حاوره زكريا عبد الجواد: عبر ثمانية مناف وتسع مجموعات شعرية تأتي تجربة الشاعر العراقي كاظم السماوي.& فهذا الشاعر الذي أسقطت عنه جنسيته مند العام 1954 في العهد الملكي بسبب قيامه بتمثل حركة السلم العراقية في مؤتمر السلام العربي المعادي للاحلاف العسكرية التي كانت ترتبط بها بغداد، ظل ينتقل من منفى الى آخر، ويعيش فيها تجربة بعد اخرى، حتى عاد الى العراق بعد ثورة يوليو عام 1958 ليتسلم منصب مدير عام الاذاعة والتلفزيون، ولكنه ترك هذا المنصب فيما بعد ليصدر صحيفة سياسية أسماها "الانسانية"، لم تستمر سوى ثلاث سنوات أغلقت بعدها بسبب وقوف تلك الصحيفة الى جانب الشعب الكردي ضد الاعتداءات التي مورست بحقهم.
وقبل ان يغادر السماوي الى منافيه الممتدة شرقا وغربا، كان قد ذاق مرارة السجون لثلاث مرات، ومن يومها ولمدة تزيد حاليا على 45 سنة كان موطنه قد تحول نفيا الى المجر والصين والمانيا ولبنان وسوريا وقبرص والسويد التي يستقر بها حاليا.
أصدر مجموعته الشعرية الكاملة (1953 ـ 1993) عن دار الرازي في دمشق، فيما كانت مجموعته الصادرة أخيرا (كردستان وردة النار ـ وردة الحلم) بينما يتهيأ لاصدار ديوانه الجديد "لا أهادن".
في الحوار الذي تم في مدينة السليمانية الواقعة في المنطقة الكردية شمال العراق جانب من تجربة خصبة في جانبيها الابداعي والحياتي: ـ لنبدأ أولا بالحديث عن الشعر والرواية، إذ يقال حاليا ان هذا ليس زمن الشعر بل زمن الرواية.. الى أي مدى تتفق أو تختلف مع هذه المقولة؟
ـ هذه المقولة تتردد في المجلات والكتب وبعض المقالات، وهي تشير الى ان دور الشعر انتهى، وبدأ أدب الرواية، إن هذا ما يتردد في أوروبا، لأن الاجواء السياسية التي سادت في أوروبا خاصة عقب الحرب العالمية الثانية قصرت قراءة على طبقة خاصة، لأن انشغال الناس في هموم الحياة الاقتصادية قلل من النخبة التي كانت تقرأ الشعر في السابق، وساد الادب الروائي، لأن هذا النوع من الادب كان يعكس مشاعر ومعاناتهم اليومية، وخاصة ما يكتبه ادباء أمريكا اللاتينية في رواياتهم الشهيرة التي امتلأت بها الاسواق،
لكن سيظل للشعر جذور عميقة جدا ولا يمكن ان نقول ان عهده انطوى، ولكن لنقل انه قل قراؤه، وهذه المقولة ايضا تنعكس على الشاعر في أوروبا، فالشاعر هناك مثلا لا يستطيع ان يطبع أكثر من الف نسخة من ديوانه، وقد قرأت أكثر من خمسمئة نسخة، وهذه ظاهرة غريبة جدا، واعتقد ان السبب الرئيسي يعود الى الوضع الاقتصادي والوضع النفسي ايضا الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، فمثلا الآن بالنسبة لي طبعت سبعة دواوين في دمشق وبيروت على حساب دور النشر، أما الآن فهذه الدور لا تطبع ديوانا لشاعر ما لم يسهم هذا الشاعر في نفقات الديوان، أو يدفع تكاليف الطباعة بالكامل من جيبه الخاص، لكن هذه التغيرات بنظري لها علاقة بالظروف السياسية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، لكن يظل للشعر فيما أرى قراءه ولكنهم قراء خاصين.
أما الرواية فيمكن ان يقرأها المثقف المتعمق وكذلك البسيط ويجد فيها ايضا انعكاسا للمشاكل الحياتية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية.
بريق الشعر ـ لكن يقال في وطننا العربي بالتحديد، ان الشعر منذ ان فقد منبريته، فقد جمهوره، وبالتالي صار توجه الجماهير نحو الرواية التي تمنحها تفاصيل أكثر، لأن همومها الحياتية اصبحت كثيرة للغاية؟!
ـ هذا صحيح، ولكن الصحيح ايضا ان الشعر يظل قراؤه، يعني مثلا هناك شعراء من العراق أو سوريا أو فلسطين، عندما تكون لديهم ندوة، نرى ان الجماهير الحاضرة تضاهي جماهير الندوات التي كانت تقام في السابق، خذ مثلا محمود درويش أو المرحوم الجواهري أو أي شاعر معروف ان حضور امسياتهم يكون غفيرا، لكن مع هذا لم يفقد الشعر بريقه وان لم يكن بنفس السعة التي تحظى بها الروايات في عالمنا العربي، حيث يجد قراؤها الشرح الوافي للمشاعر الداخلية والاحاسيس الحياتية، وهذا صحيح.
أدب المهاجر
ـ هناك نوع من الأدب أصبح يطرح نفسه حاليا بشدة في الوطن العربي ويشكل تجديدا لأدب المهجر القديم، وإن كان بشكل مغاير بعد ان تزايدت الهجرة العربية الى الخارج وكثرة الشعراء العرب هناك، هل ترى ان هناك ما يسمى بأدب المهجر الحديث.. أنا أسألك في جانب الشعر.. هل تعتقد فعلا ان هناك تيارا مهجريا عربيا له جذوره؟
ـ أدب المهجر الأول الذي ساد بعد الحرب العالمية الأولى، قام على اكتاف الأدباء اللبنانيين والسوريين في امريكا اللاتينية، ولظروف الشعراء في المهجر كان السبب في هذا الوقت ماديا، فالذين هاجروا كان الدافع من هجرتهم ماديا لا سياسيا، وبرز منهم شعراء كثيرون، أما الآن فإنه بامكاني القول ان أدباء العراق أو شعراء رحلوا في هذه المرحلة لأسباب سياسية معروفة واقتصادية كذلك، لدرجة ان أغلب الادباء والشعراء حاليا يقيمون خارج العراق، وما تبقى في الداخل لا يزيد على 10%، وهؤلاء يعتريهم الصمت داخل العراق،
لقد تكون أدب مهجري في الخارج خاصة من الجاليات العراقية في بريطانيا التي تصدر دواوين ومجموعات شعرية وروايات وكتب، هذا الأدب العراقي في المهجر الآن أصبح له سمات خاصة ولكن جذور ما يكتب خلال هذه المرحلة، لا يكتب في المشاعر حول الهجرة بقدر ما يكتب عن المشاعر الداخلية، أي يتمحور حول الذكريات في العراق، اضافة الى أحاسيس اخرى في الغرفة، فمثلا لدينا من الروائيين غائب طعمة فرمان كتب عدة روايات، والشعراء الآن في الخارج كمال السياب الذي اغترب كثيرا وهو يعيش الآن في لندن حيث يعالج من المرض، لكن اكثر أشعاره تصب في النقد الذاتي، أما الشعراء البياتي وبلند الحيدري وشعراء آخرين طبعوا دواوينهم في الخارج وسادت قصائدهم مشاعر الحنين والذكريات، ونستطيع ان نقول ان هناك أدباء مهجريا مثل أدباء المهجر اللبناني ولكن الفرق ان هجرة الادباء العراقيين تمت لأسباب سياسية قاهرة.
ـ بعد مغادرة الشعراء العراقيين لبلادهم ووجودهم في الخارج ومعظمهم من معارضي نظام صدام حسين، أصبح الادب السياسي هو الطاغي على صنوف الأدب، ترى هل فقد الشعر أغراضه الاخرى، بحيث لم يعد هناك مجال للغزل والتشبيب ومخاطبة العاطفة، ألم يعد هناك مكان سوى للشعر السياسي؟
ـ أعتقد انه في الظروف المستقرة يكتب الشاعر عن مشاعره الخاصة في الحب وحتى في السياسة ايضا، وبالنسبة للشعراء العراقيين في الخارج يندر ان نجد في ديوان شاعر أية قصائد غزلية، وأنا أعتقد انه عندما لا تتوافر الحرية لا يتوافر الحب، فالحب يحتاج ايضا الى مساحات من الحرية، فهؤلاء الشعراء أصبحوا يعبرون عن مرحلة انسانية جريئة، قسم منها عانى من مأساة السجن ولدينا قائمة بأسماء الشعراء الذين أعدموا، لذا فالشاعر الذي يعبر عن تلك الرحلة التي عاشها، والمظالم التي شعر بها الشعب العراقي أو مارسها أو عاناها وبالطبع يعبر عن الشاعر أكثر مما يعبر عن الانسان، لذا طغى الشعر السياسي في هذه المرحلة بالذات التي هي شديدة الوقع ومؤلمة وجارحة حتى على الانسان العادي، فكيف على الشاعر الذي يجب ان يكون معبرا عن هذه المرحلة؟
وفي الحقيقة نستطيع ان نقول ان مرحلة الشعر السياسي تمت بسبب ظروف سياسية قاهرة، فقد عانى العراق كثيرا عبر ثلاثين عاما من الحروب، الحرب الايرانية دامت ثماني سنوات وغزو الكويت، وانعدام الديمقراطية، وعانى من الظروف الضاغطة، وأنا كشاعر بل وكل شاعر، عندما يكون خاليا من الضغوط كيف لا يعبر عن الطبيعة والحب؟ ولكن عندما أشعر يوميا بعنف المأساة وقسوتها، وتكرارها بشكل يومي، كيف يمكنني التفكير في الحب والطبيعة؟ ولكن عندما تستقر المرحلة سوف يعود الشاعر الى أجوائه الخاصة، ومع ذلك لا يخلو الأمر من بعض اللمحات، أما بالنسبة لي فأقول لك انه على امتداد سبع مجموعات شعرية أصدرتها فإنها لا توجد قصيدة غزلية واحدة، وكانت الاسئلة التي توجه اليّ تنصب حول عدم معقولية ألا أكتب خلال الفترة التي تمتد من الاربعينيات حتى التسعينيات قصيدة واحدة غزلية؟
ـ طبعا، انا هاجرت من العراق منذ عام 1955 أي منذ حوالي 45 سنة قضيتها ولازلت في الخارج، مسألة التفكير في الحبيبة دون ان تكون هناك الحرية صعبة، فباعتقادي ان الحرية يجب ان تسبق الحب، وعندما تسقط الحرية يفتقد التعبير عن الحب، لذلك كانت لديّ مجموعة ـ وأنا أعترف ـ في مطلع شبابي أسميتها "الغبش الاسود" وكلها كانت قصائد غزلية ولكن في ليلة ما، عندما سمعت خلالها باعدام بعض رفاقي قمت بالقائها في النار، واعترف الآن ان هذا التصرف لم يكن متزنا، ولم أكتب منذ ذلك الوقت قصيدة غزلية واحدة.
وبالمناسبة قصيدة "الغبش الاسود" نشرت في مجلة لصديقي الشاعر الكويتي علي السبتي في ذلك الوقت.
أنا شردت في ثمانية مناف لسنوات طويلة، وعانيت كثيرا ولم يكن لديّ متسع للتفكير في الغزل، وليس معنى هذا ان الشاعر لا يشعر بالحب وبالجمال، فمثلا الشاعر اللبناني الشهير بدوي الجبل يقول:
سجدنا للجمال وما أبينا
وعطرنا بعزته الجباه
لكن هذه كتبها في ظرف رائع بالنسبة له، ان تناول الغزل والطبيعة أمر مهم، ولكن كيف افكر في الشروق أو الغروب أو جمال الغابة وأنا مهموم، انني اكتب حاليا في غربتي في السويد وعن الحنين، رغم ان أمامي هناك جمالا وسحرا، السويد لديها مئات من البحيرات مكللة بالغابات، ان بها طبيعة ساحرة ولكن الهموم الداخلية تقف كجبال حائلة وجدران ساحقة طالما إنني مهموم حتى النخاع.
مفهوم الحداثة
ـ انطلاقا من هذا، هل ترى ان ريادة العراق لحركة الشعر الحديث قد بدأت بالانحسار حاليا؟ أم ان هناك مداً؟
ـ في رأيي ان الشعر العربي أغنى من أية مدرسة شعرية في العالم، ان له جذورا ممتدة، ويمتلك ما لا يمتلكه الشعر الأوروبي من أوزان، مثلا الشعر الأوروبي لديه أربعة أوزان فقط، ونحن لدينا 8 الى 20 وزنا من الأوزان، انه من اغنى التراث الشعري في العالم، وفي رأيي ان الشاعر اذا لم يكن متمرسا في الشعر وقارئا للشعر الجاهلي، وحتى أقول في العراق مثلا "الشعر البابلي" والشعر السومري، فلا يستطيع ان يتخذ اسلوبا جديدا في كتابة الشعر الحديث، في بعض الاحيان انا أقرأ قصائد رمادية وضبابية جدا، ان الشاعر الحديث الآن يهرب الى الداخل ويعبر بصورة تجريدية لا تجد متلقيا لها، والشعر يجب ألا يكون فوتوغرافيا، مباشرا، ولا يكون ايضا غارقا في الضبابية.
في احدى المرات التقيت ناظم حكمت، وكنا نتحدث عن الشعر الحديث العهد، كان هذا في بكين، قال لي "ألا ترى هذه الجبال البعيدة، انها تبدو جميلة للغاية، ولكن عندما يقترب منها المرء يجد انها مجموعة أحجار وصخور"، إن الشعر يجب ان يثير لديك شفافية معينة، ألا يكون فوتوغرافيا، مباشرا، الشعر الحديث الآن قليلين هم المتمكنون فيه من كتابة القصيدة الحديثة، إن الحديثة تلك ليست العمودية، بينما القصيدة العمودية تظل شامخة، وهناك شعراء يكتبون الطريقتين العمودية والحديثة وأنا منهم، حتى بعض النقاد كتبوا قائلين "انه كتب القصيدة الحديثة بالاسلوب الكلاسيكي" أي جمال اللفظة وعمقها والاهتمام بالمفردة.
وفي الحقيقة فإن الشعر الحديث ليس فيه حداثة معينة ما عدا الانطلاق من التفعيلة، مثلا عندما كتب السياب قصائده الأولى ظنوا انه جاءه الجن، والحقيقة انه لم يأت بجديد، فما كتبه موجود في الموشحات، سوى عدم الالتزام بالتفعيلة، القصيدة العودية لتلتزم، والسياب لم يأت بوزن جديد، وطبعا هذه القصيدة بقدر ما تمتلك من جمالية تعبر عن الوضع الراهن فإنها ايضا لا يجب ان تخلو من الجزالة ومن الاصالة في كتابة القصيدة، والقصيدة الموثرة هي لا يشترط فيها ان تكون عمودية أو ما تسمى ببيت الشعر، ان تمتلك ملتزمات القصيدة العمق في اللغة، والعمق في اختيار المفردة،
إن اللغة العربية عميقة جدا وغنية جدا، فالصحراء مثلا لها عدة أسماء بينما في الانجليزية هي فقط "Desert" وكذلك اسماء السيف والبحر المعددة في العربية، فالشاعر المتمكن من المفردات يستطيع ان يأتي المفردة الملائمة للتلاحم بين الكلمتين، أي ان يكون له وزن السيمفونية التي تنتقل تبين عدة أوزان دون ان تشعر بالخلل، وكذلك القصيدة التي تعتمد ايضا على موسيقية المفردة، بحيث لا تنتقل من المفردة الموسيقية السابقة الى المفردة اللاحقة دون ان تشعر بنشاز، وهذا ما يميز الشاعر المتمكن، وبرأيي فإن القصيدة التي تكتب فيما يسمى بالشعر الحر لا يمتلك أصحابها خلفية ثقافية شعرية خاصة الشباب بكل أسف.
ـ هل هذا هو سر تراجع الشعر الحر والشعر العربي بشكل عام؟
ـ خذ مثلا في العراق، ويقال ان الشعر هو عراقي، كان الشاعر له رواده وقصيدته تنقل من شخص الى آخر، لأن النخبة الشعرية أو رواد الشعر كان عددهم كبيرا جدا، الآن قلت نسبة الشعراء وقلت كذلك أعداد النخبة التي تقرأ الشعر، والأسباب ـ كما قلنا ـ أسباب اقتصادية وسياسية ايضا، الآن مثلا، كان الشاعر يطبع حوالي ثلاث آلاف نسخة من مجموعته الشعرية، أما الآن فإن بعض الشعراء لا يطبعون اكثر من خمسمئة نسخة.
ـ بعد هذه السنوات الطويلة في غربتك.. هل تركت تلك البلدان من المجر الى السويد التي عشت بها تأثيرا عليك؟
ـ كانت هجرتي الأولى بعد اسقاط الجنسية عني في العهد الملكي سنة 1954 الى المجر وفيها مكثت ثماني سنوات، درست اللغة واتصلت بالكثير من الشعراء وقرأت الشعر المجري للشعراء الكبار هناك، قرأته بالمجرية وقرأته ايضا مترجما، وهناك مستشرق مجري اسمه "بالمانوس" وقد ترجم معظم الشعر المجري، استفدت كثيرا، طبعا لكل بلد مدرسته الشعرية التي ترتبط بشكل أو آخر بظروفه.
بعد ذلك انتقلت الى المانيا، قرأت ايضا هذا الشعر في لغته الاصلية وكذلك ترجماته، ثم ذهبت الى الصين وهذا الشعر ليس مترجما بكثرة ولكن عندما ذهبت الى مكتبة بكين وهي مكتبة ضخمة للغاية، استغربت عندما وجدت أحد دواويني هناك، واحدى القصائد فيه مترجمة الى اللغة الصينية، وأنا لم أدرس اللغة الصينية خلال ثلاث سنوات مكثتها هناك، وهذه اللغة ليس لها حروف يجب ان تدرس لا ان تسمع، انها فقط مجرد رسم، فالكلمة التي ترسم في هذه اللغة، أما الحروف فمعدومة، ولكن هناك من القصائد ما تمت ترجمته الى اللغة الانجليزية، والى اللغات الاخرى، وعموما فقد قرأت روح الشعر الصيني وأنت تستطيع اكتشاف ان الشعر كلما كان له منبت محلي يراعي ظروف ذلك البلد يمكنك تمييزه عن الأشعار التي نبتت في بيئات أخرى، عندئذ يمكن للمرء بسهولة معرفة الفارق بين الشعر الصيني مثلا والمجري أو الالماني... الى آخره، لأنه يعبر عن بيئة هذا المجتمع أو ذاك وظروفه وأحاسيسه.
في احدى المرات في بودابست مرت قافلة من الجنود تغني، كنت أتصور انهم يغنون نشيد عن الوطن، ولكن النشيد كان يتغزل في عيون "ترويشكا" الزرقاء، انها ظاهرة شعرت بغرابتها، فهناك لديهم اغان كثيرة في حب الوطن، ولكن كان كل منهم يغني عن حبيبته التي سيفارقها، ويصف "ترويشكا" وجمالها، ان هذه ظاهرة غير موجودة في الشعر الذي يردد ويكتل في بلدان اخرى.
الشعر العربي ايضا تستطيع ان تميزه، لكن بكل أسف، فالقصائد الاخيرة لبعض الشعراء ليس لها طابع عربي، انها منقولة من المدارس الغربية، أنا ايضا عشت في الغرب فترة، وزرت فرنسا ثلاث مرات وروما وفيينا وقطنت هناك فترات طويلة، المدارس الغربية في الشعر والفن والأدب ايضا تحت عوامل الحربين الأولى والثانية، والشعوب عانت هناك معاناة كبيرة جدا من الحرائق والدمار، والشعراء هناك انكفأوا الى الداخل الى المشاعر الجوانية، فأخذوا يكتبون الشعر الذي سمي مرة بالتجريدي وأخرى "كويدست"
وبكل أسف فإن بعض الشعراء أخذوا يقلدون هذا الشعر عندما ترجم الى العربية نعم هناك مثلا "اراغون" كان يكتب الشعر الواقعي أي الكلاسيكي الرومانتيكي وعندما انتسب الى احدى المدارس، اضطر ان يتراجع ثانية لأنه لم يجد المتلقي، فهذه المدارس بكل أسف، التي بدأت تقليدها في لبنان أولا، منذ الاربعينيات تقريبا، وصار تقليد بعض الشعراء الجدد لها، سببا في افتقاد القصيدة أصالتها العربية، فعندما نكتب القصيدة بأسلوب تجريدي تشعر انها مترجمة، كل مدرسة من هذه المدارس بكل أسف تفشل في التعبير، تعتمد طرفا تقوم على أثرها مدرسة اخرى، وتتعدد المدارس تلك، مبتعدة عن الأصالة العربية، بينما كان المفروض ان تكون مجرد خلفية ثقافية للشاعر.
واقع العالم
ـ بعد كل هذه التجرية الطويلة، ما الذي خرجت به على المستوى الإنساني؟ ـ أعتقد ان السفر بالنسبة للكاتب والأديب يمثل مدرسة أخرى، تضيف إليه آفاقاً أخرى، فالذي نقرأه في الكتب، غير الذي نجده في الواقع مختلفاً، لقد حدث معي هذا، قرأت كتباً كثيرة عن الصين، ولما ذهبت إليها وجدت ما هو أكثر عمقاً.
إن ما استفدته من رحلاتي الطويلة خلال خمسين عاماً، هو اني أدركت واقع العالم أكثر مما كنت أقرأه في الكتب، وأنا الآن استطيع ان أغمض عيني، وأدرك ما في معظم الدول التي زرتها بأكثر مما قدمه لي الأدب فيها، وزيادة على ذلك، أن تلمس الانسانية في هذا العالم لدى أبناء تلك البلدان، لتشعر انك في عالم متماسك، فما يشعر به الصيني أنا أعتقد يشعر به العربي أو الساكن في أمريكا اللاتينية مثلاً، العالم عندما تسافر يصبح صغيراً بالنسبة إلينا، وهذا ما لا تمنحنا إياه الكتب. استفدت كثيراً من واقع هذا البلد أو ذاك، فخلال وجودي في المجر، حدثت الثورة هناك عام 1956، وفي ألمانيا عندما هدم الجدار كنت هناك أيضاً، وفي بلدان أخرى، كنت أعرف هذه العوامل مقدماً، كنت أدرك أسباب هذا التغيير، إنك بالفعل تعرف عن قرب ما لا تقوله لك مئات الكتب، ما هي المجتمعات؟ ما هي الإنسانية؟ ما هو الفكر السائد في هذا العالم؟ وهذا بالطبع اغناء دفعت ثمنه، فأنا لم أذهب سائحاً، وككاتب وكمبدع كنت أتطلع بالدرجة الأولى الى أدب وفن هذا البلد أو ذاك.
ـ ولكن في جانب الشعر، ما الذي أضافته الغربة لقصيدتك... وكيف كانت الحصيلة؟
ـ لم أكتب الشعر للشعر، هذا في الدرجة الأولى، وربما كان هناك الكثير ممن يعيبون عدم وجود قصيدة غزلية لي أو قصيدة تصف الطبيعة، ولكن اعرف ان تجربتي الشعرية لم تفتقد الأصالة ولم تكن مقلدة، ولم تخرج عن أصالة الشعر العربي.
سألني مذيع في تلفزيون دمشق، "لماذا لا نجد لديك ما نجده لدى الآخرين من تجديد في الشعر، مثلاً فلان وفلان مع العلم انك عشت في باريس فترة طويلة؟"، والحقيقة ان الانسان عندما ينقطع عن جذور الذاكرة لديه، ويقلد ما في ذلك البلد من حداثة، ينتهي إلى أنه يكتب شعراً لا يعود الى بلده، ولا يضيف شيئاً للشعر الذي قلده، لقد حافظت على الأصالة في الشعر وهذه الأصالة مرتبطة بالظروف الحاضرة، أي انها الحداثة في احداث العالم، مثلاً كتبت عشرين قصيدة عن عشرين ثورة حدثت في العالم، أي ثورة في العالم حدثت، تجد في مجموعاتي الشعرية هناك قصائد، وكنت استهدف هذه الحداثة دون القياس الى أيديولوجية معينة، حتى انني أصدرت جريدة في بغداد اسمها "الانسانية".
حصيلة تجربتي الشعرية تتلخص في انني لم انقطع عن جذوري ولم أقلد الحداثة الغربية في الشعر، أخذت منها ما يتلاءم ويتساوق وينسجم مع المرحلة الحاضرة، أنت تقرأ الحاضر في الشعر، ولكن لا تقرأ الحداثة الغربية الموجودة في بلدان أخرى منقولة الى القصيدة العربية. (عن "البيان" الاماراتية)
&
&