&
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& حازم صاغية
ارتفعت أصوات البعض: لو كانت هناك ديموقراطية... ينبغي ان تكون هناك ديموقراطية... . صحيح. لكن الديموقراطية لها شروط. من دونها يبقي الكلام ما بين لغو وتبشير.
أول الشروط: المسؤولية. الديموقراطية تنطوي علي مسؤولية عن النفس بعيداً عن الوعي التبريري: نحن ضحايا . وحين يصل الأمر الي الديموقراطية: نحن ضحايا أميركا طبعاً، لأنها منعتنا من أن نصير ديموقراطيين .
ما ينبغي، قبل أيّ ينبغي أخري، هو الاقلاع عن هذه الكذبة التي ترفع المسؤولية عن النفس: صحيح أن أميركا لم تكن معنيّة بتحولنا الي الديموقراطية. هذا ليس همّها بل همّنا نحن، أو هكذا ينبغي. وهذا - في أيام الحرب الباردة - كان آخر همومها. للأسف؟ نعم. لكنْ هذه هي الحال (والذين يقولون عن أميركا عدو مطلق، ينبغي ان لا يُصابوا بالأسف أصلاً).
المهم: متى كنا علي وشك ثورة ديموقراطية قمعتها أميركا؟ ثوراتنا هي من الصنف القومي والديني. ليست من الجنس الديموقراطي. يمكن دائماً حشد الملايين لمظاهرة تندد باليهود في فلسطين، او بالاميركان في لاغوس، ولا يمكن حشد المئات في مظاهرة تندّد بالتطاول علي الحريات الصحافية.
الاستثناء الوحيد في منطقتنا حصل في ايران. حكومة محمد مصدق المنتخبة أطاحها انقلاب مدعوم من واشنطن. بعد ذاك بربع قرن ردّت إيران بعنف من خلال الخمينية التي دشنت سلطتها بالاستيلاء علي السفارة الاميركية في طهران. لكنْ بعد 02 عاماً علي اطاحة مصدق، كان الانقلاب علي أليندي في تشيلي. التشيليون تعافوا من الرضّة العائدة الي 3791. الآن يتعاون نظامهم اليساري بشكل طبيعي مع واشنطن. الإيرانيون لم يتعافوا من الرضّة العائدة الي 4591. احتلال السفارة والضربات اللاحقة التي وجهتها طهران، او رعتها، للسياسة الاميركية في المنطقة، لم تؤدّ الي إشباع. هذا التطلّب النهم للانتقام شيء يستدعي القلق علي إيران. علي احتمال أن تتحول الديموقراطية الي أولويتها المطلقة.
إذاً، الخطوة الأولي: الاقرار بأننا نحن المسؤولون. بأننا نحن من لم يطوّر بدايات ديموقراطية. حصل العكس: جاءتنا المؤسسات التمثيلية مع الاستعمار. قضينا عليها بمجرد رحيل الاستعمار.
لنقل إننا، مع التجربة اللبنانية، عبّرنا عن ثقافة طاغية في المنطقة: كون لبنان الأكثر ديموقراطيةً لم يعن للآخرين ضرورة تقليده. ضرورة حمايته. عني فقط: الاستفادة من الفسحات التي تتيحها الديموقراطية لإطاحتها جملةً وتفصيلاً. السبب: أن الأولوية عندنا للقومي، أو ما يتراءي أنه القومي. للديني، أو ما يتراءي أنه الديني. أما الديموقراطي؟ فمرحبا خال!
والديموقراطية شرطها التنمية بقدر ما أن الطبقة الوسطي شرط قوتها واستقرارها. ومن دون استثمارات، التنمية لا تحصل. الطبقة الوسطي لا تقوي. والاستثمارات، بدورها، لا تأتي في ظل هيجان القضايا: نريد أن نحرر. نريد أن نوحّد. نريد أن...
المبالغة بالقضايا، علي ما هي حالنا، تخلق مجتمعات معبّأة ومتوترة. مجتمعات لا تأتي اليها الاستثمارات لأن ميلها الدائم الاستثمار بالدم.
البعض يقول: نريد الديموقراطية لأننا نريد أن... نقاتل. المنطق يعمل هكذا: نحن الأكثرية. نحن نريد أن نقاتل. إذاً: الديموقراطية تخدم قضية المجابهة. صحيح. لكنها بطاقة سفر بخط واحد: تصل مرةً الي السلطة بالانتخاب. تدخل الحرب. تطول الحرب. تتعطّل الحريات والمؤسسات. وداعاً ايتها الديموقراطية.
لا يبقي من هذا كله الا الشهادة التاريخية علي اننا لا نعبأ بها. علي اننا نريدها وسيلةً لأغراض لا صلة لها بالموضوع: الديموقراطية تنطوي علي ايلاء الأولوية للداخل: لتوسيع فسحة الحريات. لتعزيز فردية الأفراد. لتوطيد الفصل بين الخاص الشخصي والعام.
والنخبة الديموقراطية هي التي يحرّكها التفكير في الداخل. تتراجع في الخارج وتتنازل لكي تضمن تطوير الداخل. تطوير العلاقات بين البشر، وتطوير البشر أنفسهم من ثم. لهذا فوعيها مهجوس بنقد واقعها. نقد قيمها. نقد ثقافتها. نقد تعسف السلطة فيها. وهذا علي عكس النخبة القومية التي تتشكّل علي ايقاع البحث عن وحدة الجماعة وتماسكها في وجه العدو.
النخبة القومية لا تكفّ عن تسخيف الديموقراطية حين تتظاهر بها. تتحدث عن الديموقراطية في الوطن العربي مثلاً. ولا يخطر في البال ان هذه القيم ومؤسساتها مصنوعةٌ لدولة بعينها، دولة مستقلة وسيدة وعضو في الأمم المتحدة. هذا شرط شروط الديموقراطية الغائب في كلامنا عنها. (عن "الحياة" اللندنية)
أول الشروط: المسؤولية. الديموقراطية تنطوي علي مسؤولية عن النفس بعيداً عن الوعي التبريري: نحن ضحايا . وحين يصل الأمر الي الديموقراطية: نحن ضحايا أميركا طبعاً، لأنها منعتنا من أن نصير ديموقراطيين .
ما ينبغي، قبل أيّ ينبغي أخري، هو الاقلاع عن هذه الكذبة التي ترفع المسؤولية عن النفس: صحيح أن أميركا لم تكن معنيّة بتحولنا الي الديموقراطية. هذا ليس همّها بل همّنا نحن، أو هكذا ينبغي. وهذا - في أيام الحرب الباردة - كان آخر همومها. للأسف؟ نعم. لكنْ هذه هي الحال (والذين يقولون عن أميركا عدو مطلق، ينبغي ان لا يُصابوا بالأسف أصلاً).
المهم: متى كنا علي وشك ثورة ديموقراطية قمعتها أميركا؟ ثوراتنا هي من الصنف القومي والديني. ليست من الجنس الديموقراطي. يمكن دائماً حشد الملايين لمظاهرة تندد باليهود في فلسطين، او بالاميركان في لاغوس، ولا يمكن حشد المئات في مظاهرة تندّد بالتطاول علي الحريات الصحافية.
الاستثناء الوحيد في منطقتنا حصل في ايران. حكومة محمد مصدق المنتخبة أطاحها انقلاب مدعوم من واشنطن. بعد ذاك بربع قرن ردّت إيران بعنف من خلال الخمينية التي دشنت سلطتها بالاستيلاء علي السفارة الاميركية في طهران. لكنْ بعد 02 عاماً علي اطاحة مصدق، كان الانقلاب علي أليندي في تشيلي. التشيليون تعافوا من الرضّة العائدة الي 3791. الآن يتعاون نظامهم اليساري بشكل طبيعي مع واشنطن. الإيرانيون لم يتعافوا من الرضّة العائدة الي 4591. احتلال السفارة والضربات اللاحقة التي وجهتها طهران، او رعتها، للسياسة الاميركية في المنطقة، لم تؤدّ الي إشباع. هذا التطلّب النهم للانتقام شيء يستدعي القلق علي إيران. علي احتمال أن تتحول الديموقراطية الي أولويتها المطلقة.
إذاً، الخطوة الأولي: الاقرار بأننا نحن المسؤولون. بأننا نحن من لم يطوّر بدايات ديموقراطية. حصل العكس: جاءتنا المؤسسات التمثيلية مع الاستعمار. قضينا عليها بمجرد رحيل الاستعمار.
لنقل إننا، مع التجربة اللبنانية، عبّرنا عن ثقافة طاغية في المنطقة: كون لبنان الأكثر ديموقراطيةً لم يعن للآخرين ضرورة تقليده. ضرورة حمايته. عني فقط: الاستفادة من الفسحات التي تتيحها الديموقراطية لإطاحتها جملةً وتفصيلاً. السبب: أن الأولوية عندنا للقومي، أو ما يتراءي أنه القومي. للديني، أو ما يتراءي أنه الديني. أما الديموقراطي؟ فمرحبا خال!
والديموقراطية شرطها التنمية بقدر ما أن الطبقة الوسطي شرط قوتها واستقرارها. ومن دون استثمارات، التنمية لا تحصل. الطبقة الوسطي لا تقوي. والاستثمارات، بدورها، لا تأتي في ظل هيجان القضايا: نريد أن نحرر. نريد أن نوحّد. نريد أن...
المبالغة بالقضايا، علي ما هي حالنا، تخلق مجتمعات معبّأة ومتوترة. مجتمعات لا تأتي اليها الاستثمارات لأن ميلها الدائم الاستثمار بالدم.
البعض يقول: نريد الديموقراطية لأننا نريد أن... نقاتل. المنطق يعمل هكذا: نحن الأكثرية. نحن نريد أن نقاتل. إذاً: الديموقراطية تخدم قضية المجابهة. صحيح. لكنها بطاقة سفر بخط واحد: تصل مرةً الي السلطة بالانتخاب. تدخل الحرب. تطول الحرب. تتعطّل الحريات والمؤسسات. وداعاً ايتها الديموقراطية.
لا يبقي من هذا كله الا الشهادة التاريخية علي اننا لا نعبأ بها. علي اننا نريدها وسيلةً لأغراض لا صلة لها بالموضوع: الديموقراطية تنطوي علي ايلاء الأولوية للداخل: لتوسيع فسحة الحريات. لتعزيز فردية الأفراد. لتوطيد الفصل بين الخاص الشخصي والعام.
والنخبة الديموقراطية هي التي يحرّكها التفكير في الداخل. تتراجع في الخارج وتتنازل لكي تضمن تطوير الداخل. تطوير العلاقات بين البشر، وتطوير البشر أنفسهم من ثم. لهذا فوعيها مهجوس بنقد واقعها. نقد قيمها. نقد ثقافتها. نقد تعسف السلطة فيها. وهذا علي عكس النخبة القومية التي تتشكّل علي ايقاع البحث عن وحدة الجماعة وتماسكها في وجه العدو.
النخبة القومية لا تكفّ عن تسخيف الديموقراطية حين تتظاهر بها. تتحدث عن الديموقراطية في الوطن العربي مثلاً. ولا يخطر في البال ان هذه القيم ومؤسساتها مصنوعةٌ لدولة بعينها، دولة مستقلة وسيدة وعضو في الأمم المتحدة. هذا شرط شروط الديموقراطية الغائب في كلامنا عنها. (عن "الحياة" اللندنية)
&











التعليقات