&
&
&
كتب سامي كليب : اضطر الباحث الفرنسي المتخصص بالشؤون الاسلامية برونو اتيان أمس الأول للرد على الاتهامات الكثيرة التي سيقت منذ 11 أيلول الماضي ضد المستشرقين الفرنسيين، وذلك بعد أن طفح الكيل ووصل الأمر ببعض مطلقي الاتهامات عليهم الى حد القول إن هؤلاء المستشرقين متعاطفون مع الاسلاميين ومعجبون بحزب الله وحركة حماس.
والوقع أنه منذ الاعتداءات التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأميركية، تشن بعض الأقلام الفرنسية (عن قصد أو عن جهل) حملة شعواء ضد هؤلاء المستشرقين، معتبرة أنهم انحازوا الى العالمين الاسلامي والعربي بعد التعرف إليهما، وانهم يعيشون في قصور عاجية أو في عالم من الأوهام لم يسمح لهم بتوقع ما حصل في آسيا الوسطى، وعند تخوم أفغانستان وباكستان.
واستندت الاتهامات الى عدد من المراجع العلمية التي صدرت مؤخرا عن بعض هؤلاء المستشرقين ومنها مثلا كتاب <<الجهاد انتشار وانحدار الاسلاموية>> لمؤلفه جيل كيبيل (الذي نشرت <<السفير>> عرضا له) والذي تناول فيه خمسة وعشرين عاما من انتشار التيار الاسلامي ليصل الى نتيجة مفادها أن <<ساعة ما بعد الاسلاموية قد دقت>>.
فكتبت مثلا مجلة فرنسية عريقة أن <<كيبيل يعيش فوق منارة إسلامية>>، وساقت صحيفة أخرى اتهامات ضده بأنه تأثر بالعالم الاسلامي حتى غرق فيه فانحجبت الرؤية الموضوعية عن نصوصه، وما عاد يجد في هذا العالم إلا الجمال.
وكان الشأن نفسه مع برونو اتيان، الذي برغم أنه مع كيبيل يُعتبران في طليعة حركة ثقافية علمية فرنسية تعمقت في معرفتها للعالمين العربي والاسلامي وقدمت خلاصة ممتازة لتجربتها عبر مؤلفات باتت مراجع، إلا أنه صار منذ أكثر من شهر عرضة للانتقادات والسخرية لكونه هو الآخر لم يفقه مآل الحركة الاسلامية، وتعاطف مع غلاة الاسلاميين، فلم تتردد صحيفة فرنسية يمينية في اتهامه مثلا بأنه يقوم بأبحاثه وهو يضع <<شارة حزب الله على جبينه>>.
وطالت الاتهامات أيضا الباحثة والمثقفة جوسلين سيزاري التي لها مؤلفات عديدة حول الاسلام بغية فهم العالم الاسلامي، و<<المشروع الاسلامي>> (إذا كان ثمة مشروع)، وهي اختارت مثلا لأحد كتبها عنوانا يحمل سؤالا هو <<هل ينبغي الخوف من الاسلام>>، وردت طبعا بأن الغرب لم يفهم الاسلام أو أنه لا يريد فهمه. ثم وضعت كتابا آخر حول <<جيوبوليتيك الاسلام>> (أو الاسلام من الناحية الجغرافية والسياسية).
ولم ينج الباحث العريق أوليفيه روا هو الآخر من سيف الاتهامات الذي تم تسليطه فوق رقاب المستشرقين، برغم أن الرجل الذي لم يحسن لعبة الإعلام (خلافا لغيره من الأغبياء الفرنسيين والعرب الذين يتم تقديمهم حاليا على أنهم أبرز خبراء الاسلام والحركات الأصولية)، له مؤلفات ذات قيمة عالية في رصد مستقبل الإسلام ليس فقط في الشرق الاوسط والمغرب العربي، وإنما في آسيا الوسطى. ولعله في طليعة من تعمق في فهم أفغانستان لكونه تعرّف الى البلد وهو لا يزال يافعا على مقاعد الدراسة وزاره عشرات المرات.
ومن يرغب بالبحث في أسباب هذا الهجوم اللافت على المثقفين والمستشرقين، فلن يجد أكثر من جواب واحد مفاده أن ثمة من يتعمد عدم فهم العالمين العربي والاسلامي لكي يبرر لاحقا مشروعية <<صدام الحضارات>> و<<صراع الأدىان>> اللذين يدغدغان الكثير من العقول المعجبة بفترة من الصليبية المقيتة التي تنبعث من تحت رماد التاريخ الأسود.
والحقيقة أن المنتقدين لم يقرأوا تماما ما أراد المستشرقون قوله. ولنفترض أن هؤلاء المستشرقين أخطأوا في بعض الحسابات الآنية (والآنية ليست أصلا هدفا بحد ذاته لأمثالهم)، إلا أن ذلك لا يبرر شراسة الهجوم عليهم لمجرد أنهم اكتشفوا ربما حقائق لا يريد الآخرون حتى مجرد الاقتراب منها لفهمها. فالعالم يريد اليوم للحركة الاسلامية السياسية أن تكون عنوانا وحيدا للعالمين العربي والاسلامي فيسهل <<اختراع>> عدو جديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
فبرونو اتيان لم يقل إن الحركة الاسلامية تقهقرت وان مشروعها انتهى، وانما قال إن إقامة الدول الاسلامية لم تنجح، وسقط الاسلاميون في الفخ نفسه الذي سقطت فيه أفكار كثيرة شغلت قرنا بكامله، واننا الآن أمام مرحلة جديدة تتطلب قراءة مغايرة ونقدا ذاتيا للمشروع الاسلامي برمته، إلا إذا كان المثال الواجب أن يحتذى هو <<مثال الدولة القائمة على الشريعة الاسلامية كما الأمر في السعودية>> على حد تعبيره.
<<وهكذا، فهو يقول في تبريره الذي عرضه أمس الأول، في مقال صحافي، إن الحركات الاسلامية المحلية قد تأممت (فلم تعد تنشد تصدير الثورة)، فبات كفاح الجماعات الاسلامية المسلحة ضد النظام الجزائري الفاسد، وصارت حركة حماس تناضل ضد العدو الاسرائيلي. وان تحليل أسباب ذلك لا يعني طبعا الموافقة عليه أو تبنيه>>.
ويضيف اتيان بمرارة تعيدنا بالذاكرة الى أولئك الذين كانت تُحرق كتبهم في العصور الوسطى بدلا من التكريم، <<ان مجتمعنا هو اليوم تماما كما كان شأنه في خلال حرب الخليج، يعتبر باحثيه المستشرقين خونة، فما عليكم إذاً يا أبناء وطني وجلدتي سوى أن تغلقوا المركز الوطني للبحث العلمي وتعتمدوا بدلا منه قناة <<سي ان ان>>، ما دام أحد الشيوخ الأميركيين طالب بإغلاق قناة <<الجزيرة>>. وقد نبهتني جدتي إلى أن لا نبي في وطنه، ولعل ذنبنا أننا قرأنا ابن خلدون>>.
فهل ان مستشرقي فرنسا سيصبحون هم أيضا ضحية ل <<صدام حضارات>> يترسخ يوما بعد آخر، من دون أن يجرؤ أحد على تسميته باسمه الحقيقي؟ (السفير اللبنانية)
والوقع أنه منذ الاعتداءات التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأميركية، تشن بعض الأقلام الفرنسية (عن قصد أو عن جهل) حملة شعواء ضد هؤلاء المستشرقين، معتبرة أنهم انحازوا الى العالمين الاسلامي والعربي بعد التعرف إليهما، وانهم يعيشون في قصور عاجية أو في عالم من الأوهام لم يسمح لهم بتوقع ما حصل في آسيا الوسطى، وعند تخوم أفغانستان وباكستان.
واستندت الاتهامات الى عدد من المراجع العلمية التي صدرت مؤخرا عن بعض هؤلاء المستشرقين ومنها مثلا كتاب <<الجهاد انتشار وانحدار الاسلاموية>> لمؤلفه جيل كيبيل (الذي نشرت <<السفير>> عرضا له) والذي تناول فيه خمسة وعشرين عاما من انتشار التيار الاسلامي ليصل الى نتيجة مفادها أن <<ساعة ما بعد الاسلاموية قد دقت>>.
فكتبت مثلا مجلة فرنسية عريقة أن <<كيبيل يعيش فوق منارة إسلامية>>، وساقت صحيفة أخرى اتهامات ضده بأنه تأثر بالعالم الاسلامي حتى غرق فيه فانحجبت الرؤية الموضوعية عن نصوصه، وما عاد يجد في هذا العالم إلا الجمال.
وكان الشأن نفسه مع برونو اتيان، الذي برغم أنه مع كيبيل يُعتبران في طليعة حركة ثقافية علمية فرنسية تعمقت في معرفتها للعالمين العربي والاسلامي وقدمت خلاصة ممتازة لتجربتها عبر مؤلفات باتت مراجع، إلا أنه صار منذ أكثر من شهر عرضة للانتقادات والسخرية لكونه هو الآخر لم يفقه مآل الحركة الاسلامية، وتعاطف مع غلاة الاسلاميين، فلم تتردد صحيفة فرنسية يمينية في اتهامه مثلا بأنه يقوم بأبحاثه وهو يضع <<شارة حزب الله على جبينه>>.
وطالت الاتهامات أيضا الباحثة والمثقفة جوسلين سيزاري التي لها مؤلفات عديدة حول الاسلام بغية فهم العالم الاسلامي، و<<المشروع الاسلامي>> (إذا كان ثمة مشروع)، وهي اختارت مثلا لأحد كتبها عنوانا يحمل سؤالا هو <<هل ينبغي الخوف من الاسلام>>، وردت طبعا بأن الغرب لم يفهم الاسلام أو أنه لا يريد فهمه. ثم وضعت كتابا آخر حول <<جيوبوليتيك الاسلام>> (أو الاسلام من الناحية الجغرافية والسياسية).
ولم ينج الباحث العريق أوليفيه روا هو الآخر من سيف الاتهامات الذي تم تسليطه فوق رقاب المستشرقين، برغم أن الرجل الذي لم يحسن لعبة الإعلام (خلافا لغيره من الأغبياء الفرنسيين والعرب الذين يتم تقديمهم حاليا على أنهم أبرز خبراء الاسلام والحركات الأصولية)، له مؤلفات ذات قيمة عالية في رصد مستقبل الإسلام ليس فقط في الشرق الاوسط والمغرب العربي، وإنما في آسيا الوسطى. ولعله في طليعة من تعمق في فهم أفغانستان لكونه تعرّف الى البلد وهو لا يزال يافعا على مقاعد الدراسة وزاره عشرات المرات.
ومن يرغب بالبحث في أسباب هذا الهجوم اللافت على المثقفين والمستشرقين، فلن يجد أكثر من جواب واحد مفاده أن ثمة من يتعمد عدم فهم العالمين العربي والاسلامي لكي يبرر لاحقا مشروعية <<صدام الحضارات>> و<<صراع الأدىان>> اللذين يدغدغان الكثير من العقول المعجبة بفترة من الصليبية المقيتة التي تنبعث من تحت رماد التاريخ الأسود.
والحقيقة أن المنتقدين لم يقرأوا تماما ما أراد المستشرقون قوله. ولنفترض أن هؤلاء المستشرقين أخطأوا في بعض الحسابات الآنية (والآنية ليست أصلا هدفا بحد ذاته لأمثالهم)، إلا أن ذلك لا يبرر شراسة الهجوم عليهم لمجرد أنهم اكتشفوا ربما حقائق لا يريد الآخرون حتى مجرد الاقتراب منها لفهمها. فالعالم يريد اليوم للحركة الاسلامية السياسية أن تكون عنوانا وحيدا للعالمين العربي والاسلامي فيسهل <<اختراع>> عدو جديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
فبرونو اتيان لم يقل إن الحركة الاسلامية تقهقرت وان مشروعها انتهى، وانما قال إن إقامة الدول الاسلامية لم تنجح، وسقط الاسلاميون في الفخ نفسه الذي سقطت فيه أفكار كثيرة شغلت قرنا بكامله، واننا الآن أمام مرحلة جديدة تتطلب قراءة مغايرة ونقدا ذاتيا للمشروع الاسلامي برمته، إلا إذا كان المثال الواجب أن يحتذى هو <<مثال الدولة القائمة على الشريعة الاسلامية كما الأمر في السعودية>> على حد تعبيره.
<<وهكذا، فهو يقول في تبريره الذي عرضه أمس الأول، في مقال صحافي، إن الحركات الاسلامية المحلية قد تأممت (فلم تعد تنشد تصدير الثورة)، فبات كفاح الجماعات الاسلامية المسلحة ضد النظام الجزائري الفاسد، وصارت حركة حماس تناضل ضد العدو الاسرائيلي. وان تحليل أسباب ذلك لا يعني طبعا الموافقة عليه أو تبنيه>>.
ويضيف اتيان بمرارة تعيدنا بالذاكرة الى أولئك الذين كانت تُحرق كتبهم في العصور الوسطى بدلا من التكريم، <<ان مجتمعنا هو اليوم تماما كما كان شأنه في خلال حرب الخليج، يعتبر باحثيه المستشرقين خونة، فما عليكم إذاً يا أبناء وطني وجلدتي سوى أن تغلقوا المركز الوطني للبحث العلمي وتعتمدوا بدلا منه قناة <<سي ان ان>>، ما دام أحد الشيوخ الأميركيين طالب بإغلاق قناة <<الجزيرة>>. وقد نبهتني جدتي إلى أن لا نبي في وطنه، ولعل ذنبنا أننا قرأنا ابن خلدون>>.
فهل ان مستشرقي فرنسا سيصبحون هم أيضا ضحية ل <<صدام حضارات>> يترسخ يوما بعد آخر، من دون أن يجرؤ أحد على تسميته باسمه الحقيقي؟ (السفير اللبنانية)
&














التعليقات