&
إيلاف- نبيل شرف الدين: في ما تنشغل الولايات المتحدة وحلفاؤها في ترتيب الأوضاع داخل أفغانستان بعد أن تتمكن من إقصاء حركة "طالبان"، بدأت مصادر عربية تتحدث عن مصير "الأفغان العرب" من أعضاء تنظيم "القاعدة"، والذين يقدر عددهم بحوالي ثلاثة آلاف شخصاً، وتقدرهم مصادر أميركية بخمسة آلاف شخصاً، وترسم أجهزة الأمن والدبلوماسية العربية عدة سيناريوهات لما سيحدث مع كل هذا العدد الكبير من الأفراد، فهناك ثمة احتمال بأن القوات الأميركية قد تلقي القبض على قادتهم لترحيلهم إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهم هناك، بينما سيعاد العدد الأكبر من هؤلاء إلى بلادهم لمحاكمة من يشتبه أنه متورط في عمل ضد بلده في محاكم بلده، ثم القيام بعملية "إعادة تأهيل" لهم في مجتمعاتهم، غير أن هناك احتمالات أخرى بمحاولة بعض هذه العناصر الفرار من أفغانستان إلى ملاذات آمنة جديدة، وهو احتمال ليس سهلاً، لكنه ليس مستبعداً.
ووفقاً للمعلومات المتداولة، فإن هناك المئات من المصريين والجزائريين والأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين ناهيك عن أبناء الخليج من انضوى تحت لواء "أسامة بن لادن" .. تركوا نساءهم وأولادهم مقابل جهاد ما كانوا يعتقدون أنه "الكفر" القادم من الشمال الشرقي للعالم والمتمثل بالشيوعية السوفييتية.. وكان لسان حالهم يقول حينئذ إن نار "الرأسمالية" الغربية ولا جنة الإلحاد الشيوعية.. فتقاطعت المصالح، وتعاونوا بصورة أو بأخرى مع تلك الرأسمالية التي كانت ترى فيهم "عدواً جديداً".
وبالتأكيد، فإن قوى إقليمية أخرى وجدت في جهاد الأفغان مناسبة لتحقيق اهداف معلنة وأخرى غير معلنة..الا أنه سرعان ما تبدلت المواقف بعد هزيمة السوفييت وحرب "الأُخوة" الأفغان..ووصول " طالبان" الى سدة الحكم في كابول.. فكان التحول الخطير في الفكر والسلوك لدى الأفغان العرب الذين عبئوا تعبئة فكرية قتالية تستند الى مفاهيم التكفير والتحريم، فتحلل وتحرم وفقاً لتلك المفاهيم..وعلى الرغم من أن هذا النمط في التفكير موجود بين ظهرانينا في العالم العربي متمثلاً في عدد من الجماعات والتنظيمات المحظورة من العمل في جميع الدول العربية، إلا انه لم يصل الى المرحلة التي وصل إليها "الأفغان العرب" في الممارسة السلوكية الفعلية، بل اكتفوا ببيانات وكتيبات توزع هنا وهناك، وتدعو الى دولة الخلافة الإسلامية، وتأكيد مبدأ النصرة.
ووفقاً لتاريخه السياسي، يعتبر الطبيب المصري أيمن الظواهري الذي يقود تنظيم الجهاد المصري ورفيق درب أسامة بن لادن اليوم من الأصوليين الذين يجنحون الى الغلو في التطرف، ومن القادرين على توليف الفكر الديني مع النظرية الميكافيلية القائلة : " الغاية تبرر الوسيلة" وأصبح "الأفغان العرب" بين شقي رحى.. وأصبح المشهد الأفغاني رمادياً تداخلت فيه الألوان وأصيب مقاتلوا الكفر بـ " عمى الألوان".. فالمشهد السابق القائم على اللونين : الأبيض المتمثل بالجهاد الأفغاني والأسود.. أي الكفر المتمثل بالاتحاد السوفييتي اختفى.. وبرز الخلاف بين أبناء الدين الواحد..ولكن هذه المرة خلافات القومية والعرق والموالاة.. وخلافات السلطة والمال والزعامة..أما العنوان العريض لكل ذلك فكان : تطبيق الشريعة الإسلامية.
وهكذا تحولت أنظار هذه القوة "المتأفغنة" الى الساحة العربية والإسلامية، والى الصراع العربي- الإسرائيلي، وأخذت بفعل ما يؤمن به قادتها سابقاً ( كأيمن الظواهري الذي اتهم وأدين بالمشاركة في اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات) ترى بضرورة " تخليص " الأمة من التبعية الغربية، فلجأت بعض العناصر المرتبطة بها أو التي عادت الى بلادها بعد دحر السوفييت، الى لغة القوة وإشاعة الإضطرابات الأمنية، وبدأت محاكم أمن الدولة تفعل فعلها وتعقد جلساتها في محاول أمنية لاجتثاث هذه الظاهرة.. والمراقب لتطورات الأوضاع على الساحة الأفغانية اليوم، يظهر له بما لا يدع مجالاً للشك أن الأفغان العرب سيكونون ضحية أية تسوية سياسية تتم على أرض أفغانستان بعد اليوم، فالتحالف الشمالي الذي يقوده الرئيس السابق برهان الدين رباني لن يقبل بوجود عربي واحد على أرض أفغانستان بعد أن وقف هؤلاء العرب الى جانب حكومة طالبان ضدهم، وهم يعتقدون أنه لولا دعم ابن لادن وامواله لما تمكن حكام كابول من فرض قبضتهم على مقدرات الامور.
وحتى باكستان..صانعة طالبان وحكمها، فستجد نفسها رهينة أي إئتلاف أفغاني جديد يحكم أفغانستان، وحتماً، فإن الإدارة الأمريكية ستكون الشريك الذهبي في أي حكومة مقبلة مما يعني أن لا فرصة لظل عربي واحد في تلك الأرض، ناهيك عن أن الحملة الجوية الأمريكية الحالية قد دمرت معسكرات الأفغان العرب ولم تعد وفقاً للمنظور الأمني صالحة للعمل فيها.
وهنا سيجد الأفغان العرب أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: تسليم أنفسهم للعدو القادم وهذا أمر مستبعد حتى الآن، أو القتال حتى الموت، والرمي بالنفس في أتون معركة خاسرة وفق الموازين العسكرية المتعارف عليها، ما لم تقع مفاجآت من العيار الثقيل، ويبقى ملف "الأفغان العرب" مفتوحاً على كل الاحتمالات، ومرشحاً لعدة سيناريوهات حتى تحط الحرب أوزارها.