&
لندن ـ نصر المجالي: واحد من ثلاثة جنرالات تحدثوا الحقيقة في كتاب طبع ونشر ووزع وقرأه الملايين عن العاهل الاردني الراحل الملك الحسين بن طلال، وبمعرفة شخصية منه وبموافقة ايضا نشر الجنرال البريطاني جيمس لانت في اواخر الثمانينيات من القرن الماضي مرئياته عن عهد قاده الملك الاردني الحسين بن طلال لأربعين سنة من تاريخ الشرق الأوسط.
وحيث فشل الجنرال جون باغوت غلوب باشا المسمى في بادية العرب بـ "ابو حنيك" وقاد الفيلق العربي الاردني لثلاثين عاما في القرن الماضي، وحيث اضطر المشير حابس المجالي قائد الجيش والحاكم الاردني العسكري العام لسنوات توالت حتى هدؤ الحال سياسيا للحكم الهاشمي، فان جيمس لانت قال كل الحقائق.
جيمس لانت، الذي توفي قبل يومين عن عمر الثالثة والثمانين، عمل باختصار، عن الحديث، في حياته العسكرية الطويلة ضابطا في الجيش الأردني في عهد (طيب الذكر) الجنرال غلوب باشا لسنين طويلة.
وحين قرر الملك الأردني (الصغير السن) في العام 1956 اقصاء الجنرال البريطاني العجوز غلوب باشا عن قيادة الجيش العربي كرد فعل على الهجمة القومية التي كان يقودها الرئيس المصري (البكباشي) جمال عبد الناصر، كان بلانت واحدا من الضباط الذين غادروا الاردن اثر القرار الملكي الذي "طرد الضباط الانجليز، واعلن الملك وقتها عن تعريب الجيش الاردني وتسليم القيادات لكفاءات اردنية عسكرية شابة".
وعمل الجنرال بلانت في خدمته العسكرية في الجيش الأردني في مواقع قيادية متقدمة، وكعسكري تقليدي حافظ علاقات على وطيدة مع القائد الأعلى للجيش وهوالملك حسين "رغم المماحكات السياسية آنذاك بين لندن وعمان على خلفية المد القومي الناصري".
وفي العام 1955 وهوالذي غادر فيه بلانت الأردن عائدا الى بلاده، آلى على نفسه درس اللغة العربية التي اتقنها في غضون اشهر معدودات وكأنه يعد نفسه لمهمة آتية.
ورغم المناصب العسكرية القيادية التي شغلها بعد ذلك في مناطق انتداب بريطانية حساسة للغاية مثل عدن وغيرها من من مناطق العالم، الا ان الجنرال لانت ظل يعيش هاجسا وحيدا وهو "الكتابة عن الملك حسين".
الهاجس الذي اعترى الجنرال، لم يكن هو نفسه هاجس الجنرال غلوب باشا الذي كتب كثيرا عن حاله هو نفسه في كتاب "جندي مع العرب" وكتب اخرى لها اهميتها التاريخية بريطانيا وعربيا واسرائيليا، خصوصا وانها صادرة عن جندي له دور الأمر والنهي العسكري الصارم على خطوط المواجهة العربية الاسرائيلية.
والحال ذاته ينطبق على المشير حابس المجالي القائد العام للجيش الاردني لسنين طويلة عددا، ودوره كحاكم عسكري عام للبلاد في سنين لا تحصى من الهزات السياسية لنظام الحكم.
غلوب باشا، لم يكن يريد على ما يبدو الافصاح عن اسرار كان العاهل الأردني (الصغير المقدام) كما كان يصفه السياسي البريطاني الراحل ونستون تشرشل، قادر على مواجهتها وحده، وفعلا واجهها الملك وحده، وكان "ابو حنيك يتساءل في قرارة نفسه بعد طرده من قيادة الجيش الأردني "كيف تم لهذا الملك الصغير انجاز ذلك رغم قلة التجربة في عالم عربي لم تتشكل معالمه القومية بعد؟".
المشير المجالي لم يتساءل عن شيء؟ بل ترك للآخرين ان يسألوا عن مواقفه وذكرياته مع العرش طوال نصف قرن من الزمان، منذ الملك عبدالله الاول حيث شهد مقتله امام المسجد الأقصى في 1951 ، وكان هو مرافقه العسكري، مرورا باقصاء الملك طلال وريث العرش عن الحكم لأسباب قيل انها مرضية وحتى تسلم الحسين بن طلال سدة الحكم. السائلون يسالون وهو صامت لا يجيب، وكأن عقدا ما وقعه مع الصمت.
وقبل اقل من عام غادر المشير المجالي الدنيا عن عمر ناهز الـ 95 عاما، وحسده كثيرون على صمته، وسكوته، على الرغم من انه قيل في صالونات عمان السياسية والعشائرية انه سلم الملك الجديد عبدالله الثاني وصية مكتوبة كان الملك الراحل سلمها اليه في اوائل السبعينيات ورجاه ان لا يفتحها او ان يسلمها الا الى خليفة للعرش ايا كان، حتى "ولو جاء الى الحكم رئيس جمهورية وليس ملك من آل هاشم". اذا فالوصية مهمة ولا احد يعرف حتى اللحظة تفاصيلها من قريب او بعيد.
وقالت مصادر اردنية ان الشاهد الوحيد على تسليم تلك الرسالة الملكية الى المجالي لتسليمها الى الوريث ايا كان، هو زيد الرفاعي صديق الملك الراحل، ورئيس وزرائه المخلص ورئيس مجلس الاعيان في المرحلة الراهنة. اشارت المصادر الى انه "حتى الرفاعي لم يكن باستطاعته معرفة اية معلومات عن الرسالة الوصية التي كان يحتفظ بها المشير المجالي الى ان سلمها مغلقة بعد ثلاثين عاما من الاحتفاظ بهاعلى وضعها الذي تسلمها به من الملك الراحل".
والى هنا، فان الجنرال جيمس لانت ثالث الجنرالات في الفيلق العربي الاردني ، وضع كتابه الشهير عن حياة العاهل الاردني، وصدر الكتاب في العام 1989 ـ أي بعد ثلاثين عاما من مغادرة لانت الارض الأردنية.
ويكشف الكتاب الكثير من الوثائق الدقيقة عن الحال السياسي الأردني في مراحل المد القومي الناصري المواجهة مع الفلسطينيين وكذا الحال مع الجوار السوري والعراقي، وكيف ان (الملك الصغير المقدام) استطاع تجاوز تلك التجارب بنجاح، وانه بعناية الهية نجا من محاولات اغتيال عديدة.
واشار الجنرال لانت الى ان هذه المحاولات جميعا كانت مخططة ومدبرة باياد عربية، وقال "الذي استطاع اغتيال جده عبدالله ورئيسي وزرائه هزاع المجالي ووصفي التل، ومن ثم اطاحة حكم ابناء عمه في العراق الذين قضوا قتلا في العام 1958، كان بامكانه النيل من الحسين، ولكن على ما يبدو ان ارادة الهية وذكاء وحرصا جنبه كل ذلك".
وفي الكتاب الذي احتل المبيعات الاعلى في شارع المطبوعات والتوزيع في لندن في اواخر الثمانينيات من القرن الماضي يتحدث لانت عن الصراع العربي الاسرائيلي والنزاع الاردني الفلسطيني ومواجهات الملك حسين مع الشرق في العراق والشمال في سورية الى جانب تحالفاته الوطيدة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى.
بقي القول ان الجنرال الراحل لانت وضع يده في كتابه الصادر بالانجليزية تحت عنوان " الملك حسين"& وحمل صورة للملك بالشماغ الأحمر، وصفة حال العربي البدوي، هذا الكتاب تفرد على الكتاب الذي صاغه الملك الأردني الراحل بنفسه الذي حمل عنوان "حربي مع اسرائيل" وصدر في العام 1968 ، وعلى كتاب "مهنتي كملك" الذي صاغه على لسان الملك في السبعينيات الصحافي الفرنسي (الايراني الاصل) فريدون صاحب جمع وفيه كتبت معاناة شخصية لملك شدت انتباه الجميع سياسيا واجتماعيا وفكريا.