دمشق ــ محمد ظروف: عبر عدد من السياسيين والمفكرين السوريين عن رأيهم بالحرب الأميركية ــ البريطانية الحالية في أفغانستان، وانعكاساتها وتأثيراتها على مجمل الأوضاع في المنطقة، وعلى حركة الصراع العربي ــ الإسرائيلي، والعديد من القضايا السياسية والايديولوجية والأمنية المتصلة بهذا الصراع. وعلى الرغم من ان الآراء ووجهات النظر، قد تعددت ووصلت في بعض الأحيان إلى درجة الاختلاف، الا ان ثمة قاسما مشتركا، قد برز وهو الاتفاق على التحذير من مخاطر هذه الحرب، ليس على الوضع العربي فحسب، بل على الوضعين الاقليمي والدولي، وذلك من منطلق ان هذا التغيير الاستراتيجي في الموقف الأميركي، لا بد ان يترك بصمات قوية على الأوضاع السياسية والأمنية لهذه الدول، سواء كانت في المحيط العربي أو الإسلامي، وحتى على مستوى بلدان العالم الثالث. وحدث توافق في الرؤية على أهمية وضرورة اتخاذ اجراءات وقائية من أجل الحد من تأثيرات هذه الحرب على قضايا النضال الوطني والقومي خلال هذه المرحلة. دانيال نعمة يقول السيد دانيال نعمة عضو القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة ان هذه الحرب التي يطلق عليها اسم حرب القرن تحمل في طياتها مخاطر جمة بالنسبة لكل الدول والشعوب العربية والإسلامية وبلدان العالم الثالث كافة، مشيرا إلى انه لم يكن ينقص الولايات المتحدة الاعذار والحجج الجديدة، حتى تبادر إلى ارسال بوارجها الحرية وطائراتها الحديثة وصواريخها المتطورة إلى قلب آسيا، من اجل محاربة ما يسمى الإرهاب الدولي، ويضيف انه اذا كان عنوان الحملة الأميركية ــ البريطانية الراهنة، هو مكافحة الإرهاب وتصفية قواعده في افغانستان، فان الشيء الواضح، هو ان الولايات المتحدة، تريد من خلال هذه الحملة تحقيق مجموعة من الاهداف، يأتي في مقدمتها تغيير نظام الحكم السياسي القائم حاليا في افغانستان، والاتيان بنظام جديد، يكون أكثر قربا منها، وقدرة على تنفيذ مخططاتها السياسية وخدمة مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في قلب آسيا، أما الهدف الثاني فهو من اجل السيطرة على منابع النفط في بحر قزوين، سيما وان الشركات الأميركية، كانت قد جمعت معلومات شبه مؤكدة، تعتبر ان هذه المنطقة، تضم أكبر احتياطي نفطي في العالم، ومن الطبيعي، ان ترسم أميركا المخططات والسيناريوهات السياسية والاستراتيجية، للسيطرة على هذا الاحتياطي والتحكم به لعدة سنوات، مع بروز بعض المعطيات التي تشير إلى ان منابع النفط في دول الخليج العربي. قد تشهد بعض التناقص، في غضون العقد القادم. ويرى نعمة ان الهدف الثالث لهذه الحملة الأميركية ــ البريطانية، هو تكريس وجودها العسكري في المنطقة لتصبح قريبة من دول خطيرة مثل إيران وروسيا والصين، اذ انه في إطار البرامج الدفاعية والعسكرية الأميركية الجديدة، للسيطرة على العالم، فان الولايات المتحدة، تريد مضايقة الدول المحيطة بأفغانستان وهي إيران وروسيا والصين، ومنعها من ان تقيم اية علاقات أو تحالفات استراتيجية فيما بينها، خلال هذه المرحلة، وفي مواجهة هذه الافكار والتحديات الكبيرة، فانه لابد للموقف العربي ان يخرج من إطاره التقليدي الراهن، وان يبادر العرب إلى تطبيق عدة استراتيجيات جديدة، حتى يكون باستطاعاتهم، الحد من تأثيرات الحرب الأفغانية عليهم، وتبرز أهمية اعادة النظر في الخطاب السياسي والإعلامي العربي، لان هذا التطور، قد اسقط الكثير من المفاهيم السياسية والايديولوجية، وصارت هناك حاجة ماسة، لايجاد وسائل تخاطب مختلفة على مستوى الرأي العام والمؤسسات القائمة، اذ لا يكفي ان تصدر عن الدول العربية البيانات والتصريحات السياسية والاعلامية التي تؤكد ادانة الإرهاب ورفضه، بل لابد لهذه الدول ان تفعل شيئا إزاء المحاولات والضغوط التي تمارسها إسرائيل لاقناع الولايات المتحدة بضرورة اعتبار حركات التحرر الوطني العربية حركات ارهابية والتعامل معها على هذا الأساس، والعمل على محاصرتها ومعاقبتها. هيثم الكيلاني أما الباحث والمفكر الاستراتيجي السوري المعروف الدكتور هيثم الكيلاني فيرى ان الحرب الأميركية في أفغانستان هي امتداد استراتيجي لحربين بارزتين كانت الولايات المتحدة، قد خاضتهما وقادتهما ضد الدول والشعوب المسماة عربية وإسلامية ونامية، وهي حرب الخليج الثانية التي نشبت عام 1991 وما تركته من آثار عميقة جدا على مجمل الوضع العربي والثانية حرب البلقان التي استهدفت القضاء على آخر مظاهر الشيوعية في أوروبا. وتأتي الحرب الافغانية لاستكمال حلقات حرب الخليج الثانية وحرب البلقان، وذلك لجهة تصفية حسابات قديمة، حديثة مع الدول الإسلامية والتيارات الاصولية في الشرق الأوسط ووسط آسيا، فالمطلوب أميركيا، القضاء على هذه الأصولية التي اخذت، تشكل تحديا بالنسبة للمصالح الاستراتيجية الغربية في مناطق الشرق الأوسط وجنوب اسيا، وكذلك الجمهوريات الآسيوية التي كانت تشكل جزءا من الاتحاد السوفياتي السابق. ويؤكد الدكتور الكيلاني ان الحرب الأميركية في افغانستان هي مجرد "بروفة" لسلسلة من الحروب اللاحقة التي تريد الولايات المتحدة خوض غمارها في اصقاع عديدة من العالم الإسلامي، ويضيف انه اذا كانت احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة، قد وفرت لواشنطن الغطاء السياسي والايديولوجي والإعلامي المناسب، لشن أوسع حملة ضد الإرهاب، فان تلك الاحداث قد افرزت ــ في الوقت نفسه ــ سلسلة من التداعيات والتفاعلات التي بدأت تؤشر سلبيا على أوضاع العالم كله، فالعنوان البارز الآن، هو اعطاء الأولوية لمكافحة الإرهاب، أي التدخل الأميركي والغربي السافر في شؤون الدول الفقيرة والشعوب الضعيفة، واعادة اخضاعها للإرادة الأميركية وفق سيناريوهات ومشاريع على درجة كبيرة من الخطورة والشمولية. ويتوقع الدكتور الكيلاني ان تؤدي هذه التطورات إلى اعادة صياغة النظام العالمي الجديد،وفق نمطية أميركية ــ غربية، مفتوحة على كل الاحتمالات والخيارات، فلن تكون بعد اليوم اية مهادنة أو مساومة مع الدول والشعوب التي ترعى الإرهاب أو تؤويه من وجهة النظر الأميركية، وعليه فان الولايات المتحدة، لن تكتفي بفتح الملف الافغاني، بل هي بصدد فتح ملفات أخرى أكثر خطورة وسخونة وهي ربما شملت إيران وكوريا الشمالية وحتى الصين، ومن هنا تبرز حجم الاخطار الاستراتيجية المرافقة لهذه الحرب الأميركية. د. طيب تيزيني أما المفكر والباحث السوري المعروف الدكتور طيب تيزيني، فهو يخضع كل ما يجري لنظام العولمة الذي اخذ يتشكل في اعقاب انتهاء الحرب الباردة السابقة وانهيار الاتحاد السوفياتي ويضيف انه في إطار نظام العولمة، وبعد ان تمكنت الولايات المتحدة من احكام قبضتها السياسية والاقتصادية على غالبية دول العالم، وجدت ان الوقت أصبح مناسبا جدا بالانتقال إلى المرحلة التالية، وهي شن الحروب والانقلابات العسكرية المبرمجة ضد الدول والشعوب والحركات التي سترفع شعارات دينية وتحمل ملامح ايديولوجيا إسلامية. والسبب يعود إلى ان أميركا ومعها كل الدول الغربية على قناعة راسخة، انه لابد من ايجاد عدو بديل للشيوعية والاتحاد السوفياتي السابق، وبالتالي فان مقولة الربط بين الإرهاب والإسلام، اصبحت هي الوسيلة المثلى لتنظيم وقيادة الحملات العسكرية ضد دول فقيرة ومستضعفة مثل افغانستان وغيرها، ويرى د. تيزيني ان هذه المظاهر العسكرية والاستراتيجية ليست الا تعبيرا واضحا عن عزم الولايات المتحدة على نشر نظام العولمة الجديد في كل انحاء العالم. ويضيف ان دور المفكرين والمثقفين يزداد اهمية وخطورة في مواجهة مثل هذه التطورات وايجاد البدائل الفكرية والايديولوجية لما يجري، فالنظام الذي تكرسه أميركا، يريد ابتلاع كل شيء والسيطرة على الدول والامتداد بطريقة شاملة ولا تترك اي مجال لاتخاذ اية قرارات وطنية، وهذا يقود إلى نوع من الكارثة بالنسبة لبلدان العالم الثالث التي تجد نفسها الآن غير قادرة على تحديد وبلورة ارادتها وخياراتها على هذا الصعيد لان العنف الأميركي والغربي قد وصل بالفعل إلى درجة عالية من الاستقطاب والعدوانية، فمن خلال حملة وشعارات مكافحة الإرهاب، تمارس الولايات المتحدة أكبر واوسع انواع الإرهاب في العالم، والمفارقة ان هذا التحرك الأميركي، يحظى يدعم ومساندة معظم دول العالم، حتى يكاد الأمر ان يتحول إلى نوع من "الوباء السياسي"، أو الطاعون الذي تريد أميركا. (عن "الوطن" القطرية)