدنية علي مركز التجارة العالمي والبنتاجون لأجبت بالنفي القاطع واعتقدت أنك تحكي نكتة.. لكن اليوم للأسف نحن مضطرون إلي تقبل فكرة مؤداها أن هجوماً بيولوجياً أو كيمائياً علي أميركا، أو أي دولة أخري حليفة.. هو سيناريو وارد ومتصور في ضوء ما جرى.. والأصعب في مثل هذه العمليات ليس في تنفيذها وإنما في اتخاذ القرار، واليوم أصبح من المعروف إلي أي مدي يمكن أن يصل تفكير رجال مثل ابن لادن، والأخطر من ذلك أنه حتى في حالة شل حركته أو القبض عليه فإن أعوانه سيظلون نشطين، وبعيدين عن أي مراقبة أكثر من ذي قبل.














التعليقات