&&&&&&&&&&&&&&&&&&& سمير اليوسف
&
ان نكتب عن ف. إس. نايبول هو ان نتبيّن حدود الاضافة التي أدخلها الي الادب المكتوب بالانكليزية. إذ ان نايبول ليس فقط مؤلف عدد وافر من الأعمال الروائية وغير الروائية وقد يرقي بعضها الي مستوى ارفع ما كُتب من نثر باللغة الانكليزية في اي عصر. ولكنه الي ذلك، مكتشف في الادب ومؤسس. فالاكتشاف والتأسيس سمتان تلازمان مضامين اعماله بقدر ملازمتهما الموقع الذي يحتله الكاتب وينطلق منه. |
شاء نايبول، علي ما يخبرنا في غير مناسبة، ان يكون كاتباً. غير ان هذه المشيئة لم تصدر عن معرفة بما سيكتب، وانما تبدو اقرب الي تبنٍ لرغبة والده المحبطة في ان يكون كاتباً في عالم لم تكن الكتابة والقراءة سوي من قبيل الترف النادر.
كانت ترينيداد، علي ما يصف نايبول موطن ولادته ونشأته صغيرة، بعيدة وغير مهمة. وكنا نعلم ان ليس من أمل لنا في ان نقرأ الحياة التي رأيناها من حولنا في الكتب. كانت الكتب من عالم البعيد، وكان في وسعها تقديم الفانتازيا فحسب.. كنت امضي الي الكتب في سبيل الفانتازيا، في حين ان ما كنت اطلبه هو الواقع .
وبما ان اعمال المخيلة الادبية التي قرأها نايبول في طفولته وشبابه المبكر لم تكن السبيل الي الواقع الذي خبره عن كثب، فهو اقتضي عليه، وخلافاً لما هو الامر بالنسبة الي جلّ الكتّاب، ان يكتشف واقعه بواسطة مخيلة مجردة من اي تراث ادبيّ. اما نتيجة هذه الحقيقة فيمكن ان نتبينها بجلاء منذ اعماله المبكرة. فلغة السرد الشفوية الطابع، والساخرة، التي توسلها نايبول في روايات مثل المدلّك الصوفيّ و ميغل ستريت و منزل من اجل السيد بسوار تبدو اقرب الي حصيلة ابتكار ذاتيّ للغة الواقع (المقصود منها) الي لغة التراث الادبي (الاوروبي) الذي انغمس فيه الكاتب منذ طفولته.
ان كتابة الواقع، الصغير والبعيد وغير المهم والذي الي ذلك لم يكن موضوعاً لأية مخيلة ادبية سابقة، هي المهمة التي تولي نايبول القيام بها خلال حياته الادبية. وقد اقبل علي انجازها إما من خلال صوغ درامي لما شهد وخبر، كما في جلّ اعماله الروائية، او من خلال الوصف والتقرير والتحليل غير الدراميّ الذي توسله في كتب رحلاته وريبورتاجاته الصحافية ومقالاته كما في الرحلة الوسطي و المحجر المزدحم و الهند: حضارة جريحة وغيرها، او من خلال صوغ سرد تاريخي لما يتوافر من وثائق كما في كتابه خسارة الدورادو . وعمد نايبول الي اتخاذ بعض ريبورتاجاته الصحافية نفسها موضوعاً لرواياته، بما يدل علي انه اتخذ من نفسه مادة سلفاً. فرواية حرب عصابات هي بمثابة صوغ قصصي لريبورتاجه الشهير والرائع مايكل أكس ومقتلات القوة السوداء في ترينيداد . اما روايتا في دولة حرة و منحني في النهر فيمكن ردّهما الي ريبورتاجه المثير للجدال، شأن جلّ اعماله من هذا القبيل، ملك جديد للكونغو: موبوتو وعدميّة افريقيا .
اتبع نايبول كلاً من هذه السبل المتباينة في صوغ الواقع المقصود كموضوع للمخيلة علي وجه فرديّ عموماً. غير انه في مناسبات قليلة لم يتورع عن اتباعها جميعاً في عمل ادبيّ واحد كما في روايته في دولة حرة و طريق في العالم بما افضي الي ظهور لون من السرد نايبولي ، اذا جازت الصفة، يتجاوز الحدود القائمة ما بين الاشكال النثرية، ولكن في الوقت نفسه يفترق عن جلّ محاولات التجديد الادبية الجانحة الي تطرّف شكلانيّ عموماً.
ولئن كان نايبول مجدداً في النثر المكتوب باللغة الانكليزية، فهذا تحصيل حاصل كتابة تنطلق من موقع السعي الي الاكتشاف والتأسيس. غير ان هذا التجديد، كما الكتابة نفسها، لا يمكن رده الي سلف محددّ ولا سيما تلك التيارات والنوازع الادبية الحديثة التي استقام سعي التجديد عندها استجابةً لهمّ جماليّ. وهذا مرده، علي الارجح، الي وعي نايبول الوجودي للموقع الذي يكتب منه. فشأن جلّ كتّاب المنفي، ثمة وعي وجودي طاغٍ عند نايبول يجعل الانغماس في تمارين التجريب الشكليّ ترفاًً غير متوافر له.
يكاد الاّ يخلو عمل واحد من اعمال نايبول من دلالة وعيه الوجوديّ باعتباره، اولاً، الكاتب القادم من عالم صغير وبعيد وغير مهم ، ثانياً انه مقيم في عالم تفصله عنه هوة لا يمكن ردمها، وثالثاً، انه يحاول الكتابة عن ذلك الواقع البعيد وغير المهم، متوجهاً الي جمهور لا يعلم من امر ذلك الواقع شيئاً يذكر ولا يبدو انه يكترث اكتراثاً كبيراً لكي يتعلم. يتجلي هذا الوعي وفق درجات متباينة من الظهور والدلالة: فهو قد يتجلي علي صورة سيرة ذاتية او علي صورة صوغ درامي للسيرة الذاتية او من خلال الإحالات المتكررة، ولا سيما في مقالاته وريبورتاجاته، الي ما هو ذاتيّ. بيد ان ما هو ابلغ دلالة في الإعراب عن مثل هذا الوعي انما يكمن في طبيعة السرد الذي يعود فضل ابتكاره الي جهد نايبول الذاتيّ.
ادرك نايبول باكراً ان اللغة الانكليزية، وعلي رغم انها واسطة تواصل كونيّة، الاّ انها حينما تصل الي الادب فإنها تمسي لغة وثيقة الصلة بالثقافات المحلية والتقاليد الاجتماعية وسبل أو مناهج التربية والتعليم والولاءات السياسية. علي هذا، فباعتباره الكاتب القادم من اللامكان والراغب في الكتابة عن واقع ليس بعد موضوعاً للتراث الادبيّ الانكليزي، لم يكن في وسعه الاستناد الي اساليب السرد المتوافرة باللغة الانكليرية، وما كان في ميسوره إرساء اسس لغة محليّة مكافئة للغات الشائعة والمتوافرة. فمثل هذا الامر لا يمكن ان يتحقق دفعة واحدة نتيجة جهد فرديّ، ولكن الاهم من ذلك، ان نايبول، سواء في ضوء اختياره الاستقرار كاتباً في انكلترا، ام في ضوء طبيعة علاقته بموطن ولادته ونشأته، فإنه لم يتمتع لحظة بحس من الانتماء التام يتيح له القدرة، بل والحق ايضاً، في إنشاء ادب محليّ صادق في مكافأته الواقع الذي كتب عنه. ومن الجدير القول إن نايبول ينتمي الي اقلية هندية جُلبت للعمل في ترينيداد في نهاية القرن التاسع عشر، وانه الي ذلك، اتسعت مع انقضاء الاعوام جغرافية الواقع الذي شاء الكتابة عنه حتي بات يشمل افريقيا وآسيا وانكلترا ايضاً.
وفي ظل استحالة الانطلاق من تقاليد ادبية محددة، وفي ظل غياب مرجعية خارجية، كان لا بد للسرد عند نايبول من ان يطوّر مرجعية ذاتية، يُصار الي الاستناد اليها في الوصف والتقرير والحكم. ولعل في هذا تفسيراً لغلبة صيغة ضمير المتكلم في السرد الذي توسله في أعماله القصصية وغير القصصية علي السواء. فحتي تلك الاعمال التي تتوسل صيغة ضمير الغائب، لا تعدم إشارات صريحة او ضمنية الي وجود ذات الكاتب باعتباره الشاهد الذي يروي. فمثل هذا الحضور دلالة بالغة علي ذلك الغياب الكبير للمرجعية التعبيرية والاخلاقية.
إلا ان اتخاذ الذات مرجعاً قد يسفر عن نتائج غير مريحة ايضاً. فالسرد اذا ما احتاج الي الذات كمرجع، حيث لا مرجع آخر له، قد ينقلب الي اداة لتعزيز حضور الذات وسلطتها ومن ثم تبرير احكامها. وبدلاً من ان يكون اداة لجلب ما هو غائب او مكتشف يصير وسيلة لتقرير الحقائق والحكم عليها حكماً يقينياً لا يتيح ادني سبيل للشك فيها او تعريضها للفحص والجدال. مثل هذا الامر قد يجعل الكتابة اقرب الي التعبير عن جنون العظمة منه الي إدخال اضافة وإطلاق جهد.
ولا شك في ان الكثير من مواقف نايبول السياسية، خصوصاً تلك التي لا يني يطلقها في مقابلاته الصحافية، ينمّ عن جنوح كهذا. لكن ما هو اشدّ مدعاة للقلق ان هذا الجنوح ادي الي توقفه عن كتابة الرواية. فلم يكتب نايبول خلال العقدين الماضيين سوي ثلاث روايات، واحدة منها فقط تستحق المقارنة بأعماله السابقة، وذلك إيثاراً منه لكتابة غير قصصية مثل بين المؤمنين و الهند: مليون ثورة و أبعد من العقيدة . وهذه انما تنطلق من موقع ذات متضخمة لكاتب يزعم الحق في الوصف الاختزالي والمقاضاة التبسيطية ضد شعوب وتواريخ وثقافات وحوادث بالغة التعقيد وعصيّة علي الإحاطة وخصوصاً في زمن تراجع المرجعيات المركزية.
والتوقف عند احكام نايبول التبسيطية، والمتحاملة احياناً، إنما يعني الذهاب مذهب تلامذة مدرسة القراءة الرديئة ممن يختزلون العمل الادبي الي العبارة السياسية التي ينطق بها. ونحن اذا ما شئنا الوقوف علي حدود اضافة نايبول الي الادب المكتوب بالانكليزية، بل والادب عموماً، فلا بد لنا من ان نضع جانباً حضور الذات المتعاظمة في اعماله، ولا سيما اعماله اللاحقة، ونمعن بالتالي في التحقق من الموقع الذي ينطلق منه هذا الكاتب الفريد الخبرة والإبداع.
فمنذ روايته الأولي المدلّك الصوفي ، او ذات الراوي التي جعل يطورها في اعماله، بدا نايبول وكأنه اختار الوقوف وحيداً في عالم يتعاظم إحساسه بضرورة تعريف هويته وولاءاته السياسية. ففي وقت كان متوقعاً من الكاتب القادم من المستعمرات الي الحاضرة ان ينضوي في جوقة المناهضين للاستعمار، ومن ثم المحتفين بتحقق الاستقلال الوطني، او في اقل تقدير، الاستجابة الي مناخ ليبرالي غربيّ لم ينِ يعرب عن إحساسه بالذنب تجاه السياسة الامبراطورية، اختار نايبول اسلوباً مضاداً للولاء بالتزام سياسي. فجعل الفكاهة الإطار الذي تجري فيه روايته الاولي، بل اعماله المبكرة عموماً، ولكن ليس بقصد السخرية من اهالي المستعمرة او الحطّ من شأن نمط حياتهم وتطلعاتهم وانما بغية الافصاح عن قلق لا يني يخامره حيال غياب الضوابط والحواجز التي تحول دون الانكفاء الدمويّ، علي الارجح، الي حال الطبيعة.
وخلافاً للكثير من الكتّاب المهاجرين والمنفيين فإن نايبول ما كان في وسعه ادعاء دور الممثل او السفير للبلاد التي التمس الفرار منها اصلاً. كما انه لم يستطع التعويل علي سلف ادبيّ محدد. وهو ما كان في وسعه تحديد ولاء سياسي لكتابته بما جعله يقف موقف الوحيد. غير ان هذا الموقف لا يصدر عن رغبة في الحياد السياسي بقدر ما هو اشبه باحتكام الي رؤية ميتافيزيقية تعلو علي الفهم التاريخي لحوادث العالم. وعلي رغم ان اعمال نايبول تدور في جغرافيات محددة تحكمها حوادث تاريخية ملموسة الاّ ان احتكامه الي رؤية ميتافيزيقية يجعل منهج الاستدلال من العلة الي المعلول امراً غائباً عن سياقه السرديّ. فهو اذا ما عمد الي سوق خبر تأريخيّ لما يجري او لما آلت اليه الامور، فإنه يبدو وكأنه يعرض لجملة من الحوادث المتلاحقة تلاحقاً لا يحكمه منطق العلاقة السببيه بالضرورة. واذا ما بدا السرد احياناً وكأنه يُنحي باللائمة علي جهة ما لحدوث ما حدث، فإنه في نهاية المطاف يجمل الامر باعتباره مظهراً من المظاهر التي حتمت وقوع ما وقع.
غنيّ عن الإضافة ان هذه الرؤية تشاؤمية وسوداوية علي وجه قبليّ، وبما يحول دون تصوير الواقع الاّ من كونه آيلاً الي الانهيار. وهذا علي الارجح مصدر إمعان السرد في البحث عن العوامل والمظاهر التي تدل علي ان الانكفاء الي حال البربرية امر محتوم. خذ علي سبيل المثال تماسيح ياموسكرو ، وهو نصّ حصيلة رحلة الكاتب الي ساحل العاج في مطلع عقد الثمانينات. فعلي رغم ان الكاتب، او الراوي، يعي تماماً حقيقة ان هذا البلد نجا من كل الويلات التي ألمت بالبلدان الافريقية المجاورة منذ عهد الاستقلال، بل انه الي استقراره السياسي، أصاب من الازدهار الاقتصادي ما جعله مقصداً لآلاف المهاجرين واللاجئين، الاّ انك تراه (الراوي) مجدّاً في البحث عن الدلائل التي تنذر بالتفتت والانهيار: الفقر المدقع، الإيمان بوجود ارواح شريرة، الانغماس في ضرب من علم إناسة عبثيّ المعني والجدوي، الحط من شأن الحياة المدنية عموماً... الي سوي ذلك من مظاهر تشي بأننا حيال عالم غير راسخ الاسس وغير متماسك، ما يدل علي انه ليس بمنأي عن دوامة العنف التي ألمت بالكثير من المجتمعات الافريقية الاخري.
مثل هذا الإمعان في تقصي نُذر الشر غالباً ما يُحمل لدي اتباع مدرسة القراءة الرديئة علي محمل الإعراب عن موقف إستشراقي يفترض مسبقاً ان بلدان العالم الثالث لا بد من ان تنتهي الي العنف والدمار الذاتيّ حتي وإن تمتعت بقسط من الامن والازدهار. غير ان من يمنح هذا النصّ الرائع من الاهتمام ما يستحق سيدرك ان الرجل إنما يسرد من منطلق الاكتشاف والتأسيس.
أُسافر يقول نايبول، لكي أكتشف الامزجة العقلية للآخرين. وإن كنت في سبيل هذه المغامرة الفكرية اذهب الي اماكن يعيش فيها الناس حياة ضيقة، فهذا ما تمليه جزئياً، خلفيتي الكولونيالية في ترينيداد. أذهب الي اماكن مهما كانت غريبة فإنها تتصل بطريقة مع ما اعرفه بالفعل، وحينما يبلغ فضولي الشبع، وحينما لا تبقي هناك مفاجآت، تنتهي المغامرة الفكرية وأمسي متشوقاً للمغادرة.
ليس من قبيل المصادفة اختيار نايبول لهذا النص بالذات لكي يكون التوأم المكمّل لسيرته الذاتية في الكتابة. فهو لئن صرّح هنا بحافز الكتابة عنده وغرضها، فإنه يشدد علي التواصل في الرؤية التي تحكم رؤيته الي العالم (الواقع الذي شاء الكتابة عنه) من موقع الواقف وحيداً في فضاء ميتافيزيقي لما هو مهدد بالانحـدار والانهيار. علي ان التشاؤم والسودواية اللذين يخترقان رؤيته هذه لا يرجعان الي حقيقة ان هذه الرؤية في طبيعتها ميتافيزيقية وعاجزة بالتالي عن انتهاج سبيل العقلنة العلمانية، وانما يرجعان الي إطباق الاحساس بالوحدة والغياب عنده.
وفي إطباق هذا الاحساس ما يجعل الكاتب، او الراوي، مفرط الحساسية تجاه ادني مظهر سلبيّ او مريب وبما يحضه في النهاية علي حمله كدلالة علي ان الامور تمضي ابداً نحو انهيارها. ومثل الاحساس، الذي تشي به روايات متباعدة الظهور ( المقلدون 1967 و منحنى في النهر 1979 و لغز الوصول 1987)، يبدو كأنه متصل ومتأصل في سرد نايبول. فما يعرب عنه رالف سنج، بطل الرواية الاولي، يكاد سليم، بطل الرواية الثانية، ان يستعيده بحذافيره، وكذلك يفعل الراوي في الرواية الثالثة. فهم جميعاً ينظرون الي العالم باعتباره كياناً هشّاً آخذاً في التراجع او مقبلاً علي الانحدار في اية لحظة. (عن "الحياة").
كانت ترينيداد، علي ما يصف نايبول موطن ولادته ونشأته صغيرة، بعيدة وغير مهمة. وكنا نعلم ان ليس من أمل لنا في ان نقرأ الحياة التي رأيناها من حولنا في الكتب. كانت الكتب من عالم البعيد، وكان في وسعها تقديم الفانتازيا فحسب.. كنت امضي الي الكتب في سبيل الفانتازيا، في حين ان ما كنت اطلبه هو الواقع .
وبما ان اعمال المخيلة الادبية التي قرأها نايبول في طفولته وشبابه المبكر لم تكن السبيل الي الواقع الذي خبره عن كثب، فهو اقتضي عليه، وخلافاً لما هو الامر بالنسبة الي جلّ الكتّاب، ان يكتشف واقعه بواسطة مخيلة مجردة من اي تراث ادبيّ. اما نتيجة هذه الحقيقة فيمكن ان نتبينها بجلاء منذ اعماله المبكرة. فلغة السرد الشفوية الطابع، والساخرة، التي توسلها نايبول في روايات مثل المدلّك الصوفيّ و ميغل ستريت و منزل من اجل السيد بسوار تبدو اقرب الي حصيلة ابتكار ذاتيّ للغة الواقع (المقصود منها) الي لغة التراث الادبي (الاوروبي) الذي انغمس فيه الكاتب منذ طفولته.
ان كتابة الواقع، الصغير والبعيد وغير المهم والذي الي ذلك لم يكن موضوعاً لأية مخيلة ادبية سابقة، هي المهمة التي تولي نايبول القيام بها خلال حياته الادبية. وقد اقبل علي انجازها إما من خلال صوغ درامي لما شهد وخبر، كما في جلّ اعماله الروائية، او من خلال الوصف والتقرير والتحليل غير الدراميّ الذي توسله في كتب رحلاته وريبورتاجاته الصحافية ومقالاته كما في الرحلة الوسطي و المحجر المزدحم و الهند: حضارة جريحة وغيرها، او من خلال صوغ سرد تاريخي لما يتوافر من وثائق كما في كتابه خسارة الدورادو . وعمد نايبول الي اتخاذ بعض ريبورتاجاته الصحافية نفسها موضوعاً لرواياته، بما يدل علي انه اتخذ من نفسه مادة سلفاً. فرواية حرب عصابات هي بمثابة صوغ قصصي لريبورتاجه الشهير والرائع مايكل أكس ومقتلات القوة السوداء في ترينيداد . اما روايتا في دولة حرة و منحني في النهر فيمكن ردّهما الي ريبورتاجه المثير للجدال، شأن جلّ اعماله من هذا القبيل، ملك جديد للكونغو: موبوتو وعدميّة افريقيا .
اتبع نايبول كلاً من هذه السبل المتباينة في صوغ الواقع المقصود كموضوع للمخيلة علي وجه فرديّ عموماً. غير انه في مناسبات قليلة لم يتورع عن اتباعها جميعاً في عمل ادبيّ واحد كما في روايته في دولة حرة و طريق في العالم بما افضي الي ظهور لون من السرد نايبولي ، اذا جازت الصفة، يتجاوز الحدود القائمة ما بين الاشكال النثرية، ولكن في الوقت نفسه يفترق عن جلّ محاولات التجديد الادبية الجانحة الي تطرّف شكلانيّ عموماً.
ولئن كان نايبول مجدداً في النثر المكتوب باللغة الانكليزية، فهذا تحصيل حاصل كتابة تنطلق من موقع السعي الي الاكتشاف والتأسيس. غير ان هذا التجديد، كما الكتابة نفسها، لا يمكن رده الي سلف محددّ ولا سيما تلك التيارات والنوازع الادبية الحديثة التي استقام سعي التجديد عندها استجابةً لهمّ جماليّ. وهذا مرده، علي الارجح، الي وعي نايبول الوجودي للموقع الذي يكتب منه. فشأن جلّ كتّاب المنفي، ثمة وعي وجودي طاغٍ عند نايبول يجعل الانغماس في تمارين التجريب الشكليّ ترفاًً غير متوافر له.
يكاد الاّ يخلو عمل واحد من اعمال نايبول من دلالة وعيه الوجوديّ باعتباره، اولاً، الكاتب القادم من عالم صغير وبعيد وغير مهم ، ثانياً انه مقيم في عالم تفصله عنه هوة لا يمكن ردمها، وثالثاً، انه يحاول الكتابة عن ذلك الواقع البعيد وغير المهم، متوجهاً الي جمهور لا يعلم من امر ذلك الواقع شيئاً يذكر ولا يبدو انه يكترث اكتراثاً كبيراً لكي يتعلم. يتجلي هذا الوعي وفق درجات متباينة من الظهور والدلالة: فهو قد يتجلي علي صورة سيرة ذاتية او علي صورة صوغ درامي للسيرة الذاتية او من خلال الإحالات المتكررة، ولا سيما في مقالاته وريبورتاجاته، الي ما هو ذاتيّ. بيد ان ما هو ابلغ دلالة في الإعراب عن مثل هذا الوعي انما يكمن في طبيعة السرد الذي يعود فضل ابتكاره الي جهد نايبول الذاتيّ.
ادرك نايبول باكراً ان اللغة الانكليزية، وعلي رغم انها واسطة تواصل كونيّة، الاّ انها حينما تصل الي الادب فإنها تمسي لغة وثيقة الصلة بالثقافات المحلية والتقاليد الاجتماعية وسبل أو مناهج التربية والتعليم والولاءات السياسية. علي هذا، فباعتباره الكاتب القادم من اللامكان والراغب في الكتابة عن واقع ليس بعد موضوعاً للتراث الادبيّ الانكليزي، لم يكن في وسعه الاستناد الي اساليب السرد المتوافرة باللغة الانكليرية، وما كان في ميسوره إرساء اسس لغة محليّة مكافئة للغات الشائعة والمتوافرة. فمثل هذا الامر لا يمكن ان يتحقق دفعة واحدة نتيجة جهد فرديّ، ولكن الاهم من ذلك، ان نايبول، سواء في ضوء اختياره الاستقرار كاتباً في انكلترا، ام في ضوء طبيعة علاقته بموطن ولادته ونشأته، فإنه لم يتمتع لحظة بحس من الانتماء التام يتيح له القدرة، بل والحق ايضاً، في إنشاء ادب محليّ صادق في مكافأته الواقع الذي كتب عنه. ومن الجدير القول إن نايبول ينتمي الي اقلية هندية جُلبت للعمل في ترينيداد في نهاية القرن التاسع عشر، وانه الي ذلك، اتسعت مع انقضاء الاعوام جغرافية الواقع الذي شاء الكتابة عنه حتي بات يشمل افريقيا وآسيا وانكلترا ايضاً.
وفي ظل استحالة الانطلاق من تقاليد ادبية محددة، وفي ظل غياب مرجعية خارجية، كان لا بد للسرد عند نايبول من ان يطوّر مرجعية ذاتية، يُصار الي الاستناد اليها في الوصف والتقرير والحكم. ولعل في هذا تفسيراً لغلبة صيغة ضمير المتكلم في السرد الذي توسله في أعماله القصصية وغير القصصية علي السواء. فحتي تلك الاعمال التي تتوسل صيغة ضمير الغائب، لا تعدم إشارات صريحة او ضمنية الي وجود ذات الكاتب باعتباره الشاهد الذي يروي. فمثل هذا الحضور دلالة بالغة علي ذلك الغياب الكبير للمرجعية التعبيرية والاخلاقية.
إلا ان اتخاذ الذات مرجعاً قد يسفر عن نتائج غير مريحة ايضاً. فالسرد اذا ما احتاج الي الذات كمرجع، حيث لا مرجع آخر له، قد ينقلب الي اداة لتعزيز حضور الذات وسلطتها ومن ثم تبرير احكامها. وبدلاً من ان يكون اداة لجلب ما هو غائب او مكتشف يصير وسيلة لتقرير الحقائق والحكم عليها حكماً يقينياً لا يتيح ادني سبيل للشك فيها او تعريضها للفحص والجدال. مثل هذا الامر قد يجعل الكتابة اقرب الي التعبير عن جنون العظمة منه الي إدخال اضافة وإطلاق جهد.
ولا شك في ان الكثير من مواقف نايبول السياسية، خصوصاً تلك التي لا يني يطلقها في مقابلاته الصحافية، ينمّ عن جنوح كهذا. لكن ما هو اشدّ مدعاة للقلق ان هذا الجنوح ادي الي توقفه عن كتابة الرواية. فلم يكتب نايبول خلال العقدين الماضيين سوي ثلاث روايات، واحدة منها فقط تستحق المقارنة بأعماله السابقة، وذلك إيثاراً منه لكتابة غير قصصية مثل بين المؤمنين و الهند: مليون ثورة و أبعد من العقيدة . وهذه انما تنطلق من موقع ذات متضخمة لكاتب يزعم الحق في الوصف الاختزالي والمقاضاة التبسيطية ضد شعوب وتواريخ وثقافات وحوادث بالغة التعقيد وعصيّة علي الإحاطة وخصوصاً في زمن تراجع المرجعيات المركزية.
والتوقف عند احكام نايبول التبسيطية، والمتحاملة احياناً، إنما يعني الذهاب مذهب تلامذة مدرسة القراءة الرديئة ممن يختزلون العمل الادبي الي العبارة السياسية التي ينطق بها. ونحن اذا ما شئنا الوقوف علي حدود اضافة نايبول الي الادب المكتوب بالانكليزية، بل والادب عموماً، فلا بد لنا من ان نضع جانباً حضور الذات المتعاظمة في اعماله، ولا سيما اعماله اللاحقة، ونمعن بالتالي في التحقق من الموقع الذي ينطلق منه هذا الكاتب الفريد الخبرة والإبداع.
فمنذ روايته الأولي المدلّك الصوفي ، او ذات الراوي التي جعل يطورها في اعماله، بدا نايبول وكأنه اختار الوقوف وحيداً في عالم يتعاظم إحساسه بضرورة تعريف هويته وولاءاته السياسية. ففي وقت كان متوقعاً من الكاتب القادم من المستعمرات الي الحاضرة ان ينضوي في جوقة المناهضين للاستعمار، ومن ثم المحتفين بتحقق الاستقلال الوطني، او في اقل تقدير، الاستجابة الي مناخ ليبرالي غربيّ لم ينِ يعرب عن إحساسه بالذنب تجاه السياسة الامبراطورية، اختار نايبول اسلوباً مضاداً للولاء بالتزام سياسي. فجعل الفكاهة الإطار الذي تجري فيه روايته الاولي، بل اعماله المبكرة عموماً، ولكن ليس بقصد السخرية من اهالي المستعمرة او الحطّ من شأن نمط حياتهم وتطلعاتهم وانما بغية الافصاح عن قلق لا يني يخامره حيال غياب الضوابط والحواجز التي تحول دون الانكفاء الدمويّ، علي الارجح، الي حال الطبيعة.
وخلافاً للكثير من الكتّاب المهاجرين والمنفيين فإن نايبول ما كان في وسعه ادعاء دور الممثل او السفير للبلاد التي التمس الفرار منها اصلاً. كما انه لم يستطع التعويل علي سلف ادبيّ محدد. وهو ما كان في وسعه تحديد ولاء سياسي لكتابته بما جعله يقف موقف الوحيد. غير ان هذا الموقف لا يصدر عن رغبة في الحياد السياسي بقدر ما هو اشبه باحتكام الي رؤية ميتافيزيقية تعلو علي الفهم التاريخي لحوادث العالم. وعلي رغم ان اعمال نايبول تدور في جغرافيات محددة تحكمها حوادث تاريخية ملموسة الاّ ان احتكامه الي رؤية ميتافيزيقية يجعل منهج الاستدلال من العلة الي المعلول امراً غائباً عن سياقه السرديّ. فهو اذا ما عمد الي سوق خبر تأريخيّ لما يجري او لما آلت اليه الامور، فإنه يبدو وكأنه يعرض لجملة من الحوادث المتلاحقة تلاحقاً لا يحكمه منطق العلاقة السببيه بالضرورة. واذا ما بدا السرد احياناً وكأنه يُنحي باللائمة علي جهة ما لحدوث ما حدث، فإنه في نهاية المطاف يجمل الامر باعتباره مظهراً من المظاهر التي حتمت وقوع ما وقع.
غنيّ عن الإضافة ان هذه الرؤية تشاؤمية وسوداوية علي وجه قبليّ، وبما يحول دون تصوير الواقع الاّ من كونه آيلاً الي الانهيار. وهذا علي الارجح مصدر إمعان السرد في البحث عن العوامل والمظاهر التي تدل علي ان الانكفاء الي حال البربرية امر محتوم. خذ علي سبيل المثال تماسيح ياموسكرو ، وهو نصّ حصيلة رحلة الكاتب الي ساحل العاج في مطلع عقد الثمانينات. فعلي رغم ان الكاتب، او الراوي، يعي تماماً حقيقة ان هذا البلد نجا من كل الويلات التي ألمت بالبلدان الافريقية المجاورة منذ عهد الاستقلال، بل انه الي استقراره السياسي، أصاب من الازدهار الاقتصادي ما جعله مقصداً لآلاف المهاجرين واللاجئين، الاّ انك تراه (الراوي) مجدّاً في البحث عن الدلائل التي تنذر بالتفتت والانهيار: الفقر المدقع، الإيمان بوجود ارواح شريرة، الانغماس في ضرب من علم إناسة عبثيّ المعني والجدوي، الحط من شأن الحياة المدنية عموماً... الي سوي ذلك من مظاهر تشي بأننا حيال عالم غير راسخ الاسس وغير متماسك، ما يدل علي انه ليس بمنأي عن دوامة العنف التي ألمت بالكثير من المجتمعات الافريقية الاخري.
مثل هذا الإمعان في تقصي نُذر الشر غالباً ما يُحمل لدي اتباع مدرسة القراءة الرديئة علي محمل الإعراب عن موقف إستشراقي يفترض مسبقاً ان بلدان العالم الثالث لا بد من ان تنتهي الي العنف والدمار الذاتيّ حتي وإن تمتعت بقسط من الامن والازدهار. غير ان من يمنح هذا النصّ الرائع من الاهتمام ما يستحق سيدرك ان الرجل إنما يسرد من منطلق الاكتشاف والتأسيس.
أُسافر يقول نايبول، لكي أكتشف الامزجة العقلية للآخرين. وإن كنت في سبيل هذه المغامرة الفكرية اذهب الي اماكن يعيش فيها الناس حياة ضيقة، فهذا ما تمليه جزئياً، خلفيتي الكولونيالية في ترينيداد. أذهب الي اماكن مهما كانت غريبة فإنها تتصل بطريقة مع ما اعرفه بالفعل، وحينما يبلغ فضولي الشبع، وحينما لا تبقي هناك مفاجآت، تنتهي المغامرة الفكرية وأمسي متشوقاً للمغادرة.
ليس من قبيل المصادفة اختيار نايبول لهذا النص بالذات لكي يكون التوأم المكمّل لسيرته الذاتية في الكتابة. فهو لئن صرّح هنا بحافز الكتابة عنده وغرضها، فإنه يشدد علي التواصل في الرؤية التي تحكم رؤيته الي العالم (الواقع الذي شاء الكتابة عنه) من موقع الواقف وحيداً في فضاء ميتافيزيقي لما هو مهدد بالانحـدار والانهيار. علي ان التشاؤم والسودواية اللذين يخترقان رؤيته هذه لا يرجعان الي حقيقة ان هذه الرؤية في طبيعتها ميتافيزيقية وعاجزة بالتالي عن انتهاج سبيل العقلنة العلمانية، وانما يرجعان الي إطباق الاحساس بالوحدة والغياب عنده.
وفي إطباق هذا الاحساس ما يجعل الكاتب، او الراوي، مفرط الحساسية تجاه ادني مظهر سلبيّ او مريب وبما يحضه في النهاية علي حمله كدلالة علي ان الامور تمضي ابداً نحو انهيارها. ومثل الاحساس، الذي تشي به روايات متباعدة الظهور ( المقلدون 1967 و منحنى في النهر 1979 و لغز الوصول 1987)، يبدو كأنه متصل ومتأصل في سرد نايبول. فما يعرب عنه رالف سنج، بطل الرواية الاولي، يكاد سليم، بطل الرواية الثانية، ان يستعيده بحذافيره، وكذلك يفعل الراوي في الرواية الثالثة. فهم جميعاً ينظرون الي العالم باعتباره كياناً هشّاً آخذاً في التراجع او مقبلاً علي الانحدار في اية لحظة. (عن "الحياة").





التعليقات