&
&
&
كتب حلمي موسى : دبت الروح في الحياة السياسية الإسرائيلية من جديد بإعلان <<الاتحاد القومي إسرائيل بيتنا>> انسحابه من الائتلاف الحكومي في اليوم الأول للدورة الشتوية للكنيست. وفي الوقت الذي احتدت فيه الخلافات داخل حكومة شارون تعاظمت الاستقطابات داخل الليكود، الأمر الذي وجه الأنظار ثانية نحو زعيم الليكود السابق بنيامين نتنياهو. وحامت في الجو السياسي الإسرائيلي روائح انتخابات جديدة دفعت أرييل شارون في خطابه أمام الكنيست للتحذير منها عندما حمل على اليمين الإسرائيلي متسائلا: <<ما الذي تريدونه؟ محاربة الإرهاب أم خوض معركة انتخابية؟>>.
وكانت كتلة <<الاتحاد القومي إسرائيل بيتنا>> التي تضم سبعة أعضاء كنيست ووزيرين في حكومة شارون قد قررت رسميا الانسحاب من الائتلاف الحكومي. وجاء إعلان هذا الانسحاب في مؤتمر صحافي عقده وزير البنى التحتية أفيغدور ليبرمان، والسياحة رحبعام زئيفي وأتبعا ذلك بتقديم استقالتيهما رسميا من الحكومة. ومن المقرر أن تدخل استقالتاهما حيز التنفيذ ظهر غد الأربعاء.
وأعلن أفيغدور ليبرمان في المؤتمر الصحافي: <<لقد توصلنا الى استنتاج بأنه ليس بوسعنا مواصلة البقاء في حكومة الوحدة أكثر من ذلك. وأنا لا أقول إنها وطنية، لأنها من الجائز حكومة وحدة ولكنها بالتأكيد ليست وطنية. وكل من صوّت لشارون في الانتخابات إنما صوّت احتجاجاً ضد اتفاقات أوسلو وضد وضع الأمن الشخصي، ولكنه لم يحصل على مقابل. وكل من كان يؤمن بالحصول على تحول حاد في موضوع الأمن الشخصي، لم يحصل على شيء>>.
أما رحبعام زئيفي فأعلن أن <<العنصر الحاسم في قرارنا الانسحاب تمثل بقرار تسليم أمن السكان اليهود في مدينة الخليل لأيادي جبريل الرجوب. ونحن نعرف بالضبط من هو هذا الرجل الدموي من مدرسة فتح>>. وأضاف زئيفي ان <<عرفات هو رجل دموي كاذب ومضلل. وتمر أيام يقلص فيها حجم الإرهاب، ولكن ذلك لا ينبغي لدفعنا نحو التعامل معه>>.
ونفى زئيفي ان يكون زعيم الليكود السابق بنيامين نتنياهو وراء هذا الانسحاب من الائتلاف الحكومي. غير ان الكثير من المراقبين يعتقدون ان أفيغدور ليبرمان، وهو من أقرب المقربين الى نتنياهو، ليس بعيدا عن نواياه في العودة القريبة الى الحياة السياسية. وقد أفصح نتنياهو مرارا في الآونة الأخيرة عن نواياه هذه، من خلال إبداء مواقف حادة تجاه قرارات الحكومة الإسرائيلية وسياساتها. ورأى البعض ان تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي شاؤول موفاز ليست بعيدة عن السياق الذي يخلقه نتنياهو في صفوف اليمين الإسرائيلي.
ومن الواضح ان الخطورة الحقيقية التي تواجه أرييل شارون وحكومته لا تكمن في <<الاتحاد القومي إسرائيل بيتنا>> تحديدا، وإنما في أجواء اليمين الإسرائيلي عموما الذي بات يظهر الامتعاض المتزايد من <<ضبط النفس>> الذي يمارسه شارون، ومن عدم قدرته على حسم الصراع مع الفلسطينيين.
وتزداد هذه الخطورة مع تنامي الامتعاض من شارون داخل الليكود نفسه. وقد تصاعدت الدعوات داخل اليمين لانسحاب وزراء من الليكود مثل عوزي لانداو وليمور ليفنات. وأعلن لانداو في مؤتمر صحافي ظهر أمس انه لا ينوي الاستقالة <<حاليا>> من الحكومة. وقال: <<إن أسهل شيء في وقت الصراع أن تترك المفاتيح وتغادر المكتب. ولكنني لا أخشى الصراعات وسوف أبقى من الحكومة>>. وأعلن انه سيعمل من أجل ثني ليبرمان وزئيفي عن استقالتيهما وسوف يعمل من أجل انضمام المفدال الى الحكومة لتعزيز <<المعسكر القومي>> فيها.
وكان شارون قد بذل جهده للحيلولة دون انسحاب ليبرمان وزئيفي من حكومته. وقد دفع الى حلبة الوساطة زعماء حركة شاس، الذين حاولوا إقناع الاتحاد القومي أن تفكيك حكومة الوحدة يعتبر <<منح جائزة للإرهاب>>. ولكن الاتحاد القومي الذي يحاول التعبير عن مواقف أقصى اليمين والمستوطنين رأى في الانسحاب من حارتي أبو سنينة والشيخ في الخليل القشة التي قصمت ظهر البعير مع حكومة شارون.
والواقع ان انسحاب الاتحاد القومي لا يشكل بحد ذاته خطرا على حكومة الوحدة. إذ بقيت حكومة شارون تستند الى أغلبية 74 عضوا في الكنيست. ولكن الخطورة في نظر شارون تتمثل في خسارته أحد الأوزان اليمينية التي يواجه بها وجهات نظر حزب العمل داخل حكومته.
والحال ان انسحاب هذه الكتلة يعني أن شارون ومنذ الآن سيواجه معسكرا يمينيا أشد قوة يقف ضده. وقد أعلن عن هذه الحقيقة زعيم المفدال إسحق ليفي الذي قال إن حزبه سوف يعمل من أجل تكوين جبهة يمينية موحدة تشارك فيها حركة غيشر والاتحاد القومي إضافة الى المفدال. وقال إن هذه الجبهة ستعمل على تكوين البديل لسياسة بيريز شارون.
ورحبت قوى <<اليسار الإسرائيلي>> بانسحاب الاتحاد القومي من الحكومة. وقال رئيس كتلة حزب العمل في الحكومة أوفير بينس: <<الحمد لله الذي أراحنا منهم. فثمة فرصة في ظل حكومة الليكود والعمل، بعيدا عن اليمين المتطرف واليسار المتطرف، للتوصل الى وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية>>. وقالت عضو الكنيست عنات ماؤور من حركة ميرتس ان انسحاب هذه الكتلة يعتبر خبرا مفرحا مع بدء الدورة الشتوية للكنيست وحسب رأيها فإن شارون محق في عدم الخضوع <<لإملاءات الأصوليين المتطرفين>>.
وفي كل حال أعلن شارون في خطاب أمام الكنيست عن شعوره بالمرارة من انسحاب الاتحاد القومي. وتوجه بكلمات لاذعة إليهم قائلا: <<لقد تسببتم لي بالمرارة وأشعرتم عرفات بالرضا الكبير>>. وقال: <<ان عرفات كان يحلم بذلك. ويا زئيفي وليبرمان حققتم لعرفات هذا الحلم اليوم>>.
وفي ظل احتجاجات اليمين داخل الكنيست واصل شارون خطابه: <<ان لدينا خبراء في إسقاط الحكومات. لقد أسقطوا شامير وحصلوا على أوسلو. وأسقطوا نتنياهو وحصلوا على كامب ديفيد>>. وخاطب شارون أعضاء الاتحاد القومي قائلا: <<إنني لا أخضع لأي ضعط، ولا أنوي القبول بأي حل وسط يعرض للخطر أمن إسرائيل. إنني أدعوكم لإعادة النظر في خطوتكم والبقاء في الحكومة. فبين كل الأحزاب الصهيونية قاسم مشترك: مستقبل دولة إسرائيل>>.
ورغم ذلك ثمة جانب لا يمكن القفز عنه: لقد تجاوز شارون منذ وقت طويل ذروة عمله، وهو الآن في طور الانحدار. وشارون في الوقت الراهن في حالة تصادم داخل حزبه مع اثنين من أقوى أعمدة الحزب: عوزي لانداو وليمور ليفنات.(السفير اللبنانية)
&










التعليقات