&&&&&&&&&&&&&&&&& د. عبد الحميد الأنصاري
المطل علي الساحة السياسية، الدينية والإسلامية، يأخذه العجب مما يسمع ويشاهد، مشاهد راقصة مهنئة بتفجيرات أميركا، قنوات فضائية مسخرة لخدمة طروحات إرهابية دعائية ومحرضة، كتاب ومحللون يبررون ويسوغون ما حصل بلوم الضحية باعتبارها مستحقة للعقاب، جزاء سياساتها المنحازة وهيمنتها وغطرستها، رموز دينية وسياسية تحرّض الجماهير وتلهب مشاعرهم وتشحن نفوسهم بلعن أميركا، متظاهرون حتي الموت يحملون صور ابن لادن يهتفون بالروح والدم نفديك.. هذه المشاهد العبثية، وما وراءها؟ وما تفسيرها؟ كيف تحول الإرهابي بطلاً تحمل صوره جماهير حاشدة؟ ما الذي جري للعقل العربي والمسلم بعد هَوْل 11/9؟ ما الخيط الجامع لهذه المشاهد كلها؟ إنه (كراهية أميركا حتي العداء) هذه الكراهية التي وحدت أطروحات الإرهابي بالإسلامي بالماركسي بالقومي والناصري.
ولكن هل الكراهية كافية لتبرير ما هو حاصل؟ لنتابع ونستعرض في إحدي الفضائيات الشهيرة، يخرج علينا مهندس لم يحقق شيئا في تخصصه، فينقلب داعية للتفسير العلمي للقرآن، فذاع صيته وأصبح نجماً له أنصاره ومريدون، يجادل باستماتة في تبرئة ابن لادن ويصب غضبه علي اليهود الذين هم وراء تفجيرات أميركا، ويطالبه مقدم البرنامج الشهير بالدليل؟ فيردد قصة اليهود (الـ 4000) الذين تغيبوا عن العمل صبيحة الحادث، وعندما يرد عليه المقدم بأنه توجد شركة سياحية إسرائيلية في الدور (43) من المركز، مات فيها (130) إسرائيليا، وأن مدينة نيويورك بها 4،5 مليون يهودي (أثبتت الاحصائيات فيما بعد أن نسبة الضحايا اليهود هي الأكبر تبعاً لعزمي بشارة في الحياة 1/10) يفقد الداعية الشهير اتزانه، ويُصّر علي أن (هُمَّ دول اللي عملوا العملية!!!) انتهي النقاش، اليهود هم الفاعلون، أهكذا علمنا الإسلام؟ ألم يحذرنا من الجور في الحكم بدافع كراهيتنا للآخرين ولا يَجْرِ منكَّم شنآن قوم علي ألا تعدِلوا - المائدة 8 - فإذا كان هذا الداعية القدوة يفقد تماسكه حين يحاصر بالدليل فماذا نقول بالنسبة إلي أناس عاديين؟ ويسألونه - مرة أخري - ماذا لو أثبتت الأدلة تورط بن لادن؟ فيسارع صاحبنا إلي نفي هذا الاحتمال، وإذا ثبت، يقدم لمحكمة في دولة إسلامية!! ولا يتوقف لحظة ليقول لنا: هل بالإمكان تشكيل مثل هذه المحكمة؟ وهل هناك دولة تقبل بها؟ ومن سيختار قضاتها؟ وما الذي يضمن أن لا يكونوا علي شاكلة علماء طالبان أو المتعاطفين من علماء باكستان وغيرهم ممن يشاركون ابن لادن أفكاره؟ وهل بالإمكان إصدار حكم بالإدانة في هذا المناخ العام المضطرب؟ ولماذا تشكل محكمة إسلامية لجريمة وقعت في أميركا؟ ولماذا ليس من حق أميركا أن تحاكم متهمين لجريمة وقعت بأرضها، وقتلت مواطنيها، وبناء علي أدلة توصل إليها محققوها؟ وهل تقبل محكمة إسلامية أدلة الأميركان مع انعدام الثقة وهل تقبل شهاداتهم وأقوالهم وهم غير مسلمين؟ وكيف يثق العالم في محكمتنا، في الوقت الذي نلجأ فيه نحن إلي المحاكم الدولية في خلافاتنا؟
إن الداعية الشهير يعرف استحالة طرحه، ولكنها العاطفة العمياء، تماًماً كما ناوروا بالأمس القريب حينما اقترحوا حلاً عربياً لإخراج صدام من الكويت، وحملوا صور صدام البطل متحدياً التحالف.
ويبلغ اختلال المعايير منتهاه عند صاحبنا الذي يري في الأحزاب الدينية الباكستانية، أنها الأكثر اعتدالاً والأكثر ثقافة ووعياً!!!
إذا كان خريجوا محاضن الإرهاب الذين يحملون صور ابن لادن باعتباره بطلاً تحدي الشيطان الأكبر، هم الأكثر اعتدالاً ووعياً، فعلي الدين والدنيا السلام! وفي دولة عربية، يقف خطيب مشهور، مؤكدا أن أميركا تعرف أن ابن لادن برئ! من أين له هذا اليقين؟ وكيف علم بذلك؟ ولماذا صدق العالم جميعاً بما فيهم الدول العربية والإسلامية أدلة الأميركان إذن؟ ولماذا ترسل أميركا أبناءها للموت وتتكلف خسائر فوق خسائرها إذا كان ابن لادن بريئاً؟ إن بعض الفضائيات العربية وبعض الصحف - للأسف - تلعب دوراً تضليلياً عن طريق لعبة خلط الأوراق، والعزف علي أوتار المشاعر الدينية ضد الانحياز الأميركي لإسرائيل، والربط بين أحداث أميركا وقضية فلسطين، مصورة ما يحصل في أفغانستان بأنه حرب ضد الإسلام، فتردد صباح مساء طروحات أهل الإرهاب، وتنخدع قطاعات عديدة من الجماهير بسبب القابلية النفسية والعاطفية، ولكن الخطير في الأمر أن ينخدع بهذا التضليل، قوم من أهل الثقافة والاعتدال فيرددون مقولات أهل الجهل والضلال من أنهاحرب صليبية!!
ايتجاهلون - عامدين أو بغفلة - أن ملايين المسلمين في ديار الكفر (أوروبا وأميركا) وأجيالاً بعد أجيال - يعيشون آمنين مطمئنين، لهم مراكزهم الدينية، ومساجدهم ومدارسهم، يمارسون حقوقاً مدنية وسياسية واقتصادية غير متاحة لكثير من المسلمين في ديار المسلمين؟ أيتجاهلون: كيف ينتشر الإسلام في تلك الديار ويكتسب كل يوم أرضاً وأفئدة؟ أيتجاهلون كيف يُرحب بهم عندما يزورون - في مهمات دعوية - تلك الديار في رحلات صيف وشتاء؟ أيتناسون التمجيد والإشادة بدين الإسلام باعتباره دين السلام والتسامح - من قبل قادة ومسؤولين في تلك الديار؟ أين الحرب الصليبية المزعومة؟ أإذا ضُرب المارقون الذين عاثوا في الأرض فساداً وأسالوا الدماء أنهاراً لتخليص العالم من شرهم وتحرير الشعب الأفغاني البرئ المغلوب علي أمره والذي لسان حاله يقول مستصرخاً ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها - النساء 75 - تكون حرباً صليبية؟!
يقول المهندس الذي أصبح داعية، لابد أن يقف المسلمون كلهم صفاً واحداً مع أفغانستان ضد العنجهية الأميركية، ويتطوع آخرون بإصدار فتاوي تحرم مساندة التحالف بل ويعتبرون السكوت (إثماً) وينتقد آخرون البيان الوزاري الإسلامي لأنه لم يُلّبِ رغبات الشارع.
الحمد لله الذي هيأ لنا حكومات راشدة عاقلة، تعرف مسؤولياتها وقدراتها، وتراعي مصالح شعوبها، ولو أخذت الحكومات بمنطق هؤلاء واستجابت للرغبات والأهواء لما نعم هؤلاء الناقدون أنفسهم بما ينعمون به من شهرة وجاه وأموال ولكان حالنا أسوأ من أفغانستان.
ما يقال الآن، قيل سابقاً، قبل عقد من الزمان إبان العدوان، نفس الطرح الجاهلي المتعصب، كيف تساندون التحالف في ضرب دولة عربية شقيقة؟ أو كلما تغول حاكم وأذاق شعبه الهوان ثم اعتدي علي جيرانه، قيل لنا لم لا تساندونه؟
ولماذا لا تقفون مع أخيكم العربي المسلم؟ أإذا ضل أخي ولم يستمع للنصح، وانفلت من عقاله، وعاث فساداً في الأرض وقتلاً للأبرياء، وجاء وقت حسابه، أكون ملوماً إذا لم أقف معه؟ أي منطق أعوج هذا؟ كيف تدافع حكوماتنا عن قوم ضلوا وظلموا وأذاقوا شعوبهم الهوان، وجعلوا من بلادهم مرتعاً آمناً يتدرب فيها خوارج عصرنا الجدد لينشروا الرعب في بلاد المسلمين؟ كيف ندافع عن حكومة لم تقبل النصح مراراً وتكراراً، فتحت بلادها لمارقين وشذاذ آفاق؟
كيف تقف حكوماتنا مع قوم، أفكارهم تقوم علي تكفيرها وإعلان الجهاد عليها والوثوب علي سلطاتها ونظمها بحجة إعلان الدولة الإسلامية المزعومة علي غرار طالبان؟ كيف تدافع دولنا عن قوم يزعمون أن حكامنا صنائع الغرب، اتخذوا من الشر حرفة، وزرعوا الأرض العربية رعباً وسعوا لزعزعة الأمن والاستقرار فيها بتفجيرات واغتيالات، راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء، حتي سول لهم شيطانهم وغرورهم أنهم قادرون علي (العدو الأكبر) حسب زعمهم، فقاموا بعملياتهم التي جاء وقت حسابها؟ إن واجب المسلمين قبل غيرهم، العمل علي إماطة الأذي عن الإسلام وعن البشرية جمعاء، ومعاقبة هؤلاء الذين جنوا علي الإسلام والمسلمين بأفكارهم وجرائمهم التي أساءت إلي صورة ديننا في العالم حين صوروه ديناً يقر الغدر والعدوان، وتسببوا في أذية المسلمين وبخاصة في أميركا وأوروبا وأنزلوا أعظم الأضرار بالأمة وبمصالحها، ولا يعلم إلا الله وحده مقدار الأضرار التي أصابتنا وستصيبنا فقد حصل شرخ نوعي عميق وشامل في نفسية غير المسلمين في أوروبا وأميركا علي مختلف الشرائح تجاه المسلمين بعد أن كان محصوراً في أفراد معينين، حصل هذا الشرخ بأكثر مما حصل في نفسية العرب تجاه بعضهم إبان الاحتلال العراقي.
وبعد: فإن سكوتنا الطويل عن مسببات الإرهاب، ولا مبالاتنا بتحليل الفكر الإرهابي ومعالجته، وغفلتنا الطويلة عن نمو بذور العنف في تربتنا العربية - تربة التنشئة والتعليم والتثقيف والإعلام - هي (الإثم الأكبر) وقد جاء أوان دفع الاستحقاق. يقول الله تعالي في محكم كتابه واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة الأنفال 25 - فهل يكون ما حصل، بداية لصحوة حقيقية نراجع فيها أساليب تنشئتنا، وطرق تعليمنا ومناهجنا؟ ونوعية تثقفينا، ومستوي إعلامنا؟ نرجو ونأمل ذلك، وندعو الله أن يغير أحوالنا إلي الأحسن،وإن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم صدق الله العظيم. (عن "الراية" القطرية)

&د. عبد الحميد الأنصاري عميد كلية الشريعة والقانون -جامعة قطر
&