&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& غسان تويني
&
"(...) كنت أصغي للشيخ وهو يَلْحَن في العربية ويفتي بالجهاد! والفقه في بعض وجوهه قراءة علمية للنص العربي لـ (القرآن والسنة) له شروط علمية وذوقية تتحصل بالدرس الطويل والمباحثة والممارسة المتروّية.
(...) موضوع تأثر مستقبلي بالمسألة التي تنزع الى التعميم وتترتب عليها حركات ذات نهايات تتصل بالمصير الوطني والقومي والديني والانساني، كحركة "طالبان" وبن لادن و"القاعدة" والفقه المزاجي الذي يحكمها، على غير ما هو معتاد لدى الفقهاء في سائر المذاهب من امعان النظر وتقليب الادلة والبحث الدائم عن المخصصات للعام والمقيدات للمطلق، حذراً من تعميم الخاص واطلاق المقيد. (...) فما الذي يُلزمني بفتوى او حكم يصدر عن متفقه اشك في بلوغ فقاهته درجة تتيح له، وتسوّغ، الفتيا في اتباع مذهبه فضلاً عن غيرهم؟
وإلا فهي كارثة... كارثة ان اسلم للأخ الشاب الطري العود والعلم (فلان) من طلاب "طالبان" او "القاعدة" بأن الجهاد الآن فرض عين (...) وانا ومن ارجع اليهم من العلماء، والفقهاء الفقهاء، لا يدخل في تصورهم اننا مكلّفون غزو الغرب. وانما نحن مكلفون التصدي لاساليب الحكومات الغربية في التعاطي معنا، آخذين في اعتبارنا انه اذا اردنا ان نصل الى نتيجة ناجعة فلا بد ان نشرك شعوب الدول الغربية في تصحيح افكار دولها ونخبها الحاكمة وممارساتهم (...)".
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& من مقال السيّد هاني فحص:
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& "النهار" الجمعة 19 تشرين الجاري
&
- 1 -
أوَليس من حقنا في لبنان، أن نتساءل - انطلاقاً من بعض أكثر الكلام حكمة واتزاناً وروية - عمّن يحاول خفيةً الزام لبنان بأن يستعيض عن سبيل الحوار و"تصحيح الأفكار"، بالتهييج الغوغائي الجاهل؟... تستظلّه قوى "شريرة" "مجهولة الهوية" (معقول؟ ممكن؟) لتلقي اصبع ديناميت هنا، ثم هناك، على باب كنيسة، حتى اذا ما اضطرب الجو ولو بعض الشيء عمدت القوى الشريرة إياها (إياها، نعم نجزم!!!) إلى الاعتداء على جامع فريد في محيط هادئ، وكأنها كلها تريد استدراجنا الى الخوف فالقلق فالعيش في ترقّب الحرب المستحيلة!؟...
كل ذلك وكبار المسؤولين (يا ليتهم يفعلون ويسكتون) يستدعون ملاحقة "المسؤولين عن العدوان"، في كلام غير مسؤول وواضح من لهجته "الاستنكارية" انه لا يتوقّع لذاته ولا من نفسه ولا من سواه نتيجة...
***
تريدون الحقيقة؟
نحن نتهم الأيادي الأثيمة الشريرة إياها التي فجّرت كنيسة "سيدة النجاة" عام ،1994 أي من زهاء سبع سنوات.... وانتهت التحقيقات والمحاكمة بسجن من ثبت انه كان غير مسؤول عن التفجير (وموت الضحايا)... انما حكموا عليه بجرائم كانت مطوية... وطويت جريمة الكنيسة في ملفات النسيان وكأن ليس مَن فجّر ولا من يُلاحَقون!
ونتهم الدولة وقوى الأمن بكامل اشكاله وأجناسه ومظاهر قوته (وما تكلّف من أموال متضاعفة وغطرسة متصاعدة!!!) نتهمها بالعجز والقنوط الى حد التواطؤ الجاهل الغبي... ما دامت كل هذه "الاجهزة" لم تقبض على مجرمٍ، ولا مجرمٍ واحد... وكأنها من الأساس تنطلق من قناعة العجز، وتكتفي بترداد صدى معميّات بعض السياسيين التافهين الذين يعزون العدوان (وانه لعدوان!) الى "الأجواء المشحونة" و"الغليان" في "الشارع" و"اضطراب الناس" وما الى ذلك من السخافات.
***
ترى، ألم يحن الوقت بعد لأن تترجم أجهزة الحكم (والقضاء، القضاء، القضاء...) مثل هذه "العقلنة" التي طلبها الرئيس رفيق الحريري من "العلماء"، فلا نستمر جميعنا، من أعلى الدولة الى "أخمص" أمنها، وكأننا مستسلمون لقدر "الهياج" المصطنع؟... هياج يولّد خوفاً، و"فتائل ديناميت" تولِّد أحداثاً... وناس عادت من هجرتها، تعود تحزم حقائبها - وأمرها - من جديد... ويكتمل السيناريو الشرير، المجهول باقي الهوية؟
أوَتظن الدولة انها قادرة على ان تبقى دولة، ترتع في لامبالاة التخمة الكلامية، والناس قانعة بأن "لا حول ولا قوة" حتى ولا "بالله العلي العظيم"؟!
لا، لا... حرام، حرام...
وحذار، حذار أن تجنَّ الناس من اليأس فتحطّم الأصنام الحاكمة بدل أن تأكل بعضها البعض، وأبواب الحوار، حتى "الفقهي" منه، مسدودة، فكيف بأبواب المحبة والثقة والإيمان بميثاق الحياة المشتركة؟!...
&
- 2 -
أخشى ما نخشاه ان تقول لنا الدولة (الدولة المستقيلة من هموم المصير الى الضياع في بحران الشجارات حول التعيينات و"محاصصاتها" والخصخصات...) اننا لا نزال أسعد حالاً من فلسطين، حتى لا نقول السعودية أو أفغانستان!
أما آن لهذه الدولة أن تبلغ بعضَ زمن الرشد، فتدرك ان ما تعانيه فلسطين من تفجّرات (ليس أقلها تفجّر المجتمع السياسي الاسرائيلي) يعني لبنان بنوعٍ أخص، وان بعض الاحتراز من "الآتي الأعظم"، الآتي من فلسطين الى "الفلسطين اللبنانية" هو بالضبط ما نطالب به عندما نلح على وجوب اثبات الوجود اللبناني، وأوَّله اثبات الدولة وجودها، وذلك على مستويين:
المبادرة الى تشجيع حوار خلاق مسؤول، يستوعب ويمتص مظاهر الاضطراب الفكري والنفسي، فلا يحل "غليان الشارع" محل تعميق الثقة وتبادل الاجتهاد، من جهة...
ومن الجهة الأخرى القيام بالمستحيل (الذي ليس بالمستحيل!) للقبض على مفتعلي الاستفزازات الأمنية، بين باب كنيسة وحائط جامع، قبل ان ينتقل الاستفزاز الى اشعال "فتيل" الفتنة التي ثمة من يبقيها - ولا غباوة منه هو -& دائمة النار تحت الرماد!
***
أما عن فلسطين بالذات، فليس عندنا - أبعد من استفظاع "جنون الشر الشاروني" - غير تكرار المطالبة التي تكاد تصير رتيبة باعلان "دولة فلسطين" - نعم، الدولة، الدولة فوراً... - ولو في ظل الدبابات الاسرائيلية... دولة مغسولة بدماء شهداء اغتيالات الارهاب الاسرائيلي، معلِّم كل ارهاب، وقد آن اوان افتضاح أمره امام العالم، والتصدّي له بغير المناشدات "التصريحاتجية"!!!
نعم، اعلان "دولة فلسطين"، اليوم قبل غدٍ، والليلة قبل الصباح...
واعلانها - لِمَ لا؟ - من بيت لحم بالذات، لا من غزة... لأن اجتياح "الدبابات الصهيونية" مدينة مهد يسوع النصراني حافل بالرموز... وليس أقلها أهمية - وتاريخية -& ان اسرائيل هي التي تتولى تفنيد "باطل الدعوة" الى جهاد ضد النصارى واليهود (معاً في الكفر!!!) فتزيد التصاق المؤمنين النصارى بالمسلمين (ولو جهل منهم من جهل من الدعاة الجاهليين...)، كما تزيد يقظة الغافلين الى ان اسرائيل الحقيقية انما تستهدف الديانتين معاً، وليس العكس.
***
والذهاب الى مجلس الأمن ضروري بالطبع، صدق المطالبون من محترفي المفاوضات العقيمة...
انما الأجدى أن يذهب الرئيس "أبو عمار" الى مجلس الامن رئيساً لدولة أعلنها، ويذهب يطلب، فضلاً عن تأكيد الاعترافات الموعودة، اعلان تمتُّع الدولة بالشرعية الدولية التي طالما اراد العرب استظلالها، فخيَّبتهم لأنهم لم يحسنوا اقتناص فرص ميلها اليهم...
وها هي فرصة أخرى تكاد تفوت وتوقعنا في شباك شرك عظيم...
وهل يظن "أبو عمار" لحظةً ان شائعات احتمال اغتياله بريئة؟...& وانها ليست انذاراً، او ما هو بمثابة الانذار، يسهل ادراكه من مجرد استنتاج منطقي لمراحل المخطط الجهنمي الذي يطبّقه شارون؟
ذلك ان لا دولة لفلسطين تقوم اذا لم يكن "أبو عمار" من يعلنها من منبر التاريخ الذي يجلس وحده على منصته.
وسواء أغتيل - لا سمح الله - أو جرت المحاولة وفشلت، فالمرحلة المقبلة بعد تكاثر الاغتيالات وتحوّلها اغتيالات جماعية، وبالصواريخ والدبابات بل وبتدمير المدائن والبيوت...
المرحلة المقبلة هي مرحلة تهجير الفلسطينيين عندما ترتفع وتيرة التدمير وتتوسع رقعة الاحتلالات، ربما نتيجة ردود فعل فلسطينية لا بد واقعة، وحتماً من دون انتظار حصولها...
تهجير الفلسطينيين - نقول - وخصوصاً من بيت لحم ومدائنها، ومن غزة ربما، وغداً من الخليل طبعاً، واخيرا من القدس وكل بقعة مقدسة حتى داخل "اسرائيل" ...1967 تهجيرهم الى المملكة الاردنية التي يكون شارعها قد ألهبته التظاهرات واختل أمنها، والى لبنان الذي يكون "فتيل" العدوان على الكنائس والجوامع قد أضرم نيران مخيماته...
***
ثم ماذا بعد؟
يشيح العالم بأنظاره عن افغانستان الى شرقٍ اوسط تكون "مسيرة السلام" فيه قد صار "استئنافها" من المستحيلات، ونضج زمان تطبيق أمر واقع المخطط الاسرائيلي الدائم الحضور في خلفية كل سياسة اسرائيلية: تنقية عنصرية في اسرائيل، ودولة فلسطينية، انما في "الاردن" التي تكون معالمه قد تغيّرت بحيث تتوسع رقعته الى بعض العراق الشاسع الارض الذي بدأ& - في مطلق الأحوال - تقسيمه واقتسامه ويتكاثر الحديث عن "أفغنته"، ساحة ثانية في "الحرب على الارهاب"!!!
***
&
- 3 -
هل نحلم؟... حلماً "أبوكاليبسياً" مخربطاً؟
حلم ليلة خريف، لا ليلة صيف؟
في غد قريب، ذكرى "وعد بلفور" الذي نسي العرب انه كان حلماً صهيونياً مضينا سنوات سنوات طوالاً نكرّس نحن ذكراه بالاضرابات والتظاهرات، حتى تحقق بنتيجة ذلك واقع أبعد من الوعد.
فمن قال ان حتى كوابيس الأحلام "المخربطة" لا تتحقق... وعلى حساب، بل أشلاء من يبصرها مناماً في ليالي عذابه والشقاء؟
"تنبهوا واستفيقوا أيها العرب"، صرخ لنا شاعر من لبنان منذ ما يقارب القرن!... فتنبهنا ولكننا لم نستفق. لا نزال نياماً، وما يتحقق من أحلامنا هو كوابيس سيناريوات نهاية العالم!
ثم، ثم... من كان يظن ان جورج دبليو بوش الذي لم يكن يوم انتخابه يعرف من "العالم الخارجي" سوى جاره المكسيكي... من كان يـظن انه يلتقي بعد أشهر قليلة من انتخابه رئيسي الروسيا والصين معاً، وفي قمة في شانغهاي الصين، بينما جنوده على أرض الأفغان، حيث دُفنت جيوش امبراطوريتين ، الروسية والبريطانية؟
... وبينما هو بالصين والروسيا (ثلثي العالم وأكثر) مشغول،& تستمر لعبة الاحجام...& فكيف تُمنع اسرائيل البحجم جرثومة (متى قيست بالجبابرة هؤلاء) أن تحقق حلمها، في غفلة من الزمن؟
وفي هذا الوقت،& لبنان، والعرب أجمعين، نيام على ضيمهم والاضطراب، ليل نهار، صيفاً وخريفاً وشتاءً... ولا ربيع!!!
فليتحرك لبنان على الاقل وليستفق ليحمي نفسه، ما دام مصمماً - او مُصمّماً له، لا فرق - وممنوعاً عليه ان يعتني بـسواه...
فقط، شوارعه تتظاهر على وقع المتفجرات والفتاوى!
وحكامه يصرِّحون ويُستَصرحون، ولا يتصارحون.
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& غسان تويني
(عن "النهار" البيروتية)