غسان الإمام :من هو البديل لطالبان؟
شيوخ القبائل و"المجاهدون" الذين حاربوا الشيوعيين والسوفييت بالنيابة والوكالة عن اميركا!
البديل، اذن، هو القوى الاقطاعية والقبلية التقليدية التي تجرى محاولات "تكييفها" مع قوى اصولية محافظة تعهدت، خلافا لطالبان، بان لا تكون افغانستان مقرا او ممرا للعنف الدولي الاصولي.
انه لشقاء كبير لبلد مثل افغانستان ان لا تكون فيه قوى سياسية تشارك في صنع المستقبل من موقع اجتماعي اكثر تحررا ووعيا من القوى التقليدية الحاكمة والقوى الاقطاعية المعارضة.
وانه لشقاء اكبر للعالم الحر ان لا يعثر في طول افغانستان وعرضها على طبقة سياسية محترفة تستطيع ان ترى مستقبلا واعدا واكثر اشراقا من الماضي والحاضر اللذين كانا من صناعة القوى المسيطرة.
لقد حاول الشيوعيون الافغان "حرق المراحل" وعدم الانتظار الطويل لكي تتحول افغانستان الى بلد رأسمالي مهيأ لثورة الطبقة العاملة والفقيرة (البروليتاريا) كما تقول النظرية الماركسية، فاختاروا "انقلاب القصر" بديلا للثورة، متحالفين في عام 1973 مع جناح من اجنحة اسرة محمد ظاهر شاه.
وشارك في الحكم، بعد الانقلاب ممثلون لشرائح سياسية بيروقراطية مستقلة او يسارية اشتراكية، لكنها كانت من الضعف والضآلة، بحيث لم تتمكن من حفظ التوازن داخل الحكم وفي المجتمع بين الشيوعيين و"الملكيين" الجمهوريين بقيادة محمد دواد ابن عم ظاهر شاه الذي قاد الانقلاب عليه.
وكان الشيوعيون الافغان مستعجلين جدا في استيراد الانموذج الماركسي لتطبيقه في بلد متخلف. وهكذا، قادوا انقلابا جديدا في عام 1978 قتلوا فيه شريكهم محمد دواد، وانفردوا في الحكم مبعدين حتى ممثلي تلك الشرائح المستقلة.
وفي التصنيف السياسي والاجتماعي، يمكن اعتبار الشيوعيين الافغان شريحة سياسية مهمة مختلفة تماما عن القوى الاقطاعية والتقليدية التي كانت مهيمنة وحائلة دون اي تغيير سريع منشود في الوضع المتخلف.
حاول الشيوعيون كسر احتكار القوى التقليدية للحكم وللسياسة، فطبقوا الاصلاح الزراعي منتزعين جانبا من اراضي الاقطاعيين وتمليكها للفلاحين المعدمين. وكان اعتمادهم الرئيسي على وجودهم القوي في الجيش، لتحطيم الولاء القبلي والعشيري، ولتفكيك أبوية ووصاية رجال (الملا)، ولتحرير المرأة، ولفرض النظام والقانون في بلد لم يعرف في تاريخه القديم والحديث وحدة وطنية، او نظاما وقانونا، او امنا مدنيا وسلاما اجتماعيا.
لكن الشيوعيين لم يتمكنوا من الخروج من جلودهم الافغانية وغوغائيتهم الايديولوجية. فقد تعاملوا بقسوة ستالين بالغة مع خصومهم الاجتماعيين، بل كان التعامل بين زعمائهم واجنحتهم المختلفة اكثر دموية ووحشية من التعامل مع خصومهم واعدائهم.
ونتيجة لذلك، فقد أَلَّبوا ضدهم الأفغاني العادي الذي افتقد السلام المدني والاجتماعي، وتحالفت ضدهم القوى التقليدية والقبلية والدينية التي فقدت سيطرتها وهيمنتها. وأصلح الشيوعيون اخطاءهم بخطأ لا يغتفر لدى الأفغانيين، فقد استدعوا الاتحاد السوفييتي (الأجنبي) للتدخل في افغانستان، للمشاركة في ضرب القوى المعارضة ولتثبيت النظام الشيوعي في الحكم.
كانت هزيمة أميركا في فيتنام صدمة كبيرة وعقدة نفسية تحكمت بتدخلها العسكري الخارجي. لكنها لم تكن كافية لاسقاط النظام الرأسمالي العالمي. وحانت فرصة الانتقام عندما اكتشف الذكاء الاميركي ان افغانستان تصلح "فيتنام" سوفييتية.
وهكذا، تم تدويل أفغانستان، وتحول الصراع الاجتماعي الداخلي الى وجه ساخن للحرب الدولية الباردة. ولم يخطر على بال ماركس قط ان تستطيع الرأسمالية إلحاق الهزيمة بالماركسية بالاعتماد على "بروليتاريا" افغانية متخلفة مؤلفة من قوى التقليد والاقطاع في الداخل، ومن متطوعي الاصولية الجهادية الذين تسوقتهم المخابرات المركزية من اسواق البيع والشراء في العالم العربي.
أميركا التي انتصرت بالسيف الافغاني الاصولي على "كفر" الماركسية الاممية والافغانية، هي اميركا العائدة اليوم الى افغانستان لتعتمد القوى الافغانية التقليدية ضد مجنديها وحلفائها السابقين من اصوليين عرب وأفغان.
المشهد طريف بقدر ما هو مأسوي. الطلاق مدهش ويرافقه تكفير وَلعِان! ابن لادن "الافغاني" المرفه والمدلل يكتشف الآن، والآن فقط، "كفر" اميركا، ولم يكتشف "جاهليتها" عندما كانت مخابراتها تدربه وتعده "لاسلمة" افغانستان.
لكن لماذا لم تتشكل في افغانستان طبقة سياسية وقوى اجتماعية لتنافس القوى التقليدية، ولتشكل بديلا لها اليوم؟
اغلب ظني ان الجغرافيا السياسية شكلت عائقا حضاريا حال دون ظهور هذه القوى. فأفغانستان بلد قاري غير منفتح على بحر يبحر به الى العالم، وهو محاصر بجيران محكومين مثله تاريخيا بقوى اقطاعية وتقليدية محافظة كان لها نفوذ وتأثير وتواصل مع القوى الافغانية التقليدية.
وأذهب الى ابعد من ذلك، فأقول ان الاستعمار الغربي لم يتمكن من تثبيت آلياته الفكرية والسياسية والاجتماعية في افغانستان، فبقيت في العصر الحديث منطقة حياد وفصل بين الامبراطوريتين البريطانية في الهند والقيصرية الروسية البيضاء والحمراء في آسيا الوسطى.
لقد حمل الاستعمار الاوروبي معه الى العالمين العربي والاسلامي بذور مقاومته. نعم كان استعمارا ظالما وغير انساني في هيمنته السياسية واحتكاره الاقتصادي. لكن ترويجه لثقافاته ومدارسه الفكرية فتحت عقل المجتمعات التقليدية وعيونها على عالم غير تقليدي وغير مألوف لديها في عزلتها التاريخية الطويلة.
وهكذا ايضا، فقد تشكلت في عصر الاستعمار قوى وطنية سياسية واجتماعية نشأت في كنفه، واستفادت من افكاره وعلومه في كفاحها المسلح والسياسي للتحرر منه، وفي نضالها ايضا لتحرير مجتمعاتها المتخلفة من هيمنة القوى التقليدية والاقطاعية وأبويتها.
شيء من هذا القبيل لم يحدث في افغانستان ولم يحدث في أي بلد لم يعرف التجربة الاستعمارية في سلبياتها و"ايجابيتها" الوحيدة. ولم يكن ضروريا ان تعرف افغانستان الاستعمار لكي تعرف الانفتاح. لكن "الفرصة" الشيوعية التي سنحت كانت خاطفة ولا انسانية، ونظام آل دوراني حكم نحو ثلاثة قرون دون ان يبذل جهدا لتشجيع قوى سياسية جديدة، بل حكم بالتفاهم والتراضي مع شيوخ العشائر والقبائل ورجال الملا والاقطاع.
لم تكسب اميركا حربين عالميتين بقوتها العسكرية فحسب، لكن "مشروع مارشال" طوّر اوروبا اقتصاديا ورسخ ديمقراطياتها، وأنهى علاقة المانيا بماضيها الفاشي البغيض. ودرب الطبقة السياسية الجديدة فيها على اداء اللعبة الديمقراطية. وفعل الاميركيون الشيء ذاتها في اليابان التي كانت من الذكاء، بحيث اختارت التفوق الاقتصادي والتقني لتأكيد استقلالها وسيادتها وثقافتها، وهو امر لم يفعله اهل الضفة الغربية لآسيا، والعرب في مقدمتهم.
انسحبت اميركا من الكونغرس امام هجمة الجمرة الخبيثة على "مكاتيب" حضرات النواب المحترمين.
ويبدو ان اميركا مشغولة بالجمرة اكثر مما هي مشغولة بطالبان. والحرب ستطول طالما ان اميركا تقصف طالبان من "الفضاء" وليس من الجو والبر، ولم تعثر على ابن لادن والملا عمر، بل عثرت على رجلها عبد الحق قتيلا.
لقد قامت في الغرب مناحة على "المجاهد" القديم. لكن لا احد يتذكر المثقف والشاعر الافغاني بهاء الدين مجروح. لقد حاول بجهد فردي ان يقدم بديلا سياسيا، ان يبث بين اللاجئين الافغان في بيشاور الباكستانية رؤى سياسية جديدة، فكان نصيبه من "المجاهدين" رصاصة استقرت في قلبه.
لم يفت الوقت بعد لكسب معركة افغانستان، لكن اذا لم تعثر اميركا على قوى سياسية بديلة او مشاركة في صنع المستقبل، فواجبها ان تعمل بالتعاون مع العالم والامم المتحدة في اطار "مشروع مارشال" تتحدث عنه، لتشكيل تيار سياسي وثقافي جديد مواز للقوى التقليدية.
ولا احسب ان افغانستان وحدها بحاجة الى هذا التيار. فالمجتمعات العربية ايضا بحاجة الى تيارات سياسية متعددة تحرر الانظمة العربية من مجاملة ومسايرة تيار "افغاني" واحد يأبى ان يعود الى القنينة التي اطلقته منها في خوفها من السبعينات الناصرية واليسارية.(الشرق الأوسط اللندنية)
&