&
&
&
كتب حلمي موسى: شهدت الأسابيع الأخيرة، منذ الحادي عشر من أيلول الماضي تغييرا واضحا في اللهجة الأميركية عند مخاطبة إسرائيل. ورأى البعض أن هذا التغيير لحظي ومؤقت. وأشار قسم من هؤلاء إلى أن التغيير حتى وإن كان مؤقتا هو تغيير جدي، في حين أصر آخرون على أنه مجرد تغيير شكلي لا يحمل في الواقع أي معنى. ومقابل كل هؤلاء كان هناك من أصر على عدم وجود أي تغيير، لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون.
وفي كل حال، فإن تغيير اللهجة الأميركية أوجد سجالا حادا في إسرائيل حول ذلك. وفي الوقت الذي رأى البعض، خاصة في صفوف المعارضة، ان هذا التغيير يشكل خطرا استراتيجيا على إسرائيل، رأى آخرون، خاصة في صفوف اليمين الإسرائيلي، أنه ليس هناك أي خطر، أو حتى تغيير. وقد يكون هذا السجال ودواعي فهمه دافعا لتحليل المعطيات العلنية التي برزت في اختلاف موقفي رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون ووزيرخارجيته شمعون بيريز، حول وجود أو عدم وجود ضغوط أميركية على إسرائيل.
والواقع أنهم، على الأقل داخل مثلث القيادة الأولى في إسرائيل، أدركوا حجم وحدود التغيير الذي طرأ على موقف الإدارة الأميركية، وحاولوا في الأيام الأخيرة تكييف الموقف الإسرائيلي مع هذا التغيير. ولهذا السبب أعلن رئيس الحكومة أرييل شارون عن شكره العميق للدور الذي لعبه شمعون بيريز مع الأميركيين. ولا يمكن فهم مغزى هذا الشكر إلا إذا علمنا أن اليمين الإسرائيلي عمد إلى إشاعة اتهامات تفيد أن بيريز كان المحرض وراء الموقف الأميركي المطالب بالانسحاب الفوري من المدن الفلسطينية.
عموما، عندما عاد شمعون بيريز من جولته الأميركية لخص للإسرائيليين حقيقة التغيير الذي طرأ، من وجهة نظره على أميركا. وحسب صحيفة <<هآرتس>>، فإن بيريز قال: <<لقد انتقلت أميركا من عهد إلى عهد. ونحن لم نبدأ بعد في فهم ما يجري هناك. إنهم لم يعودوا يفكرون في كيفية الدفاع عن إسرائيل، وإنما يفكرون في كيفية الدفاع عن أنفسهم في حرب مجنونة>>.
وكانت إسرائيل اليمينية، التي لا زالت تعالج الحاضر بطرق الماضي، قد قررت تسيير قطار جوي لحمل وفود الشارحين الإسرائيليين الذين سيظهرون لصناع القرار وصناع الرأي في أميركا كم أن إسرائيل على حق في حربها ضد الإرهاب الفلسطيني. ولكن أميركا المشغولة بحربها بعثت برسالة مختصرة: <<أميركا تغيرت. إنها تتعرض الآن لهجوم الأنتراكس وتشن الهجوم في أفغانستان، وليس بوسعها التفرغ للمشاكل المحلية بين إسرائيل والفلسطينيين>>.
الاستياء
ولأن الإدارة الأميركية متوترة، ولا ترى الآن سوى صراعها الخاص تعاملت بدرجة عالية من الفظاظة ليس فقط مع إسرائيل، وإنما كذلك مع السلطة الفلسطينية. والواقع أن هذه الفظاظة دفعت رئيس السلطة الفلسطينية، ومنذ الحادي عشر من أيلول الماضي الى اتخاذ جملة تدابير تهدف إلى تخفيف الانتفاضة، إن لم يكن وقفها. ولكن إسرائيل التي واصلت سياسة التصفيات للنشطاء الفلسطينيين لم تسهم في تهدئة الوضع. وهذا ما استثار غضب إدارة بوش.
والواقع أن الإدارة الأميركية استاءت كثيرا من تحركات حكومة شارون، خاصة بعد أن أدركت أن هذه التحركات تضعف الجهود الأميركية لمواصلة الاحتفاظ بالتحالف الدولي الذي أقامته <<لمناهضة الإرهاب>>. وقد بلغ هذا الاستياء مستوى جديدا بعد أن تراءت للإدارة الأميركية شارات وجود مخطط لدى حكومة شارون، ولدى الجيش الإسرائيلي لتقويض السلطة الفلسطينية وطرد رئيسها ياسر عرفات.
وبلغ هذا الاستياء درجة الخوف عندما وصلت الى أميركا معلومات تفيد أن الجيش الإسرائيلي <<وسّع كثيرا>> من التفويض الذي حصل عليه من المستوى السياسي، وأن هناك <<أماكن خرج فيها الجيش الإسرائيلي عن السيطرة السياسية>>. ولكن هذا الخوف كان يترافق أيضا مع الخشية بأن تدمير السلطة الفلسطينية سيقود إلى حمام دماء. وهذا، حسب تعبير بن كسبيت في صحيفة <<معاريف>>، <<من المتوقع أن يقود إلى سلسلة تفاعلات: مظاهرات في القاهرة وعمان والرياض، وانهيار للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والأسوأ من ذلك: الخطر الواضح والمباشر على استقرار النظام في الباكستان>>.
ويضيف كسبيت أن بوش فهم علاوة على ذلك أنه إذا ما أراد العودة إلى كرسي الرئاسة، فإن عليه تحقيق النصر (ولو ظاهريا) في أفغانستان، وإعادة ترميم الاقتصاد الأميركي. كما أن أي خطر على النظام السعودي سوف يقود إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، الأمر الذي قد يدمر تماما النظام الاقتصادي الأميركي، ويقود إلى تدهور اقتصادي خطير وإلى طرد بوش من منصبه.
وحسب تعبير كسبيت: قرر بوش العمل. <<إذا كان الإسرائيليون لا يفهمون ما نهمس به في آذانهم، فإن الوقت قد حان للصراخ. وهذا ما ولد التصريحات الأميركية الحادة ضد إسرائيل في الأسبوع الفائت>>.
وتواصل اورلي أزولاي كاتس في صحيفة <<يديعوت أحرنوت>> الفكرة نفسها، فتشير الى وقوف أميركا <<بأسرها>> خلف بوش، في مشاعر وحدة تامة. <<ولم يعد بوسع إسرائيل المناورة بين أنصارها في الكونغرس وخصومها في الإدارة الأميركية>>. وكتبت ان الأميركيين عقدوا العزم على تصفية الحساب مع بن لادن والقاعدة، وكل من يعرقل ذلك سوف يتورط.
وأشارت إلى أنه عندما سمع بوش بتقدم الدبابات الإسرائيلية نحو مراكز المدن الفلسطينية أمر بإصدار تصريحات شديدة اللهجة ضد إسرائيل.
ويقول شمعون شيفر في <<يديعوت أحرنوت>> أيضا ان <<القصور الأساسي في صفوف المقربين من شارون في كل ما يتعلق بالمواجهة الحالية مع بوش>> ينبع من أن رئيس الحكومة لم يستوعب بعد مزاج صناع القرار في الإدارة الأميركية، من اليوم الذي بدأت فيه عملية <<العدالة المطلقة>>. ويضيف أن بوش لم يكتم غضبه من التنظير الأخلاقي الذي قدمه شارون. وحسب مصدر سياسي رفيع المستوى فإن الصورة عند الأميركيين هي على النحو التالي: <<بوش أعلن أن الاميركيين فقط، من الآن وحتى إشعار آخر سوف يستخدمون الطريق السريع، غير أن شارون سافر على هذا الطريق وادعى أن من حقه السفر هناك، حتى وإن كان الأميركيون يريدونه أن يغيب عن أنظارهم>>.
ولم يرق ذلك لا للأميركيين، ولا لحاكم تكساس السابق، الذي كان يريد من شارون وعرفات <<بعض الهدوء الى حين إتمام مهمته في أفغانستان>>. واستشاط بوش غضبا من شارون. وحسب صحيفة <<معاريف>>: <<استخدم بوش عبارته المحببة الى قلبه (Fuck them)>>. وبعدها أضاف: <<ليت وباء يصيبهم>>.
ويضيف كسبيت، انه في الوقت الذي كانت فيه تقديرات حاشية شارون تشير الى أن الأميركيين سوف يغضون البصر، وأن بالوسع استغلال الوضع، كان خبراء الإدارة الأميركية يعكفون على تحليل جديد للوضع، وأنهم توصلوا الى استنتاجات جديدة.
فالسيناريوهات التي وضعت على طاولة بوش ورامسفيلد أفادت أن شارون قد يفهم <<الخصام>> الأميركي على أنه تصريح ضمني له بالقضاء على السلطة الفلسطينية. ولذلك جرى رفع وتيرة <<الصراخ>> الأميركي.
الرسائل الأميركية
ويحاول عكيفا ألدار في <<هآرتس>> طرق المسألة من زاوية أخرى. فيكتب <<ماذا يريد الأميركيون من شارون؟ إنه ببساطة يكافح ضد منظمات إرهابية مدرجة في القائمة الأميركية السوداء. ومنذ متى يهتم مسيحي غربي محافظ عندما يقتل اليهود والعرب بعضهم بعضا؟ وبالفعل، فإنه بعد أن ذبح مسلمون متزمتون آلاف الأميركيين ووصل الأنتراكس تلة الكابيتول، لم يعد مقتل عشرات الفلسطينيين يقض مضاجع بوش. وقد أشار دبلوماسيون إسرائيليون في واشنطن إلى الاهتمام المتدني الوارد في ردود فعل الإدارة الأميركية على سلسلة التصفيات الأخرى. غير أن ثمة فارقا جوهريا بين سيارة مخرب مطلوب تحترق في شارع في مدينة فلسطينية وبين دبابة إسرائيلية أمام كنيسة في بيت لحم>>.
ومع ذلك، وأثناء <<الصراخ>> الأميركي وجهت إدارة بوش رسائل مطمئنة إلى إسرائيل. إذ أبلغتها بعدم نيتها في الوقت الحاضر إطلاق خطة سياسية جديدة. وأوضحت لها أن إسرائيل ستفعل خيرا إن ساعدت أميركا على اجتياز المرحلة الأولى من الخطة للوصول إلى المرحلة الثانية التي قد تستهدف إيران والعراق وربما دولا عربية أخرى. وإسرائيل، على ما يبدو، كانت تعيش صراعها الأبدي، بين متطلبات وضعها الداخلي وعلاقاتها الاستراتيجية. وهذا ما لخصه أحدهم بالصراع بين الأمن، وبين الأمن القومي.
عموما، لخص ألوف بن في <<هآرتس>> الرسالة الأميركية لإسرائيل في ثلاث نقاط:
التهدئة: ان الرئيس الأميركي جورج بوش محب لإسرائيل، وليست لإدارته أي نوايا للمساس بإسرائيل أو <<للدفع بالعملة الإسرائيلية>> للدول العربية.
القلق: أعربت كل قيادة الإدارة الأميركية عن القلق من التصعيد في المواجهات بين إسرائيل والفلسطينيين. ولذلك وجهت لإسرائيل تحذيرا شديد اللهجة يفيد بأن الإدارة لن تؤيد أي عمل يقود إلى تدمير السلطة الفلسطينية. فمن شأن عمل كهذا أن يقوض الاستقرار الإقليمي. وهذا هو <<الخط الأحمر>> الأميركي تجاه إسرائيل.
الآمال: يطالب الأميركيون بعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل اغتيال زئيفي للشروع بتنفيذ خطة تينيت وتقرير ميتشل.
من الواضح أن للأميركيين آمالا، ولو مؤقتة، ولكن كيف بالوسع تحقيق الآمال هذه إذا كان شارون يسعى لتحقيق وعده لرحبعام زئيفي، بتحقيق النصر. (السفير اللبنانية)