ريتشارد بتلر*
لا بدّ اولا من تسمية الاشياء باسمائها: ان ارسال بريد مرفق بالانثراكس عمل إرهابي. والواقع ان ما يهدف الإرهابيون اليه هو ان يسود الشعور بالفزع، وهم افلحوا في هذا الى حد ما حتى الآن. ان مجرد البحث عن اقراص "السيبرو" في الصيدليات يؤكد ذلك. اما إذا كان الارهابيون يهدفون الى استخدام الاسلحة البيولوجية للقتل على نطاق واسع، فإنهم لم يفلحوا، ايضا... حتى الآن. لكن من أجل أن نضمن فشلهم دائما، علينا التصرف بسرعة، متبعين طريق العلم الى حد كبير. وفي نهاية ذلك الطريق فإن ابعاد رد الفعل على هذا الشكل من الارهاب ستدخل في الصورة، وستكون الصورة داكنة وشريرة إذا ما اكتشفنا ان الانثراكس الذي ينشر في الولايات المتحدة قامت دولة ما بتجهيزه.
بيد انه يتعين علينا أولا تحديد أي نوع من الانثراكس كان في الرسائل أو الرزم البريدية. هل كان مادة قاعدية أساسية جرى تخميرها في أحد الأدوار السفلية من بناية ما؟ أم أنه كان مادة أكثر تطوراً ومن مستوى الأسلحة، وهو ما لا يمكن صنعه إلا على يد أشخاص مهرة يمتلكون معدات ثمينة؟ إن نتائج التحقيق الآتية من مكتب السناتور توم داتشل ـ رغم انها ما تزال تجريبية وغير نهائية ـ قد تشير إلى الحالة الأخيرة، وهو ما يمكن أن يكون أمراً جدياً وخطيراً.
وعندما نعرف الإجابة عن هذا السؤال الأول التقني، نستطيع أن ننتقل إلى السؤال الثاني: من يمتلك المهارة والمعدات الضرورية؟ ان الاجابة عن هذا السؤال قد تضعنا في موضع ملائم للتوصل إلى ما هو أساسي، أي اكتشاف من الذي يرسل الانثراكس في البريد، وبالتالي ايقاف هذه العملية، والتعامل مع مصدر الانثراكس، اذا لم يكن المرسلون انفسهم يصنعونه.
إذا ما اخذنا بالحسبان النوعية الظاهرة للانثراكس الذي ارسل بالبريد الى مجلس الشيوخ، فإن القائمة المرشحة للاجابة عن السؤال الثاني قائمة محدودة. فالانثراكس ذو النوعية العالية صنع من جانب الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وعدد قليل آخر من المشاركين في الحرب الباردة. والنتيجة هنا هي ان هناك مجموعة من العلماء ممن يمتلكون المهارة المذكورة. غير ان الوصول الدائم الى المعدات المستخدمة في صنع الانثراكس من درجة الأسلحة أمر تحوم حوله الشكوك، فكل تلك الدول وقعت على معاهدة الأسلحة البيولوجية لعام 1972، وتعهدت بعدم استخدام الأسلحة البيولوجية وتدمير المخزون الحالي منها. ويبدو أن جميع هذه الدول قد تصرفت في ضوء المعاهدة، باستثناء روسيا التي واصلت العمل ببرنامج سري ضخم للأسلحة البيولوجية، بما في ذلك تصنيع الانثراكس، حتى عام 1995.
لقد وقع العراق، ايضا، على المعاهدة عام 1972، ولكنه ـ تنفيذا لتوجيهات الرئيس صدام حسين ـ باشر العمل في برنامج أسلحة بيولوجية واسع، لعب انتاج الانثراكس فيه دوراً رئيسياً. وباعتباري مسؤولا خلال الفترة من 1997 حتى 1999عن جهود الأمم المتحدة لإزالة أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها صدام حسين، اكتشفت قاعدة عامة عملية جديرة بالإشارة إليها، وهي ان الرقابة على الأسلحة كانت مؤشراً ملائماً على الكيفية التي كان صدام مهتماً بها من حيث نظام الأسلحة التي نحن بصددها، وقد استنتجت أن الأسلحة البيولوجية هي الأقرب إلى شخصيته وطبيعته، ذلك انه في هذا الميدان وصلت معارضته لعملنا الى ذروتها، وبدا أنه يفكر في ان القتل بواسطة الجراثيم ذو علاقة كبيرة بتزكية تلك الأسلحة.
وكان العراق يواجه مشاكل في تطوير الانثراكس الخام وتحويله الى الشكل الأكثر فعالية مع ابقائه بصيغة جسيمات صغيرة جافة. وقد أنفق صدام حسين ملايين الدولارات لتوفير المعدات الضرورية. وبسبب معارضته لبرنامجنا في الرقابة على الأسلحة، لم نعرف قط، ما الذي أنجزه بالضبط، لكننا نعرف أنه زود القذائف والقنابل ورؤوس الصواريخ بالانثراكس.
وخلال السنوات الثلاث الماضية لم تجر زيارة العراق من جانب مفتشي الأسلحة الدوليين، ومن المستحيل معرفة الخطوات اللاحقة التي اتخذها صدام خلال هذه الفترة، ولكن كل الدلائل تشير إلى أنه ظل يواصل برنامج الأسلحة البيولوجية. وإذا ما أدى الطريق العلمي إلى العراق باعتباره مصدر الانثراكس الذي يستخدمه الارهابيون ضد الولايات المتحدة، فلا يجب أن يكون هذا مفاجأة لأحد. فما تردد عن اللقاءات بين محمد عطا، الذي يُعتقد انه منظم هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ومسؤول في المخابرات العراقية في براغ في يونيو (حزيران) من العام الماضي، ربما يوحي ان تلك اللقاءات كانت لتزويد عطا بالانثراكس. يضاف الى ذلك ان هناك ايضا تقارير عن لقاءات جرت بين مسؤولين كبار في المخابرات العراقية وأعضاء في تنظيم القاعدة.
لكن، هناك ايضا حاجة للتحقيق في احتمال أن يكون مصدر الانثراكس روسياً بسبب حجم ومدى برنامج روسيا السابق وانهيار أجزاء كبيرة من مختبرات أسلحتها. ومن غير الواضح، ما الذي حل بالمواد البيولوجية التي صنعتها. لقد بات ثابتا ان مجموعات اجرامية حاولت بيع مواد نووية روسية، فهل يمكن أن يصح الشيء ذاته في مجال المواد البيولوجية ومهارات صنع الأسلحة البيولوجية؟ اننا بحاجة إلى الحقائق، أما القضايا السياسية فستأتي لاحقاً.
* المفتش السابق عن اسلحة الدمار الشامل في العراق ـ خدمة "نيويورك تايمز" ـ خاص بـ "الشرق الأوسط"
&