&
&
&
كتب موسى حلمي : قلة من المعلقين الاسرائيليين كانت ترى ضرورة إقدام اسرائيل على العملية العسكرية الواسعة لاحتلال مواقع داخل المدن الفلسطينية، وأغلبية كانت ترى أن هذه العملية، حتى إن لم تضر اسرائيل، فإنها لن تنفعها. وحدها القيادة الاسرائيلية هي التي تغنّت بإنجازات العملية العسكرية الواسعة. واعتبر قادة اليمين الاسرائيلي أن درة تاج الإنجازات الاسرائيلية ليست أقل من منع العمليات العسكرية الفلسطينية، سواء ضد المستوطنين أو ضد المدنيين في داخل الخط الأخضر.
وكان بوسع إنجاز كهذا أن يدفع رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون الى التباهي بأنه حقق عبر الاحتلال المباشر لأطراف المدن الفلسطينية وتطويق هذه المدن، الأمن للإسرائيليين المفقود منذ وقت طويل. غير أن عملية الخضيرة، وعملية وادي عارة، بصرف النظر عن عدد القتلى والجرحى، بددتا بسرعة الوهم الاسرائيلي بإمكانية تحقيق الأمن عبر استخدام القوة، وأثبتتا بطلان النظرية الاسرائيلية القائلة بإمكانية التواجد في قلب الفلسطيني ومنع الفلسطيني من التواجد في صلب الاسرائيلي. كما قضتا تقريبا على كل الوهم الاسرائيلي الخالد بإمكانية تحقيق الأمن على حساب معاناة الفلسطينيين.
نظرية اسرائيل في نقل المعركة الى <<أراضي العدو>>، لم تعد طريقا في اتجاه واحد. صار بوسع الفلسطينيين، منذ وقت طويل، أن ينقلوا المعركة متى شاؤوا الى <<أراضي العدو>>. وما كان حتى وقت قريب حقا حصريا للاسرائيليين، صار مشاعا للجميع.
صحيح أنه كان هناك في اسرائيل، من طالب، منذ البداية، بسرعة الانسحاب من المدن الفلسطينية، وكان من الواضح لبعض هؤلاء أن الفلسطينيين سوف يتبينون، بسرعة، نقاط الضعف في الانتشار الاسرائيلي المدرّع، وسيجدون طريقهم نحو تنفيذ عمليات جديدة. وكأن من كان يدرك هذه النقطة، يريد الإشارة للجميع بأنه إذا كان لدى الاسرائيلي أي وهم بتحقيق إنجاز، فمن الأفضل أن يحاول المحافظة عليه. وليس ثمة وسيلة الى ذلك أفضل من الانسحاب السريع، قبل أن يتبدد وهم الإنجاز هذا.
وقد ثبت أن هؤلاء كانوا على حق. فالدبابات الاسرائيلية لا تقف للمرة الأولى بجوار البيوت الفلسطينية. ومن المؤكد أنها كانت هناك ولم تحقق الأمن، وقد تجد نفسها هناك مرة أخرى ولن تستطيع تحقيق الأمن. فالأمن ليس مجرد بُعد عسكري، بل هو جزء من منظومة شاملة. ولكن القيادات الاسرائيلية، وخاصة تلك التي تربت على نظرية الأمن الاسرائيلية، التي تعتمد على القوة والردع وحسب، تجد نفسها اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تناطح الجدار، وبالتأكيد من دون أي جدوى.
فالقيادات الإسرائيلية، سواء من الليكود أو حزب العمل، التي ما أن رأت الدبابات الاسرائيلية تعربد في المدن الفلسطينية، حتى أوهمت نفسها بإمكانية فرض شروط أكثر إذلالاً على الفلسطينيين لتنفيذ الانسحاب. وهكذا ماطلت هذه القيادة في تنفيذ اتفاق الانسحاب من بيت لحم وبيت جالا، على أمل أن يقود ذلك الى شروع السلطة الفلسطينية إما بحملات اعتقال داخلية أو بتقديم تنازلات سياسية.
وحسنا تفعل السلطة عندما لا تقع في هذا الفخ. فبدل أن يقع الفلسطينيون في الفخ، من الأفضل تسهيل وقوع اسرائيل فيه. فما هو البديل الذي تقدمه اسرائيل الحالية لنفسها وللفلسطينيين؟
تريد حكومة شارون تخليد الاحتلال بكل السبل، ولكن احتلال المدن الفلسطينية يعني انعدام الأمن في <<المدن الاسرائيلية>>. وإذا نجح الفلسطينيون في تثبيت هذه المعادلة في الذهن الاسرائيلي، فإن اليمين الاسرائيلي يجد نفسه إما أمام التوجه نحو تسوية تاريخية معقولة، وإما أمام الانتحار الجماعي التدريجي.
لقد أكدت عملية الخضيرة، بتوقيتها وبأسلوبها، أن الفلسطيني لا يعدم وسيلة، عندما تتقدم الكتل المدرعة لتدوسه، للإفلات وإيذاء العدو في نقطة ضعفه. والمؤكد أن هذه العملية وسواها ستثيران السجال في اسرائيل حول كل ما جرّبته القوات الاسرائيلية، وجدوى هذه التجارب.(السفير اللبنانية)