&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& عبده وازن

هل يستحق الكاتب الهندي الأصل، البريطاني الجنسية ف.إس. نايبول جائزة نوبل أم لا يستحقها؟
هذا السؤال الذي طُرح فور الإعلان عن فوزه بالجائزة الأدبية الكبيرة سيظلّ مطروحاً علي ما يبدو ولكن من غير ان يلقي الجواب الشافي أو النهائي. فبعض الكتّاب السويديين شجبوا مبادرة الأكاديمية السويدية واعترضوا عليها علاوة علي بعض الأوروبيين الذين فوجئوا كثيراً بالجائزة. ولئن اعتبره بعض النقاد والصحافيين مناصراً للعالم الثالث، اعتبره البعض الآخر مناهضاً لهذا العالم في شؤونه وقضاياه. ولم يتمالك بعض الكتّاب عن وصفه بـ الكاتب ذي الميول العنصرية التي لا تختلف عن الميول اللاسامية . وأخذ عليه آخرون ازدراءه الإسلام ، معتبرين ان فوزه بالجائزة اليوم، في غمرة الحرب القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية (وحلفائها) و الإرهاب الإسلامي، أشبه بالخدمة التي تؤديها الأكاديمية السويدية للنظام الأميركي وأشبه بالدور الذي تلعبه محطّة سي. أن. أن في ترويج الرؤية الأميركية الي الواقع الراهن. واضطر رئيس الأكاديمية السويدية بعد منح الجائزة الي التشكيك في خلفيتها السياسية ودعا المثقفين والقراء الي التأنّي في قراءة كتب نايبول التي تنتقد الأديان عموماً وليس الإسلام فحسب وخصوصاً في طمس هذه الأديان الحضارات التي سبقتها. ولعلّ الدفاع المسبق الذي تولاّه رئيس الأكاديمية السويدية يدلّ بوضوح علي تسييس الجائزة هذا العام في ما يتلاءم مع الحرب الشاملة التي تشنّها أميركا علي الإرهاب في الشرق المسلم.
لا شك في أن نايبول لا يكتب إلا ما يثير الجدل والنقاش. فهو كاتب منحاز وغير حيادي. كاتب أدرك منذ بداياته أنه ضحية انفصام تاريخي جعله يتأرجح بين عالم أول يكرهه نظراً الي ما يحوي من تقاليد قديمة ومحرّمات، وعالمٍ ثانٍ يشعر فيه بالحريّة والذاتية من غير ان يتجاهل أخطاءه. حال الانفصام هذه عبّر نايبول عنها في الكثير من رواياته وخصوصاً تلك التي تقارب السيرة الذاتية وفي طليعتها رائعته بيت للسيّد بيسواس . ولعلّ انتماءه المزدوج هذا، الذي لم يستطع ان يتخطاه هو ما دفعه الي العودة الدائمة الي الأصقاع البعيدة التي انهكتها المرحلة الكولونيالية، باحثاً، كروائي، ولكن، علي غرار علماء الاجتماع والاثنولوجيا عن عوالم وشخصيات وأحوال ومواقف. ويعبّر نايبول في أحد مقالاته عن المعاناة التي طالما ألمّت به عندما لم يكن يجد حكاية ليرويها وليبني عبرها روايته أو عالمه الروائي. وقد يكون موت الحكايات هو الذي دفعه باكراً الي هجر الكتابة الروائية التي أبدع فيها أجمل الروايات والي الانصراف الي كتابة تلك الملاحم التي تدمج بين التحقيق الصحافي وأدب السفر والانتروبولوجيا وسواها. ومنها كتابه: الهند ألف ثورة أو بين المؤمنين: رحلة إسلامية أو أبعد من الإيمان ... ولم يكتفِ نايبول بهجر الفن الروائي (ممّا أدّي الي تراجعه في الآونة الأخيرة) بل راح يعلن كراهيته لهذا النوع الأدبي ناعياً إياه بنبرة يائسة كلّ اليأس. فالعصر الذهبي للرواية كما يعبّر هو العصر الماضي . ويقول: بين بلزاك وديكنز وبروست قيل كل شيء وكتب كلّ شيء ، يقول نايبول. ويشك في جدوي الكتابة الروائية متسائلاً: ما الذي سيبقي من روايات السنوات العشر الأخيرة؟ ، ويري نايبول ان الرواية أضحت نوعاً أدبياً منتهياً في المعني الثقافي وباتت عاجزة عن اللحاق بهذا العالم الحديث الذي يتبدّل بسرعة قصوي ويتجدّد برهبة.
إلا أن مثل هذا الموقف النقدي أو الكاره كما يقال من الفن الروائي يدلّ علي مدي افتتان الكاتب به وحبّه اياه. فهو لم يتوقف عن الكتابة الروائية إلا عندما استنفد الحكايات . علي أن ما كتبه من صنيع روائي يكفي لتأسيس عالم بذاته ومدرسة بذاتها. لعلّها فكرة البحث عن الحقيقة التي يصرّ عليها نايبول جعلته يبدل مسراه متلبّساً قناع العالم الاجتماعي والاتنولوجي من غير أن يتخلّي نهائياً عن قناع الراوي والحكواتي. فهو في كتبه ذات الطابع البحثي بدا أشبه بالمشاهد المتجوّل الذي يبحث عن الحقيقة في مصادرها الحيّة أي وسط الناس والأحياء. ورحلته الي بلاد الإسلام الآسيوي (ايران، اندونيسيا، ماليزيا وباكستان) لم تتطلّب أكثر من خمسة أشهر ليكتب من بعدها كتابه المثير أبعد من الإيمان . هذا الكتاب كان سبقه قبل سبعة عشر عاماً كتاب آخر عنوانه بين المؤمنين: رحلة إسلامية .
بدا الكتاب الجديد (8891) كأنّه يعزف علي الوتيرة نفسها أو علي الموقف نفسه الذي طالما أعلنه نايبول من الإسلام وظلّ يكرّره حتي أنهكه جاعلاً اياه أقرب الي الشعار النافر والجاهز. وفي أحد حواراته الأخيرة أعاد نايبول ترداد مقولته وان في طريقة أخري قائلاً: ان تعتنق الإسلام عليك ان تمسح تاريخك وأن تسحق بالقدمين ثقافة الأجداد . هذه النزعة الشعاراتية أخذها عليه ادوارد سعيد الذي لم يتوان عن نقده بعمق. وقد نمّت هذه النزعة عن عدم تعمّق نايبول في الدين الاسلامي بل عن عدم فهمه عقيدته وتاريخه. وهو لن يوفّر الدين المسيحي بدوره - وإن تناوله عرضاً - إذ يعتبر ان المسيحية والاسلام يلتقيان في كونهما يصادران مصير البشر الجماعي علي خلاف الأديان الأخري (البوذية، الهندوسية...) ويمحوان الماضي الخاص للجماعات. ويسمي الثقافة المسيحية والاسلامية بـ ثقافة الصحراء متحسّراً علي باكستان التي لم يبقَ شيء من البوذية فيها. ويقرن نايبول بين الدين السماوي والامبريالية والجامع بينهما هو الامتثال. فالاسلام في نظره (كما المسيحية) يجبر الناس علي التخلي عن ماضيهم، اي عن انفسهم .
بدا واضحاً ان نايبول ليس متخصصاً في علم الأديان ولا في تاريخها ولا في التاريخ الاسلامي والعربي. فما الذي جعله يسترجع الماضي البعيد الذي نسته الشعوب نفسها لينطلق علي ضوئه بمقولة الاعتناق الديني ؟ تري أليس التعاقب والتواصل من صفات التاريخ الديني والتاريخ الحضاري عموماً؟ ولماذا يتهم نايبول الدين الاسلامي (والمسيحي) فقط بهذه المواصفات السلبية؟ ألم يخضع التاريخ البوذي للصيرورة التاريخية نفسها حتي اصبحت البوذية بوذيات عدة وغابت عن اصقاع سيطرت فيها ردحاً منتقلة الي اصقاع اخري؟ ثم لماذا لم يعترض نايبول علي اليهودية التي تسعي الي غسل أدمغة الشعوب اليهودية التي تأتي اسرائيل بها من جهات العالم معرّية إياها من ثقافاتها الخاصة؟
طبعاً ليست الغاية هنا مناقشة نايبول في فكره الديني او في نظرته الخاطئة والمتسرّعة الي تاريخ الأديان والشعوب. فالاهتمام هذا لا يمثل إلا جزءاً من نتاج هذا الكاتب الكبير الذي أسس مدرسة جديدة في أدب الرحلة أو أدب السفر والسيرة الذاتية. ولكن ما يؤلم في تجربته هو انحيازه الي الرؤية الاستشراقية الجاهزة التي تجذب القارئ الغربي وتدغدغ احلامه. واستطاع نايبول ان يلعب هذه اللعبة بنجاح وعمق ولكن متحاشياً الوقوع في شرك الاكزوتيكية والتغريب المجاني. هذا الكاتب مبدع حقاً ولو ارتدي في احيان بعض الأقنعة. فهو كاتب هندي الجذور حين ينبغي له ان يكون هكذا. وهو كاتب انكليزي يعيش علي الطريقة الانكليزية حين ينبغي له ان يكون هكذا ايضاً. ولعل هذه اللعبة المكشوفة حملت البعض علي اتهامه بالتخلي عن جذوره. وليت نايبول كتب عن العالم الاسلامي مثلما كتب عن الهند: ستمئة صفحة تجمع بين كل فنون الكتابة وترسم صورة باهرة لتلك البقعة الكبيرة والبعيدة من العالم. صورة تختلف تماماً عن الصورة التي رسمها فورستر في روايته طريق الهند . وقد وصفها نايبول بـ المثلية الناهبة، الكولونيالية النموذج .
هل يستحق ف. س. نايبول جائزة نوبل ام لا يستحقها؟
هذا السؤال سيظل مطروحاً من غير جواب شافٍ ونهائي.
&
عبده وازن، شاعر لبناني،&والمحرر الثقافي لصحيفة "الحياة".