&
&
&
جوزف سماحة : في 5 تشرين الأول مات روبرت ستيفنز. في 7 تشرين الأول قال وزير الصحة الأميركية إن مواطنه قضى متأثراً بمياه شربها من نهر ملوث! في 8 تشرين الأول أصيب أرنستو بلانكو بأعراض. لم يهتم أحد فعلاً مع أن بلانكو زميل لستيفنز. ثم ظهرت حالة ثالثة. وفي 11 تشرين الأول فتح وزير العدل الأميركي تحقيقاً قضائياً. تأخر ستة أيام عن الحدث. غير أن نائب الرئيس ديك تشيني كان أسرع من الجميع إذ أعلن في 12 تشرين الأول أن تنظيم القاعدة ربما يكون مسؤولاً، ومنذ ذلك اليوم والتحقيقات جارية...
تعيش الولايات المتحدة، بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن، تنويعة ثانية من الحرب غير المتوازية وذلك بغض النظر عن الجهة المبادرة.
استهداف وسائل الإعلام يعطي العمل آثاراً مضاعفة. يتم تسخير التلفزيون لخدمة هدف محدد. كيف؟ يكفي أن تصل رسالة ملغومة إلى مذيع مشهور من أجل وقف البث وتخصيص ساعات مديدة للأخبار والتعليق والإدانة. وهكذا تنتقل الجرثومة، جرثومة الذعر، إلى كل بيت. وبدل إنجاز هدف التحذير والتعبئة يتحقق العكس. يطل مسؤول ليطمئن فيخيف. يشرح طبيب أن <<انتراكس>> غير معد فينسى أن الشائعة، تعريفاً، معدية.
تُكال الأوصاف الرهيبة للمجرمين فتحوّلهم إلى عدو لا يُقهر فضلاً عن أنه، حتى الآن، غير مرئي. يؤتى بطوم ريدج (وزير الأمن الداخلي الجديد) ليخاطب مواطنيه. يقول لهم إن <<الآلاف والآلاف والآلاف خضعوا للفحوصات فلم يثبت وجود المرض إلا عند
خمسة>>. <<الآلاف>> هو الرقم الذي يبقى في الأذهان. وعندما ترتفع الإصابات الفعلية تصبح الآلاف <<مؤلّفة>> أكثر.
تتدخل الأجهزة. وبما أنها تعاني من تهمة التقصير في مرحلة ما قبل 11 أيلول فإنها تختار خط المبالغة. تشرع في إطلاق تصريحات التحسب المؤكِّدة احتمال هجمات جديدة. توسِّع هامش الأمان حتى لا تُلام لاحقاً. لكن ما يتوسع، فعلاً، هو هامش الخوف الذي يقود إلى ارتفاع درجة التطلب: كيف ستحموننا من هجمات لاحقة وأنتم لا تضمنون وصول البريد سالماً ولا تلقون القبض على الإرهابيين الطلقاء!
يصعب للتطمينات أن تنفع إذا كان قائلها عاجزاً عن تحديد ولو ملمح واحد لمتهم محتمل. وعندما يدلي جورج بوش بدلوه، من الصين، يصبح الأمر لا يطاق. فهو ألمح إلى احتمال أن يكون مصدر الخطر داخلياً. وهكذا لم يعد للعدو شكله المتوسطي أو العربي أو الإسلامي طالما أنه أصبح أياً كان، أي، عملياً، كل واحد. وبما أن المرض لا يظهر سريعاً فلا شيء يمنع أن يكون كل مواطن مريضا. إلى أن يثبت العكس.
تتجه الأنظار، في هذه الحالات، إلى مركز للسلطة. لا جدوى. مبنى الكابيتول فارغ مثل <<بيت أشباح>> كما تقول الوكالات. السلطة التشريعية في الدولة الديموقراطية الأولى في إجازة قسرية هي اليتيمة في تاريخها. أما نائب الرئيس ففي ملجأ آمن. لم يعد يبقى إلا رجال الإنقاذ الذين اكتشفهم الأميركيون عقب التفجيرات. كانوا، في المرة الأولى، بشراً ذوي وجوه إنسانية يعلوها الغبار. لكنهم، هذه المرة، غريبو اللباس والأطوار يرشّون المواطنين بمواد مجهولة ويوحون، لمن يرى، أن المشهد بكامله مستقى من عالم آخر.
وينشأ، في هذا السياق البالغ المأساوية، تحالف من نوع غريب بين الإرهابيين المفترضين وبين ثقيلي الظل. تدخل السماجة على الخط فتحول مواد عادية مثل الطحين، والسكر، ومساحيق التجميل، وبودرة الأطفال، إلى مواد مشبوهة. وفي حين أن المصابين فعلاً هم أفراد فإن ضحايا <<المزاح>> بالآلاف وفي كل بلدان العالم، بما فيها لبنان، وفي عدد لا يحصى من المؤسسات، بما فيها <<السفير>>.
إن رسالة من هذا النوع يمكن لها أن تعني، فضلاً عن الخوف، استدعاء الشرطة، واستنفار المختبر، وإخلاء الأمكنة، واستقدام سيارات الإسعاف، وقطع الطرقات، والتوقف عن العمل، وإتلاف الأعصاب، وتحريك النيابات العامة، والإضرار بالسياحة، وتشويه سمعة بلد، وتحويل التواصل البريدي، وهو نشاط ضروري ويمكنه أن يكون لطيفاً، إلى تراشق محفوف بالمخاطر. ويمكن أن نتحدث اليوم عن رجال ونساء موجودين في السجن لهذه الأسباب. وإذا كان الفرنسي قد يمضي شهراً في الأسر فإن البريطاني، وهو الحريص على سمعة مزاحه الخاص، قد يمضي سبع سنوات حسب قانون جديد.
إن كلفة هذا العمل الإجرامي الإرهابي هي، في الحد الأدنى، بمليارات الدولارات في حين أن سعر المواد الجرمية أقل من ذلك بما لا يقاس. إنها الحرب غير المتوازية في <<أبهى>> تجلياتها. وهي، فوق ذلك، فعل يؤكد أن تصوير العنف (كما يحصل في أفغانستان حالياً) لم يعد يستدعي بنى لوجستية جبارة.
... ثم يأتي، بعد ذلك، من يحدثك عن هجوم جرثومي واسع ليس ما يعيشه العالم إلا تجربة بدائية عنه(السفير اللبنانية)
تعيش الولايات المتحدة، بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن، تنويعة ثانية من الحرب غير المتوازية وذلك بغض النظر عن الجهة المبادرة.
استهداف وسائل الإعلام يعطي العمل آثاراً مضاعفة. يتم تسخير التلفزيون لخدمة هدف محدد. كيف؟ يكفي أن تصل رسالة ملغومة إلى مذيع مشهور من أجل وقف البث وتخصيص ساعات مديدة للأخبار والتعليق والإدانة. وهكذا تنتقل الجرثومة، جرثومة الذعر، إلى كل بيت. وبدل إنجاز هدف التحذير والتعبئة يتحقق العكس. يطل مسؤول ليطمئن فيخيف. يشرح طبيب أن <<انتراكس>> غير معد فينسى أن الشائعة، تعريفاً، معدية.
تُكال الأوصاف الرهيبة للمجرمين فتحوّلهم إلى عدو لا يُقهر فضلاً عن أنه، حتى الآن، غير مرئي. يؤتى بطوم ريدج (وزير الأمن الداخلي الجديد) ليخاطب مواطنيه. يقول لهم إن <<الآلاف والآلاف والآلاف خضعوا للفحوصات فلم يثبت وجود المرض إلا عند
خمسة>>. <<الآلاف>> هو الرقم الذي يبقى في الأذهان. وعندما ترتفع الإصابات الفعلية تصبح الآلاف <<مؤلّفة>> أكثر.
تتدخل الأجهزة. وبما أنها تعاني من تهمة التقصير في مرحلة ما قبل 11 أيلول فإنها تختار خط المبالغة. تشرع في إطلاق تصريحات التحسب المؤكِّدة احتمال هجمات جديدة. توسِّع هامش الأمان حتى لا تُلام لاحقاً. لكن ما يتوسع، فعلاً، هو هامش الخوف الذي يقود إلى ارتفاع درجة التطلب: كيف ستحموننا من هجمات لاحقة وأنتم لا تضمنون وصول البريد سالماً ولا تلقون القبض على الإرهابيين الطلقاء!
يصعب للتطمينات أن تنفع إذا كان قائلها عاجزاً عن تحديد ولو ملمح واحد لمتهم محتمل. وعندما يدلي جورج بوش بدلوه، من الصين، يصبح الأمر لا يطاق. فهو ألمح إلى احتمال أن يكون مصدر الخطر داخلياً. وهكذا لم يعد للعدو شكله المتوسطي أو العربي أو الإسلامي طالما أنه أصبح أياً كان، أي، عملياً، كل واحد. وبما أن المرض لا يظهر سريعاً فلا شيء يمنع أن يكون كل مواطن مريضا. إلى أن يثبت العكس.
تتجه الأنظار، في هذه الحالات، إلى مركز للسلطة. لا جدوى. مبنى الكابيتول فارغ مثل <<بيت أشباح>> كما تقول الوكالات. السلطة التشريعية في الدولة الديموقراطية الأولى في إجازة قسرية هي اليتيمة في تاريخها. أما نائب الرئيس ففي ملجأ آمن. لم يعد يبقى إلا رجال الإنقاذ الذين اكتشفهم الأميركيون عقب التفجيرات. كانوا، في المرة الأولى، بشراً ذوي وجوه إنسانية يعلوها الغبار. لكنهم، هذه المرة، غريبو اللباس والأطوار يرشّون المواطنين بمواد مجهولة ويوحون، لمن يرى، أن المشهد بكامله مستقى من عالم آخر.
وينشأ، في هذا السياق البالغ المأساوية، تحالف من نوع غريب بين الإرهابيين المفترضين وبين ثقيلي الظل. تدخل السماجة على الخط فتحول مواد عادية مثل الطحين، والسكر، ومساحيق التجميل، وبودرة الأطفال، إلى مواد مشبوهة. وفي حين أن المصابين فعلاً هم أفراد فإن ضحايا <<المزاح>> بالآلاف وفي كل بلدان العالم، بما فيها لبنان، وفي عدد لا يحصى من المؤسسات، بما فيها <<السفير>>.
إن رسالة من هذا النوع يمكن لها أن تعني، فضلاً عن الخوف، استدعاء الشرطة، واستنفار المختبر، وإخلاء الأمكنة، واستقدام سيارات الإسعاف، وقطع الطرقات، والتوقف عن العمل، وإتلاف الأعصاب، وتحريك النيابات العامة، والإضرار بالسياحة، وتشويه سمعة بلد، وتحويل التواصل البريدي، وهو نشاط ضروري ويمكنه أن يكون لطيفاً، إلى تراشق محفوف بالمخاطر. ويمكن أن نتحدث اليوم عن رجال ونساء موجودين في السجن لهذه الأسباب. وإذا كان الفرنسي قد يمضي شهراً في الأسر فإن البريطاني، وهو الحريص على سمعة مزاحه الخاص، قد يمضي سبع سنوات حسب قانون جديد.
إن كلفة هذا العمل الإجرامي الإرهابي هي، في الحد الأدنى، بمليارات الدولارات في حين أن سعر المواد الجرمية أقل من ذلك بما لا يقاس. إنها الحرب غير المتوازية في <<أبهى>> تجلياتها. وهي، فوق ذلك، فعل يؤكد أن تصوير العنف (كما يحصل في أفغانستان حالياً) لم يعد يستدعي بنى لوجستية جبارة.
... ثم يأتي، بعد ذلك، من يحدثك عن هجوم جرثومي واسع ليس ما يعيشه العالم إلا تجربة بدائية عنه(السفير اللبنانية)
&














التعليقات