&
القاهرة - إيلاف خاص: أصبح من الثابت أن وجود جماعات "الأفغان العرب" في منطقة البلقان يشكل عبئا سياسيا وأمنيا علي كاهل المسلمين الالبان والبوسنيين الذين يفترض انهم يدافعون عن قضيتهم، خاصة في ظل الموقف الدولي شديد الحساسية ازاء هؤلاء المتشددين وتورطهم في انشطة تتخطى مجرد الدعم لقضية عادلة. فمسلمو البوسنة وكوسوفو ومقدونيا وصربيا يطمحون الي بناء علاقات طبيعية مع الغرب الأوروبي والأميركي الذي ساندهم في مواجهة التطهير العرقي الذي تعرضوا له، وتطلعهم إلى التخلص من الهيمنة والتمتع بحكم ذاتي.
كما أن هذه البلدان تسعى إلى ترسيخ وضع مستقر في هذه المنطقة التي أنهكتها الحروب الأهلية منذ سنوات، وقد يفتح الدعم الذي يقدمه أسامة بن لادن إلى دعاة قيام البانيا الكبرى، الباب أمام سلسلة من الحروب التي لا تنتهي، ويؤدي إلى تورط دول في البلقان حرصت حتى الآن بصعوبة علي البقاء خارج دائرة الصراع، بالإضافة إلى احتمال انجرار دول أوروبية شرقية وغربية مجــاورة إلى أتون النزاع، فضلاً عن المشكلات الأمنية المرتبطة بعبور هؤلاء "الأفغان العرب" من المحطة الألبانية والبوسنية في طريقها إلى الغرب، وما ترتب على هذا العبور من سمعة سيئة لدول البلقان تسعى الآن لدفعها بكل وسيلة، حتى لا تتحول بلادهم إلى هدف لقوات التحالف الدولي كما هو الحال في أفغانستان الآن، خاصة وأن هذا التحالف سبق وأن ساندهم في معركتهم كما أسلفنا من قبل.
وعلى الصعيد الأمني أيضاً فإن ظاهرة "البلقان العرب"، تتكرر بالسيناريو نفسه الذي تشكلت به ظاهرة "الأفغان العرب"، علي رغم الخطر الكبير الذي حل ببلدان عربية كثيرة (خصوصا مصر والجزائر) وبأطراف أوروبية اخري، وبأميركا نفسها. وتكاد تكون الجهات التي سهلت عمليات دخول الأفغان العرب إلى باكستان وأفغانستان ومولت نشاطهم ودربتهم وسهلت تسليحهم، هي نفسها التي شاركت في ظاهرة البلقان العرب وعلي رأسها الولايات المتحدة في حرب البوسنة.
وكشفت مصادر غربية أن واشنطن ساهمت منذ عام 1992، بصفة رسمية في تسهيل دخول "الأفغان العرب" إلى البوسنة وان كثيرين منهم قدم من أفغانستان تحت غطاء لجان الإغاثة، خصوصا الاميركية منها، كما وفرت لهم التدريب في ولاية نيويورك وسمحت لعناصر من القوات الاميركية بتدريب اخرين منهم في البوسنة في قاعدة خصصت لتجميع الافراد الجدد في احدي ضواحي مدينة توزلا.
والواقع ان عام 1992 شهد دلالات خاصة في عملية تشكيل البلقان العرب فهو العام الذي جري فيه دخول المجاهدين الأفغان الي كابول، الامر الذي انتهت معه مهمة بعض جماعات الأفغان العرب، الذين رفضوا المشاركة في الحرب الاهلية فيما بعد. وهو العام نفسه الذي شهد تصاعد احداث العنف المرتبطة بعناصر الأفغان العرب خصوصا في مصر والجزائر، والتي واكبها توجيه ضربات امنية قوية ضدهم مثلا (القت اجهزة الامن القبض علي 100 من الأفغان العرب داخل مصر)، وهو ايضا العام نفسه الذي شهد اشتعال الحرب البوسنية في نيسان (ابريل) 1992.
كان العام 1992 فاصلا اذ وجدت العناصر التي غادرت أفغانستان والتي لا يمكنها العودة الي بلادها، المكان لرفع كفاءة عناصرها وتوسيع صفوفها، في ظل غطاء شرعي دولي ديني وسياسي معا.
وبدءا من هذا العام بدأت حالات اللجوء السياسي لقيادات اساسية لجماعتي الجهاد و الجماعة الاسلامية في بلدان اوروبا الوسطي التي شهدت تشكيل مراكز لتجميع العناصر الجديدة والقديمة، وتسهيل دخولها إلى البوسنة، بل ان قيادات كبيرة منها دخلت بنفسها الي البوسنة.
وفي لندن اقام كل من ياسر السري وعادل عبد المجيد وثروت شحاتة من جماعة الجهاد. ومن الجماعة الإسلامية كان أنور شعبان في روما، وطلال فؤاد قاسم (ابو طلال القاسمي) في الدنمارك وهكذا.
كان انور شعبان قد استقر مبكرا في روما، حيث ادار مركزا اسلاميا ثم دخل الي البوسنة حيث قتل في مكتبه في علميات القتال، اما ابو طلال القاسمي، المتحدث الاعلامي باسم الجماعة الاسلامية ورئيس تحرير مجلة المرابطون التي تصدرها الجماعة فلا يزال مصيره مجهولا، اذ تؤكد اوساط الجماعة ان السلطات الكرواتية قبضت عليه في كرواتيا، اثناء احدى رحلاته إلى البوسنة اواخر العام الماضي وسلمته لمصر، بينما تنفي كرواتيا الامر، فيما لم يصدر اي تصريح رسمي مصري يؤكد او ينفي ذلك. وليس سرا ان القاسمي كان المسؤول عن دخول البلقان العرب الي البوسنة وهو احد اعضاء المجلس التأسيسي للجماعة الذي يضم مجموعة المؤسسين، ومنهم كرم زهدي وفؤاد الدواليبي وناجح ابراهيم وعصام دربالة وعبود الزمر. وهو غير مجلس الشورى الأكثر عددا والذي يضم محمد شوقي الاسلامبولي والمقيم في ألبانيا ومصطفي حمزة (أفغانستان) وأسامة رشدي وعبد الآخر حماد وأحمد عبده سليم وكان أول مؤشر إلى تحويل البلقان العرب إلى مشكلة في البوسنة، جاء في تصريحات كبار المسؤولين البوسنيين. فقد أعلن الرئيس البوسني حينئذ عزت بيجوفيتش أن بلاده لا تحتاج إلى رجال وإنما إلى أسلحة، أما وزير خارجيته فكان اكثر وضوحاً إذ طالب في العام 1993 الأفغان العرب بعدم التدخل في حرب البوسنة لأنهم يفسدون اكثر مما يصلحون، كما نص اتفاق "دايتون" للسلام علي سحب كل القوات الأجنبية في البوسنة خلال عشرين يوماً.
لكن حدود مشكلة البلقان العرب تبدو متشابكة إلى حد بعيد، فهناك منهم الآن، من لجأ إلى الجبال والوديان البوسنية، الأمر الذي دفع القيادات العسكرية البريطانية إلى إثارة خطر البلقان العرب مع الرئيس بيجوفيتش وإعلانها أن سحب المجاهدين الأجانب من قوات البوسنة سيخفف من هذا الخطر، وأنها حصلت علي تأييد الرئيس البوسني حينئذ، الأمر الذي يفسر تشدد السلطات الكرواتية والدول المجاورة في وقف منح تأشيرات الدخول عبر أراضيها إلى البوسنة حتى لأفراد من هيئات الإغاثة الدولية، لكن هؤلاء "البلقان العرب" استطاعوا الالتفاف علي هذه التدابير وفتحوا طريقا آخر للدخول عبر المجر.
وتدرس الجهات المعنية وجها آخر للمشكلة يتعلق بالسؤال عن المكان الذي ستتوجه إليه هذه العناصر التي لم تعد موضع ترحيب في البوسنة من أطراف دولية عدة، لاسيما بعد التصريحات التي ربط فيها المسؤولون البوسنيون بين طرد البلقان العرب و محاكمة مجرمي الحرب الصرب وإجلاء المتطوعين الأجانب العاملين في صفوف القوات الصربية.
وتدور التساؤلات في كواليس الأجهزة المعنية حول ما إذا كانت هذه العناصر ستتجه إلى بؤر جديدة كالشيشان، ام انها ستتوجه إلى بلادها الأصلية علي غرار الأفغان العرب ؟
يبقى الوجه الثالث للمشكلة الذي يعبر عنه حصول قيادات من البلقان العرب علي حق اللجوء السياسي في بعض بلدان أوروبا الوسطي، الأمر الذي يعني بالنسبة إلى بعض الدول العربية (خصوصا مصر والجزائر) توفير غطاء لمراكز نشاط البلقان العرب وسهولة توجيهها للعناصر المرتبطة بها في هذه الدول.