&
&
كتب موسى حلمي : بلغ أرييل شارون ذروة الشعبية التي يمكن لرئيس حكومة في إسرائيل أن يبلغها بفضل انعدام الخيارات أمامه. واصطف الإسرائيليون يمينا، يسارا ووسطا خلفه في الحرب ضد الفلسطينيين، وهي الحرب التي كانت تحظى بشيء من التفهم الأميركي. ولكن هذه الحرب العديمة الجدوى، والتغير الذي طرأ على الموقف الأميركي لجهة الربط بين ما يجري في فلسطين ومساعي بناء التحالف الدولي، أبرزت مرة أخرى خيارات قديمة وجديدة. فهناك خيار تهدئة الوضع لمصلحة دوي القذائف في أفغانستان، وهناك خيار استئناف العملية السياسية لمصلحة <<محاربة الإرهاب الدولي>>.
ويكفي أن يكون أمام حكومة شارون واحد من هذه الخيارات حتى تتفكك. فحكومة تجمع بين صفوفها حزب <<الترانسفير>> بقيادة رحبعام زئيفي وحزب العمل لا يمكن إلا أن تكون إما حكومة الحرب أو حكومة الشلل. وقد كانت حكومة الحرب إلى أن فرضت الإدارة الأميركية الهدنة، ويستحيل أن تبقى حكومة الشلل إذا فرض الأميركيون العودة الى طاولة المفاوضات.
وهكذا كان من الجلي أن المادة اللاصقة التي جمعت حكومة شارون حتى اليوم قد ذابت. وبالتالي إذا تحقق انسحاب حزبي <<الاتحاد القومي>> و<<إسرائيل بيتنا>> من الحكومة نهائيا ظهر هذا اليوم أم لا، فإن قضية سقوط حكومة شارون باتت مسألة وقت. ويعتبر انسحاب
الحزبين اليمينيين أول تساقط لحجارتها ولن يكون الأخير. فهذا الانسحاب هو نذير التفكك. وأزمة شارون الحقيقية قد بدأت.
وإذا كان صحيحا أن الإدارة الأميركية تخطط لإعلان خطة سياسية، فمما لا شك فيه ان هذا الاعلان يعني ذروة الأزمة. فأي مشروع سياسي أميركي، حتى لو اقترب، مجرد اقتراب، من الخطوط العامة التي حددها الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، يعني نهاية عهد شارون. إذ لن يستطيع <<شارون البراغماتي>> نسيان أن ظهيره الأيمن في اللجنة المركزية لليكود يحتل عمليا كل المقاعد، وأنه حتى ان كسب الرأي العام الإسرائيلي، فإنه لا بد خاسر للمعركة داخل الليكود في مواجهة بنيامين نتنياهو.
والواقع أن نتنياهو يستجمع حوله في الليكود حاليا ليس أنصاره السابقين وحسب، وإنما كذلك زعامة الليكود الأيديولوجية الغاضبة على المنحى التصالحي، وبالتالي التنازلي، الذي يسلكه شارون مع الأب الروحي لاتفاقات أوسلو. وتؤمن الزعامة الايديولوجية لليكود أن <<الشعب الإسرائيلي>> اختار شارون من أجل تنفيذ مهمة مركزية واحدة، وهي القضاء على اتفاقيات أوسلو، وطرد ياسر عرفات وإنهاء الانتفاضة الفلسطينية. وهي ترى أن شارون لم يحقق شيئاً من ذلك. ورغم ان شارون حاول التقرب من اليمين الايديولوجي باعلانه رفض قيام دولة فلسطينية، فان وزراء من الليكود استبقوا سقوط الحكومة واعلنوا وجوب رفض اي خطة اميركية. وابلغ الوزير الليكودي، تساحي هنغبي الاذاعة الاسرائيلية ان على ارييل شارون رفض الخطة الاميركية <<حتى لو كان ثمن ذلك سقوط الحكومة واجراء انتخابات جديدة>>.
والواقع ان تقديم موعد الانتخابات هو محور رحى الحركة السياسية الحالية في اسرائيل. ولهذا الغرض يحول شارون الوقوف امام عقارب الساعة اليمينية ووقف حركتها. وفي هذا السياق ابلغ شارون اعضاء الليكود انه لا يؤيد اجراء انتخابات داخلية جديدة في الليكود <<بسبب المشاكل الامنية والسياسية التي تواجهها دولة اسرائيل>> ولكن المحكمة الداخلية في الليكود سوف تبحث في الاسبوع المقبل التماساً قدمه انصار نتنياهو لعقد اجتماع لمركز الليكود وتحديد موعد لانتخاب لجنة مركزية جديدة.
ولا ريب ان شارون يرى ايضاً الصراع الدائر داخل حزب العمل، والذي في سياقه يطالب عدد من قادة الحزب بالانسحاب من حكومة الوحدة، كذلك يلحظ ان الخلافات التي نشأت، في حينه، بينه وبين شمعون بيريز قادت الى تهديد حزب العمل بالانسحاب، ومع ذلك يظهر شارون بانه قادر على حل الازمات التي تواجهه. ولهذا الغرض يمارس شارون، وبوسائل مختلفة ضغوطاً شديدة على حزبي الاتحاد القومي واسرائيل بيتنا من اجل البقاء في الحكومة. ولكن الحزبين وحتى وقت متأخر من مساء امس رفضا الضغوط والاغراءات، وقد عرض عليهما البقاء في الحكومة لشهر واحد فقط ورفضا ذلك.
وظهرت في هذه الازمة قوة المستوطنين الذين باتوا يشكلون الروح الحية لجميع احزاب اليمين الاسرائيلي. ويعرف ارييل شارون اكثر من غيره قوتهم، خاصة وانه وطوال عقود كان الاب الروحي لهم. ولهذا السبب اجتمع اليهم ليلة امس لاجراء نقاش موسع في محاولة لاقناعهم بصحة موقفه. وكرر شرون امامهم القول: <<من فضلكم، ان كنتم تريدون، قوموا باسقاطي>>.
غير ان سقوط شارون ليس رهناً بارادة المستوطنين او خصومه في الليكود وحسب اذ ومثلما كان نجاحه في الانتخابات بعد توليه، صدفة، زعامة الليكود تعبيراً عن الغضب من خصمه، يبقى وجوده على رأس الحكومة تعبيراً عن مأزق خصومه فالكثير من القوى في اسرائيل لا تريد تقديم موعد الانتخابات.
حزب العمل لا يريد انتخابات جديدة، لانه يعرف اكثر من سواه انه لم يحل مشاكله، كما أنه يفتقر إلى البرنامج الجذاب للجمهور الإسرائيلي. ولذلك فإن أي انتخابات جديدة تعني المزيد من تردي هذا الحزب الى الدرك الأسفل. كذلك فإن حركة شاس، وبعد أن طغى موضوع الأمن الشخصي وفقدانها لزعيمها البارز أرييه درعي، تعتقد ان الانتخابات تعني تراجع قوتها. وهذا أيضا حال حركة غيشر بزعامة ديفيد ليفي. كما أن الوضع داخل الليكود بحاجة الى إعادة تنظيم.
وهكذا فإن القوى الدافعة الآن لانتخابات جديدة هي قوى اليمين المتطرف داخل الليكود وخارجه والتي ترى ان الوضع الراهن كفيل بتغيير الخارطة السياسية في إسرائيل لمصلحتها. وتعتقد هذه القوى ان النسبة التي حقق شارون بها النصر هي تقريبا النسبة التي يمكن لقوى اليمين أن تحصل عليها، الأمر الذي يشكل هزيمة ساحقة للوسط واليسار.
تجدر الإشارة الى ان هذه القوى، حتى في ذروة شعبية شارون، كانت تستعد لإقامة جبهة يمينية واسعة تضم أجزاء من الليكود، المفدال، الاتحاد القومي، إسرائيل بيتنا و<<حيروت الجديدة>> لخوض الانتخابات تحت زعامة بنيامين نتنياهو لتحقيق النصر الحاسم على أوسلو وعرفات والانتفاضة الفلسطينية، من خلال هزيمة خصومهم(السفير اللبنانية)
&