إسلام آباد ـ من أحمد القريشي: قال مسؤولون في اسلام اباد امس، ان الولايات المتحدة وباكستان توصلتا الى تفاهم يقضي بأن تساعد الاستخبارات العسكرية الباكستانية، الضليعة في السياسة والجغرافيا الافغانية، في ملاحقة وضبط اسامة بن لادن، مقابل أن تغض واشنطن الطرف عن دخول قياديين معتدلين من حركة "طالبان" في الحكومة الافغانية الجديدة.
وقال مصدر رفيع المستوى في الحكومة الباكستانية، في تصريح خاص لـ "الرأي العام" عقب مغادرة وزير الخارجية الاميركي كولن باول اسلام اباد، ان الحملة العسكرية الاميركية في افغانستان "تواجه مأزق نقص المعلومات الاستخبارية من اجل تحقيق الهدف الرئيسي للحملة، وهو تقديم بن لادن للعدالة، وتدمير شبكة القاعدة".
واضاف المسؤول، المطلع عن كثب على المحادثات التي جرت امس، بين باول والرئيس الباكستاني برويز مشرف، ان "الوكالات الاستخبارية (الباكستانية) تملك معلومات شاملة عن افغانستان وشبكة بن لادن, ومن دون تعاونها، سيتخبط الاميركيون في افغانستان لمدة طويلة".
ومتسلحا بنقطة القوة هذه، يبدو ان مشرف نجح في الحصول على دعم القادة الكبار في الجيش من اجل تطويع الوكالات الاستخبارية التابعة لها، واهمها العسكرية لخدمة الهدف الاميركي, وحسب المسؤولين، أقر الوفد الاميركي بمعظم المطالب الباكستانية، في ما عدا مسألة الاعفاء التام للديون.
لكن، في المقابل، خرجت اشارات من العاصمة الباكستانية امس توحي بأن ثمة مسارات ديبلوماسية عدة تنشط في الوقت ذاته، من اجل حل الازمة في افغانستان، والحملة العسكرية ليست سوى واحدة منها.
ففي وقت نشرت وسائل الاعلام المحلية تصريحا للناطق باسم الخارجية الباكستانية امس، اكد فيه ان اسلام اباد "لا تعتبر حركة طالبان تنظيما ارهابيا"، اكدت مصادر سياسية متطابقة ان وزير الخارجية في "طالبان"، المولوي وكيل احمد متوكل، تواجد فعلا في اسلام اباد خلال الساعات الـ 48 الفائتة.
وقال مراقبون مستقلون ان وجود متوكل، وهو احد القيادات المعتدلة داخل "طالبان"، في اسلام اباد متزامنا مع وصول كل من وزير الخارجية الاميركي والمبعوث الشخصي للملك الافغاني السابق محمد ظاهر شاه، الذي التقى مشرف امس، يعطي صدقية للتقارير التي تفيد بأن باكستان ماضية في تشجيع فصائل معتدلة داخل "طالبان" على الانقلاب على القيادة المتشددة، بقيادة الملا محمد عمر، مقابل اقناع واشنطن بالامتناع عن التدمير الكامل للحركة.
وأكد مسؤولون باكستانيون ان الولايات المتحدة "باتت مقتنعة" بضرورة عدم تدمير "طالبان" كاملا، بل اضعافها فحسب، كي يتمكن المعتدلون من السيطرة على مقاليد الامور والمساهمة في تشكيل الحكومة الافغانية الجديدة ذات التمثيل الواسع.
وكان ملفتا امس تصريح مشرف، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع باول في اسلام اباد، والذي اعلن فيه ضمنا موافقة واشنطن على ادخال طرفين مهمين في الحكومة الافغانية الجديدة هما "قياديو طالبان المعتدلون" وزعماء القبائل الافغانية "الجنوبية"، في اشارة الى القبائل الباشتونية الموزعة في افغانستان وباكستان، والموالية في شكل عام لاسلام اباد بسبب العلاقات الاثنية المشتركة.
وقال مشرف انه اتفق مع باول على أن تشمل الحكومة الجديدة في كابول "قادة معتدلين من طالبان" و"عناصر من التحالف الشمالي"، في تلميح الى مطالب اسلام اباد بأن تقبل واشنطن بدور سياسي للمسؤولين "الطالبانيين" المعتدلين الذين ترشحهم الحكومة الباكستانية، وأن تحظر "قادة" التحالف الشمالي من الدخول في الحكومة الافغانية الجديدة، على أن يُسمح لـ "عناصر" من ذلك التحالف بالانضمام للحكومة الافغانية ممثلين للأقليات الاوزبكية والطاجيكية.
وحسب المصادر الرسمية في إسلام اباد، تلقت الجهود الأميركية من أجل شن عملية تقودها القوات الخاصة لضبط بن لادن دفعة قوية مع موافقة مشرف أمس على أن تقدم الوكالات الاستخبارية الباكستانية، التي تتبع الجيش، تعاوناً كاملاً في ما يتعلق باحتمالات أماكن تواجد بن لادن وشركائه في "القاعدة" في أفغانستان.
وجاءت هذه الموافقة عقب اجتماع موسع عقده مشرف مع كبار الجنرالات قبيل وصول الوزير إلى إسلام اباد مساء أول من أمس, ومقابل تعاون الجيش في المجال الاستخباري مع واشنطن، قرر الطرفان إعادة إحياء الاتفاق الاستراتيجي حول التعاون الاستخباري في مجالي "المراقبة والاستكشاف"، والذي وقعته الوكالات الاستخبارية في البلدين في بدء الخمسينات (ISI من الجانب الباكستاني ووكالة الأمن القومي NSA من الجانب الأميركي)، حسب مصادر في الحكومة الباكستانية تحدثت لـ "الرأي العام".
وهذا يفسر لماذا تغاضى مشرف عن مطلبه بأن تكون العملية العسكرية التي تقودها واشنطن في أفغانستان "قصيرة", وشدد في مؤتمره الصحافي أمس، واقفاً إلى جانب باول، على أن إسلام اباد ستقف إلى جانب واشنطن "مهما كانت المدة طويلة التي يتطلبها تحقيق النتائج المطلوبة"، وتعهد القضاء على "التطرف" في باكستان.
وقال مراقبون ان الرئىس الباكستاني يخاطر بذلك بتعريض نظامه العسكري إلى عدم الاستقرار الداخلي، إذ تزداد المعارضة لواشنطن، حتى بين المعتدلين، كل يوم مع سقوط المدنيين في أفغانستان.
لكن، في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة قدمت عرضاً لا يمكن لجنرالات باكستان أن يرفضوه: إعادة الحرارة إلى علاقات التحالف بين البلدين كما كانت عليه أثناء الحرب الباردة, والهدف الجديد المشترك، هذه المرة، هو دعم السيطرة الأميركية على منطقة آسيا الوسطى الاستراتيجية.
وعدا التفصيلات المتسربة عن المصادر الرسمية العليا، ليس واضحاً ما هي نقاط الاتفاق الأخرى في هذا التحالف الأميركي- الباكستاني، خصوصاً ان إسلام اباد لم تحصل إلى الآن لا على تعهد أميركي علني بإعفاء ديونها الكبيرة لواشنطن وحلفائها، ولا حصلت على تعهد أميركي بدعم موقف إسلام اباد في كشمير، رغم ان المسؤولين هنا يشيرون إلى ان واشنطن تتجاهل إلى الآن المحاولات لوصم نشاط الحركات المسلحة الكشميرية الموالية لباكستان في الجزء الخاضع لسيطرة الهند من كشمير بـ "الحركات الإرهابية".
ومن جهته، أعلن باول في ختام لقائه مشرف، ان نظام "طالبان" يخضع "لضغط كبير"، لكنه رفض تحديد موعد لسقوطه المحتمل، وغادر الوزير الأميركي لاحقاً إسلام اباد إلى نيودلهي للقاء كبار المسؤولين الهنود.
وفي إسلام اباد، اجتاحت مجموعة من المقاتلين العرب، مباني منظمة إنسانية في قندهار السبت الماضي، ما أدى إلى مواجهات مع ميليشيا "طالبان" حسب ما أعلنت الأمم المتحدة.
وقالت ستيفاني يانكر الناطقة باسم الأمم المتحدة في إسلام اباد أمس، ان نحو 20 "من غير الأفغان" اقتحموا مباني "وكالة العون الإسلامية"، وهي منظمة غير حكومية مقرها في بريطانيا، مشيرة إلى أنهم "عرب", وأضافت انه اثر طلب موظفي المنظمة النجدة من شرطة الحركة "جرت مواجهات" من دون أن توضح ما إذا تم اطلاق نار.
وأشارت إلى أنه تم نهب مكتب الأمم المتحدة في قندهار، السبت.
وحسب الناطقة، فإن أشخاصاً غير أفغان يعيشون على مشارف قندهار، حيث سجلت أعنف الغارات، بدأوا منذ انطلاق الهجوم الأميركي على أفغانستان (7 أكتوبر) باقتحام منازل في مناطق سكنية من المدينة.
وفي واشنطن، اعلن الجنرال غريغوري اس, نيوبولد العضو في اركان الجيوش الاميركية امس، ان القوات الاميركية استخدمت "اكثر من مئة طائرة"، وهو رقم قياسي في غاراتها على افغانستان، اول من امس.
وقال الجنرال في المارينز ومدير عمليات اركان الجيش، ان "اكثر من مئة طائرة، منها 60 مقاتلة بعيدة المدى" استخدمت وكذلك طائرات من طراز "اي,سي ـ 130 غونشيب" التي كانت تدخلها ناجحا, واوضح ان 90 طائرة اقلعت من حاملات الطائرات الاميركية الاربع المرابضة في المحيط الهندي، وقد استهدفت الغارات بالخصوص "معسكرات ارهابية" ومواقع للمضادات الدفاعية الجوية لـ "طالبان".
واكد ان الاثنين "كان يوم قصف مكثف" وان امس سيكون كذلك ولو انه على درجة ادنى.
واعلن الجنرال نيوبولد من ناحية اخرى، ان حركة "طالبان" قد تخسر سيطرتها على مدينة مزار الشريف الاستراتيجية قريبا "تبعا لما يقرره تحالف الشمال" الذي باتت قواته قرب المطار, وقال ان قوات المعارضة هي الان قرب المطار.
واضاف ان "طالبان" الحاكمة في كابول "تواجه خطر انقطاعها منذ الان" عن مواقعها الخلفية, وقال ان "مواقعهم يمكن ان تكون عرضة للخطر في الايام المقبلة تبعا لما يقرره تحالف الشمال".
واكد الجنرال ان الولايات المتحدة "تقصف مواقع عسكرية لحركة طالبان حول كابول (,,,) واليوم (امس) قرب مزار الشريف"، مشيرا الى ان "احتلال المدينة يتعلق بتحالف الشمال".
إلى ذلك، تضاعفت الانذارات بالاصابة بمرض الجمرة الخبيثة في كل أرجاء العالم ولا يزال الخوف، ورغم التصريحات المطمئنة التي تدلي بها السلطات، قوياً في النفوس في أعقاب رصد 15 حالة اصابة بهذا المرض في الولايات المتحدة.
وأكد ناطق باسم الكونغرس الأميركي، أمس، انه ثبت فعلاً أن الرسالة الموجهة إلى زعيم الكتلة الديموقراطية في مجلس الشيوخ توماس داشل، تحمل جرثومة الجمرة الخبيثة.
وقال الناطق دان نيكولس خلال مؤتمر صحافي عقده في مقر الكونغرس: "اننا نعلم الآن اننا أمام حالة أكيدة من جرثومة مرض الجمرة الخبيثة", وأعلن ان تحليلات اضافية أجريت مساء الاثنين في وقت متقدم، أكدت وجود الجرثومة في هذه الرسالة التي وصلت الجمعة إلى مكتب داشل، لكن لم تفتح حتى الاثنين.
وفي هذا الاطار، قامت السلطات الأميركية أمس باغلاق جناح كامل في مبنى مجلس الشيوخ.
وذكر البيت الأبيض، ان الولايات المتحدة تعتقد أن تنظيم "القاعدة" الذي يقوده بن لادن يمكن أن يكون مرتبطاً بسلسلة من حالات الاصابة بمرض الجمرة الخبيثة، لكن ليس لديها دليل ملموس للوصول إلى استنتاج قاطع.
وأعلن رئيس مكتب التحقيقات الفيديرالي روبرت مولر أمس، ان الخطر الإرهابي ضد الولايات المتحدة لم يتراجع منذ التحذير الذي أعلنه الخميس المكتب حول اعتداءات إرهابية وشيكة.
وأشار من ناحية أخرى، إلى وجود تشابه في رسالتين من الرسائل التي تحتوي على جرثومة الجمرة الخبيثة.
وفي موسكو، أعلنت "وكالة ايتار- تاس للأنباء" نقلاً عن وثيقة لوزارة الزراعة، ان روسيا علقت موقتاً استيراد جميع المنتجات الحيوانية من فلوريدا اثر ظهور اصابات بمرض الجمرة الخبيثة في هذه الولاية الأميركية, أما في القاهرة فسرت أنباء عن تلقي موظفة في شركة "أميركان اكسبرس" رسالة تحتوي على مسحوق أبيض.
وفي بغداد، انتقد صدام حسين امس، "ضعف" موقف الحكومات العربية تجاه الضربات الاميركية, ونقلت "وكالة الانباء العراقية" عن صدام خلال لقائه نائب رئيس الوزراء وزير التصنيع العسكري عبد التواب الملا حويش وخبراء في الوزارة "أنني حزين للصورة التي ظهرت بها حكومات الدول العربية ازاء افغانستان".
واضاف: "للاسف، انهم (حكومات الدول العربية) اخجلونا بموقفهم وبدأت استحي من بعض الشعوب الاسلامية وانا جالس هنا في بغداد، لانني اتصور كيف ينظرون الى المواقف الضعيفة للعرب واتصور مقدار المرارة التي تتركها في نفوسهم".
وفي القدس، نقل التلفزيون الرسمي عن رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية الجنرال عاموس مالكا امس، ان العراق سيهاجم اسرائيل اذا ما هددت الولايات المتحدة نظام صدام.
واضاف اثناء مداخلة له امام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع البرلمانية ان "صدام حسين سيهاجم اسرائيل اذا ما احس ان نظامه مهدد من قبل الولايات المتحدة".
وكانت الولايات المتحدة التي اعلنت اخيرا ان الضربات العسكرية الجارية في افغانستان قد تمتد الى دول اخرى، وجهت تحذيرا شديد اللهجة الى العراق.(الرأي العام الكويتية)