&
&
&
كتب هشام ملحم : يواجه التحالف الدولي الهش الذي تقوده الولايات المتحدة الآن في افغانستان ضد الارهاب الدولي ومن يقف وراءه، تحديات مفاجئة بعض الشيء في منطقة الشرق الاوسط، تشكل مفارقة لصناع القرار والرأي في الولايات المتحدة، لان مصادرها دول حليفة وصديقة لواشنطن هي اسرائيل ومصر والسعودية. وينفي المسؤولون الحكوميون علنا وجود ازمة في العلاقات بين واشنطن وأي من هذه الدول الثلاث، ولكن ما يقولونه في الايجازات الصحافية الخلفية وعبر التسريبات لوسائل الاعلام يعطي صورة معقدة اكثر للوضع، تبين بالفعل وجود بعض التوتر في العلاقات، وان كان من الصعب الحديث بدقة عن ازمات جدية تهدد المتانة التقليدية لهذه العلاقات.
وتقول مصادر اميركية مطلعة ان الانتقادات القوية التي وجهتها الولايات المتحدة مؤخرا لاسرائيل بما في ذلك اتهامها بتصعيد التوتر وقتل المدنيين الفلسطينيين الابرياء ومطالبتها بالانسحاب الفوري من المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، تعكس استياء بعض الدوائر السياسية في واشنطن من سياسة التصعيد التي يعتمدها رئيس الوزراء ارييل شارون، والتي يرى بعض المسؤولين في واشنطن انها تستهدف تقويض بنية السلطة الفلسطينية الامر الذي سيؤدي الى فوضى شاملة وعنف اكثر في الاراضي الفلسطينية المحتلة، مع ما يمثله ذلك من عبء سياسي كبير يمكن ان يهدد بانسحاب بعض الدول العربية والمسلمة من التحالف.
وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لاقناع الرأي العام العربي والمسلم بأن حربها ضد الارهاب وتنظيم القاعدة لاسامة بن لادن، ليست حربا ضد العرب والمسلمين، وبأنها تثمن مشاركة بعض الدول العربية والمسلمة في هذا التحالف، فإن آخر ما تريده ادارة الرئيس جورج بوش، هو ان يستغل شارون انشغال اميركا في افغانستان لفرض امر واقع عليها وعلى الفلسطينيين، من خلال تقويض ما تبقى من بنى وهياكل السلطة الفلسطينية.
وتقول المصادر الاميركية المسؤولة ان المبادرة التي كانت حكومة الرئيس بوش تعتزم القيام بها لاحياء مفاوضات السلام، قبل ارهاب الشهر الماضي في نيويورك وواشنطن، لا تزال مطروحة، ولم تتخل عنها الحكومة، وليس من المتوقع الاعلان عنها إلا بعد ثبات وقف اطلاق النار والبدء بتنفيذ توصيات لجنة ميتشل. وفي هذا السياق لا تزال الاتصالات مستمرة بين وزارة الخارجية والمساعد السابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط السفير ادوارد دجيرجيان، الذي ابلغ الحكومة استعداده للعب دور الوسيط او المبعوث الاميركي الخاص لعملية السلام <<اذا تم تثبيت وقف اطلاق النار، وبدأت عملية تنفيذ توصيات ميتشل>> كما قالت مصادر مطلعة على هذه الاتصالات.
المسؤولون الاميركيون السابقون وغيرهم من المحللين، وبعض اعضاء الكونغرس يقولون الآن انهم يلمسون ردود فعل سلبية اميركية ضد اسرائيل في الاوساط السياسية، وتحديدا ضد شارون وممارسات قوات الاحتلال الاسرائيلية. ويرى السفير السابق دافيد ماك، الباحث في <<معهد الشرق الاوسط>> ان ممارسات شارون قد ترغم حزب العمل ووزير الخارجية على الانسحاب من الحكومة الاسرائيلية. واعرب ماك عن امله بأن تشجع الحكومة الاميركية وبعض قيادات الجالية اليهودية، بيريز على اتخاذ مثل هذه الخطوة، من أجل التعجيل بانتخابات جديدة، لأنه <<لا مجال لسلام حقيقي بوجود شارون في الحكم>>.
ويرى السفير والمساعد السابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط روبرت بيليترو أن المشكلة ليست اسرائيل بل شارون، والانحياز الأميركي التقليدي لإسرائيل <<ولذلك علينا تخطي هذه المشكلة، دون التخلي عن الصداقة التقليدية مع اسرائيل، وهذا يعني المزيد من الانتقادات القوية للممارسات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة، وهذه انتقادات تسمعها اسرائيل بوضوح كامل>>.
وإذا كانت الصورة واضحة بعض الشيء بالنسبة لعلاقة واشنطن بإسرائيل في هذا الوقت، فإنها أكثر غموضا وضبابية بالنسبة للعلاقة مع السعودية ومصر، حيث لا توجد مواقف أميركية رسمية انتقادية لهاتين الدولتين، وحيث يقول المسؤولون علنا إن هناك تعاونا كافيا في الحملة الراهنة ضد الارهاب.
ولوحظ في الآونة الأخيرة أن الصحافة الأميركية نشرت مقالات انتقدت فيها السعودية والى حد أقل مصر، لتردد الدولتين في التعاون الكامل مع التحالف الدولي الجديد ضد الارهاب، بعكس تعاونهما القوي في التحالف ضد العراق بعد غزوه للكويت. وتضمنت هذه المقالات والتحليلات مطالبة واشنطن بإعادة النظر بعلاقاتها بالرياض، وانتقادات لواشنطن لأنها سمحت للرياض بخلق أجواء معادية لأميركا في السعودية وأفغانستان وغيرها من الدول العربية والاسلامية، من خلال دعمها لتنظيمات وجمعيات ومدارس إسلامية تعتمد تفسيرات متشددة للدين الاسلامي وللعلاقة مع الغرب. كما انتقدت هذه المقالات ما وصفته بتردد السعودية في التعاون مع واشنطن في توفير المعلومات عن مصادر تنظيم القاعدة في السعودية، بالاضافة الى انتقادات لطبيعة النظام السياسي السعودي المتشدد والفساد المستشري فيه، وهي من العوامل التي يستخدمها الاسلاميون والمعارضون لتعبئة الدعم ضد السعودية وحليفتها واشنطن.
ومع أن بعض المراقبين للعلاقة بين أميركا وكل من السعودية ومصر، ومن بينهم روبرت بيليترو ويقولون إن الحديث عن <<أزمة>> في العلاقات مبالغ فيه، إلا أنهم يضيفون أن هناك في واشنطن من يتساءل حول مواقف هاتين الدولتين في التحالف ضد الارهاب <<ولكن الادارة الأميركية تقول إنها راضية عن مواقفهما>> وفقا لبيليترو.
من جهته يضع دافيد ماك الكثير من اللوم على المناخ السلبي الذي يخيم على العلاقة بين واشنطن والقاهرة على عاتق الصحافة المصرية التي تغالي في مهاجمة الولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة وتحملها مسؤولية جميع السلبيات في الشرق الأوسط. ويشير ماك الى أن الصحافة الأميركية بدأت مؤخرا بنشر مقالات وتحليلات نقدية لمصر. ويضع ماك اللوم على الحكومتين لإخفاقهما في الإسراع الى تصحيح العلاقات، الأمر الذي يسمح للنخب السياسية والاعلامية في البلدين لمهاجمة بعضهما البعض بشكل مجحف.
وحول السعودية، يقول ماك إن الصحافة الأميركية ركزت في الآونة الأخيرة على لوم النظام السعودي في خلق الارهابيين الذين هاجموا نيويورك وواشنطن، لأنه نظام فاسد ومتسلط ويتمد نظاما تعليميا عدائيا للغرب والحداثة، كما اتهمت بعض المقالات السعودية بشراء الحماية من تنظيمات إرهابية، تسامحت معها الرياض طالما أنها تركز غضبها على الغرب. ويضيف ماك أن هذه المواقف في الإعلام الأميركي تعكس مواقف مسؤولين في الحكومة، ويشدد ماك على أن منتقدي السعودية ومصر في الحكومة الأميركية هذه المرة <<ليسوا من المعادين تقليديا للعرب والاسلام، أو من المحسوبين على اسرائيل>> وهي مفارقة ملفتة للنظر. وأضاف ماك أن بعض أصدقاء السعودية في الحكومة وخارجها يقولون مثلا إن النظام التعليمي في السعودية مسؤول عن تخريج آلاف الشباب المتزمتين من المدارس الدينية، وان هؤلاء يمثلون مشكلة ليس فقط للغرب بل للسعودية. (السفير اللبنانية)