تحقيق ماري زعرب غندور&:أولى حروب القرن التي هزت العالم، ولا تزال، حملت نوعا جديدا - قديما من "أسلحة الدمار البشري الشامل"، تسع اصابات بجرثومة "الجمرة الخبيثة" (ANTHRAX) في الولايات المتحدة الاميركية، كانت كافية لاثارة المخاوف والتساؤلات في العالم. انه السلاح الجرثومي، الكيميائي، او البيولوجي،
تختلف تسمياته ونتيجته واحدة: افناء البشرية بأبسط الطرق وأكثرها صمتا وخبثا.
&
اثر الضربة الارهابية التي طالت الولايات المتحدة الاميركية في 11 ايلول الفائت، بدأ الحديث عن الاسلحة الجرثومية، خصوصا بعد الاصابات التي سجلت في ولايتي فلوريدا ونيويورك، لما لها من مفاعيل خطيرة جدا، اذ انها تحتوي مكونات يمكنها التأثير في اعضاء الجسم وعملها، فضلا عن انها سهلة التركيب ولا تحتاج الى مواد او معدات معقدة لاعدادها. فهي اقل كلفة، وأكثر بساطة، من الاسلحة الذرية، مما يعني انها أكثر خطورة على البشرية.
ورغم عدم وجود أدلة تثبت ان الاصابات ببكتيريا الجمرة الخبيثة مرتبطة بالضربة الارهابية للولايات المتحدة، ورغم عدم وجود أي دليل على ان الجرثومة في فلوريدا سرقت من احد المختبرات، الا ان السلطات المحلية في الولاية، أفادت اول من امس ان التحقيق في ظهور بكتيريا الجمرة الخبيثة اتخذ منحى جنائيا، اثر تسجيل الاصابة الثالثة بعد وفاة اول المصابين يوم الجمعة الفائت، وادخال مصاب ثان الى المستشفى. في حين لم& يستبعد نائب الرئيس الاميركي ووزير العدل احتمال ان تكون هناك صلة بين اكتشاف الاصابات في الولايات المتحدة واسامة بن لادن المشتبه الرئيسي في الهجمات التي وقعت الشهر الفائت رغم عدم وجود ادلة قاطعة تدين ذلك.
ويبدو ان 8 من الاصابات بهذه البكتيريا تبدو محصورة في المبنى الذي توجد فيه شركة "أميركان ميديا انكوربوريتد" في مدينة بوكاراتون في ولاية فلوريدا، حيث يعمل الاشخاص الثلاثة الذين اصيبوا اولاً وواحدة في نيويورك، لكن الامم المتحدة حضت موظفيها على توخي الحذر من هجوم جرثومي مفاجئ.
وبعدما حظرت السلطات الاميركية تشغيل طائرات رش المحاصيل الزراعية موقتا في ضوء معلومات لمكتب التحقيقات الفيديرالي "اف بي آي" عن امكان استخدام طائرات مشابهة في هجمات بالاسلحة الكيميائية والبيولوجية، ناشدت منظمة الصحة العالمية الحكومات التأهب لمواجهة هجمات محتملة بأسلحة كهذه، ودعتها الى تعزيز دفاعاتها، وكان الهدف من هذا النداء رصد كل مرض سريعا، وهو ما يتطلب، بدوره، نظاما صحيا سليما.
وكانت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية غروهارلم برونتلاند قالت في اجتماع الصحة في دول القارة الاميركية في واشنطن، انه يجب الاستعداد لاحتمال وقوع اشخاص ضحايا أمراض، بسبب استعمال متعمد لمواد كيميائية او جرثومية، مشيرة الى أن كل أضرار تسببها مواد تحتوي على جراثيم مثل "الجمرة الخبيثة" او "فيروس الجدري" يمكن احتواؤها بفضل رد فعل الاجهزة الصحية، منبهة الى وجوب استعداد الدول لمواجهة هذا الوضع سريعا.
&
"خبيثة" جدا...
منذ ظهور الاصابة الاولى بدأت التكهنات عن مصدر جرثومة الجمرة الخبيثة، ويروى انه قبل اسبوع من اعتداءات نيويورك وواشنطن وصلت رسالة حب غريبة موجهة الى الفنانة جنيفر لوبيز الى المبنى الذي خرجت منه الاصابات، والذي يضم عددا من وسائل الاعلام، وكان المغلف يحوي مادة لزجة، فيها مسحوق، وقد تناقله الشخصان اللذان اصيبا أولا وفق عاملين في المبنى، وأدت صدف قد تكون عرضية، الى تعزيز المخاوف.
ووفقا للمحققين فان عددا من خاطفي الطائرات المستخدمة في هجمات 11 ايلول عاشوا مدة في فلوريدا، حيث جمعوا معلومات عن استخدام طائرات رش المبيدات. ويخشى مسؤولون ان تكون تلك المحاولات لها صلة بالتخطيط لشن هجوم محتمل بأسلحة بيولوجية او كيميائية.
و"الجمرة الخبيثة"، مرض جرثومي غالبا ما تنتقل عدواه بالصدفة، لكنه يصيب أصلاً الماشية، ويمكن لبكتيريا هذا المرض ان تعيش في التراب لاعوام طويلة، وفي ظروف قاسية، كونها تقاوم الجفاف والشمس والحرارة، ويمكن ان تبقى حية في الهواء اسابيع عدة وتلتقط الماشية عدواها من التربة اثناء الرعي، ونتيجة اصابة الماشية بها هي الموت.
اما بالنسبة الى الانسان، فهذه البكتيريا تنتقل اليه بثلاث طرق: الجلد، الجهاز التنفسي والطعام الملوث. وتفصّل رئيسة قسم الامراض الجرثومية والالتهابات في مستشفى الجامعة الاميركية، الدكتورة سهى كنج شرارة، طرق انتقال هذا المرض، وطرق الوقاية منه، والادوية التي تستخدم في علاجه.
الجلد قد يكون الوسيط الاول لنقل البكتيريا الى الانسان، خصوصا اذا كان مشققا ولامس الجرثومة، وتظهر دملة صغيرة تتسبب بحكة غير مؤلمة، ثم ينتفخ حولها الجلد، وتتكون بقعة سوداء على سطح الجلد المصاب BLACK ESCHAR خلال 3 الى 4 ايام، واذا عولجت فورا، فقلما تدخل الجسم وتؤدي الى الموت، الا في أقل من 20 في المئة من الحالات. وغالبا ما تظهر هذه البثور على الوجه او اليدين والذراعين والعنق، وهذه الاماكن من الجسم هي الاكثر عرضة للاصابة لانها مكشوفة. وتنصح كنج شرارة المصابين بعدم حك الآثار السوداء التي تتكون على سطح الجلد المصاب، وعدم ازالتها بواسطة العمل الجراحي، بل ترك الامر للوقت فهو كفيل بحل هذه المشكلة. لكن هذه البقعة السوداء تتحول ندبة مزمنة على الجلد، وعند تغيير الشاش الطبي الذي يوضع على الدملة يجب ألا يلمس باليد من دون قفازات بلاستيكية واقية، كما يجب الا يرمى في المهملات، ومكشوفا، بل يجب ان يتلف في أماكن خاصة.
اما اذا لم يتم علاج الاصابة بالمضادات الحيوية، فان البكتيريا تتسلل الى الغدد اللمفاوية والدم، مما قد يؤدي الى الوفاة، وكل ما مر الزمن على الاصابة من دون علاج فان البكتيريا تدخل الجسم ويصبح علاجها أكثر صعوبة.
والجهاز التنفسي هو الوسيلة الثانية لادخال البكتيريا هذه الى الجسم، لان الجرثومة تدخل مباشرة الى الغدد اللمفاوية، وتنتقل الى القفص الصدري محدثة نزيفا داخليا وانهيارا للأوعية الدموية في الرئتين، وتستمر الاصابة الصدرية من يوم الى ستة أيام.
ويحصل الالتهاب الصدري على مرحلتين: الاولى تشبه أعراضها الانفلونزا، مع ضيق طفيف في التنفس، وتعب جسدي، وألم في الصدر. ويمكن للطبيب ان يسمع "خرة" صدرية اثناء الفحص. وفي المرحلة الانتقالية بين المرحلتين الاولى والثانية يحدث تحسن، ثم تعود حال المريض لتسوء بعد 5 الى 6 ايام، فيعاني ضيق نفس وسعالا وهبوطا في كمية الاوكسجين في الدم، وارتفاعا حادا في درجة الحرارة. وتستمر المرحلة الثانية قرابة 24 ساعة، تحدث أثرها الوفاة. وتشير الدراسات الى حتمية الوفاة في حال الاصابة عن طريق الجهاز التنفسي.
أما الطريقة الثالثة والاخيرة، التي تنتقل من خلالها جرثومة الجمرة الخبيثة الى الجسم، فهي عن طريق الطعام الملوث وتبدأ الاعراض بالظهور بعد 3 الى 7 ايام من تناول الطعام الملوث. وقد تحصل الاصابة اما في الحلق، وتظهر اعراضها من خلال ألم في البلعوم وصعوبة في البلع، واما في الجهاز الهضمي، وتظهر اعراضها كالغثيان والتقيؤ الدموي والاسهال والهبوط في ضغط الدم. واما ان تحدث الاصابة في الحلق والبلعوم معا. وتبلغ نسبة وفاة المصابين بالمرض جراء دخول الجرثومة عبر الجهاز الهضمي 50 في المئة، وتأتي بعد يومين الى 5 ايام من ظهور الاعراض. أما في حالات الالتهاب المتقدمة الناجمة عن الاصابة بهذه الجرثومة، فتحدث التهابات السحايا او الغشاء الخارجي للدماغ، وتبلغ نسبة هذه الاصابة من 3 الى 5 في المئة.
ويمكن تشخيص المرض عبر طرق مختلفة - وفق كنج شرارة - اما من خلال زرع العينات المأخوذة من الجلد المصاب، او من الافرازات الرئوية، الخروج او سائل غشاء الدماغ، وتزرع العينات للتأكد من صحة التشخيص وتجرى أحيانا فحوص اخرى على الدم لتأكيده.
&
... لا تعالج!
اما البينيسيلين والمضادات الحيوية فهي الاساس في علاج هذه الجرثومة، الى علاجات اخرى. وفي حالات التهاب الرقبة والقصبة الهوائية، يلجأ الاطباء الى اجراء عملية جراحية صغيرة لفتح شق في الرقبة كي يتمكن المريض من التنفس، بعد ان يراوده شعور يشبه الاختناق. وأفادت مجموعة باير الالمانية لصناعة الادوية انها ستزيد، اعتبارا من مطلع تشرين الثاني المقبل، انتاج دواء "سيبروباي" الذي يمكن ان يستخدم في معالجة وقائية لمرض "الجمرة الخبيثة". وكانت سلطات الصحة الاميركية أدرجت في آب 2000 هذا المضاد الحيوي في لائحة العلاجات التي يوصى بها في حال التقاط الجرثومة، لكن عند ظهور اعراض المرض يفقد هذا العلاج جدواه.
وعن طرق مقاومة المرض تقول شرارة انه يستحسن استخدام لقاح يلقح به عمال المزارع ومصانع النسيج التي تدخل اليها أصواف وشعر ماعز، وتستخدم مادة لتعقيم الامكنة التي يعتقد انها ملوثة بهذه البكتيريا تدعى فورمالديهايد Formaldehyde. كما يتم استخدام بخار هذه المادة للتخلص من الجرثومة، وعندما تدخل الجمرة الخبيثة الى جسم الحيوان يجب ان يذبح ويحرق وان تدفن بقايا عظامه في عمق التربة. اما الادوات والمعدات الطبية فيجب ان تعقم في طريقة خاصة للتخلص من الجرثومة. وفي الاماكن التي تتكاثر فيها هذه الجرثومة يجب تلقيح الماشية سنويا".(النهار اللبنانية)
&














التعليقات