&&&&&&&&&&&& &&&&مان مان
كان الجميع في شارع ميجيل يقولون إن "مان مان" مجنون. ولذلك كانوا يتحاشونه. لكنني الآن، لست واثقا تماما من جنونه. بل استطيع أن أتذكر كثيرين ممن كانوا أكثر منه جنونا.
لم تكن تبدو عليه سيماء الجنون. كان مخيفا، متوسط الطول، كما أن ملامحه لم تكن منفرة أيضا. لم أره أبدا يحدق في وجوه الناس على النحو الذي تتوقعه من مجنون. وعندما تتحدث اليه، كن على ثقة من أنك سوف تستمع الى اجابات منطقية.
ورغم ذلك، كانت لمان مان بعض العادات الغريبة.
كان يتردد على دوائر الانتخابات، انتخابات مجلس المدينة أو المجلس التشريعي، ينشر الملصقات في كل مكان من أرجاء الحي، ملصقات فاخرة الطباعة وخالىة تماما إلا من كلمة "صوت" وأسفلها صورة له.
في كل مرة، كان يحصل على ثلاثة أصوات بالتحديد. ولم أفهم ذلك. فاذا كان صوته الشخصي أحد هذه الأصوات، فلمن الصوتان الآخران؟
سألت "هات" فقال:
لا أستطيع أن أجزم يافتي. انه لغز بحق. لعلهما شخصان يمزحان. ولكن يبدو أنهما نوع غريب من المازحين، إذ يكرران المزحة نفسها في كل مرة. انهما على الأرجح معتوهان مثله.
لوقت طويل، سيطرت على التفكير في أمر هذين المعتوهين. وكلما رأيت شخصا ما يقترف فعلا غريبا، تساءلت: "أيكون أحد اللذين يصوتان لمان مان؟" وبوجه عام، كان أمر هذين الرجلين يحير الجميع.
مان مان لم يكن يعمل. لكنه لم يكن تسولا أيضا. كان ممسوسا "بالكلمة"، خاصة الكلمة المكتوبة، وقد ينفق يوما كاملا يخط كلمة واحدة. ذات يوم قابلته على أحد جوانب شارع ميجيل. قال لي:
أيها الفتى، أين أنت ذاهب؟
الى المدرسة.
نظر نحوي بملامح جادة، وقال بطريقة تهكمية،
أنك اذن ممن يذهبون الى المدرسة؟
قلت بطريقة تلقائية:
نعم، أذهب.
ووجدت نفسي، دون قصد، أقلد لكنة مان مان الانجليزية الصحيحة، والتي تعتبر لغزا آخر من ألغاز هذا الرجل. فاذا أغلقت عينيك وهو يتحدث. قد تحسب ان رجلا انجليزيا هو الذي يخاطبك رجلا من طبقة ميسورة، لا يعني بقواعد اللغة.
عاد مان مان يقول لي، وكأنه يكلم نفسه:
اذن الفتى الصغير ذاهب الى المدرسة؟
ثم أهملني تماما، واخرج قطعة طبشور طويلة من جيبه وبدأ يكتب فوق الرصيف. رسم حرف S كبيرا، مزدوج الحواف، ثم ظلل ما بين الخطين من فراغ. ولما انتهي، رسم حرف C ثم H ثم Q، ثم أخذ يكرر هذا الحرف الأخير تدريجيا، في أشكال أصغر فأصغر، حتى انهمك تماما في كتابة الحرف بلا نهاية. وعندما عدت من المدرسة لتناول الغداء كان مان مان قد انتقل الى الشارع الفرنسي، وكان لا يزال مستمرا في كتابة حرف Q، يكتب ثم يشطب الأخطاء بخرقة من القماش.
بعد الظهر، كان قد دار حول البناية في طريقة الى شارع ميجيل مرة آخرى. عدت الى البيت. استبدلت ملابسي وخرجت. في تلك الأثناء، كان مان مان قد بلغ منتصف شارع ميجيل.
سألني:
هل ذهب الفتى الصغير الى المدرسة اليوم؟
قلت:
نعم.
نهض وفرد قامته، لكنه عاد يجلس القرفصاء مرة آخرى، كي يرسم حرف "L" بخطين مزدوجين، ثم يظلل ما بينهما من فراغ بطريقة متأنية جميلة. وعندما انتهى، وقف وقال:
أنت انهيت عملك، وأنا انهيت عملي.
أو يكون الأمر على شاكلة مماثلة: فاذا قلت لمان مان أنك ذاهب للعب الكريكيت Cricket سيكتب Crick أول الأمر، ثم يظل يكرر حرف E حتى يقابلك مرة اخرى!
ذات يوم، تقدم مان مان نحو المقهى الكبير بناصية شارع ميجيل. وعندما دخل، أخذ ينبح ويقفز على الجالسين كما لو أنه كلب. وكان صاحب المقهى رجلا برتغاليا ضخما، ويداه غزيرتي الشعر. قال لمان مان.
مان مان! أخرج من هنا قبل أن اشتبك معك!
ضحك مان مان، فألقوه خارج المقهى.
وفي اليوم التالى، اكتشف صاحب المقهى أن شخصا ما تسلل الى جوف المقهى ليلا، وترك خلفه كل الأبواب مفتوحة، لكنه لم يسرق أي شيء!
قال هات:
شيء واحد لا يجب أن تفعله أبدا: أن تغضب مان مان انه لا ينسي أي شيء!
وفي تلك الليلة، اقتحم المقهى مرة آخرى، وتركت الأبواب متفوحة كذلك. وفي الليلة الثالثة، تكرر الشيء نفسه. ولكنه في هذه المرة، كانت هناك آثار غائط فوق منتصف كل مقعد، وفوق كل مائدة، وعلى مسافات متساوية فوق الطاولة. ولبضعة أسابيع، صار صاحب المقهى اضحوكة الشارع، واستغرق الرواد وقتا طويلا قبل أن يعودوا الى المقهى مرة آخرى علق هات قائلا:
هذا بالضبط ما قلته لك أيها الفتى. فأنا لا أحب مشاكسة هذا الرجل. هؤلاء الناس أغبياء خلقهم الله على هذا النحو.. مثل هذه الأشياء هي ما جعلت الناس تتجنب مان مان، صديقه الوحيد كان كلبه مهجن مرقط بالأبيض والأسود عند الأذنين. وبشكل ما، كان يشبه مان مان. فقد كان غريبا هو الآخر. لم يسمعه أحد ينبح. ولم نره ينظر الى احد. حتى اذا تظرق انت اليه، يشيح بوجهه بعيدا. لم "يصادق" أي كلب آخر. فلو حاول كلب أن يقترب منه، بود أو عداء، ينظر اليه نظرة استياء قصيرة، ثم يتهاوى مبتعدا دون ان ينظر خلفه.
أحب مان مان كلبه. وأحب الكلب مان مان. بدا كل منهما وكأنه يعيش من أجل الآخر. ولم يستطع مان مان أن يواصل الحياة بدونه.
بات واضحا للجميع أن مان مان يمارس نوعا من السيطرة الفريدة على امعاء كلبه.. قال هات:
هذا الأمر يحيرني فعلا. أنا لا أفهم هذا الرجل:
بدأ كل شيء في شارع ميجيل.
فذات صباح، وجدت بعض النساء ان الملابس التي تركنها تجف خلال الليل، قد تلوثت بنصلات كلب ما. وبطبيعة الحال. قررن ألا يستخدمن هذه المفارش أو القمصان بعد ذلك. وعندما ظهر مان مان، كان الجميع على استعداد تام لاعطائه هذه الملابس القذرة، والتي اعتاد مان مان ان يبيعها!! قال هات:
مثل هذه الأشياء تجعلني اتساءل ما اذا كان الرجل مجنونا فعلا. من شارع ميجيل، انتشرت أنشطة مان مان الى أماكن آخرى وكان هؤلاء الذين عانوا من كل مان مان في شارعنا، يتلهفون لسماع أخبار عن معاناة الآخرين، في الأحياء المجاورة أصبحنا نشعر بشيء من الفخر به في شارع ميجيل.
لا أعرف السبب الذي حول مان مان الى رجل صالح. ربما موت كلبه، الذي دهسته سيارة على الطريق. وبحسب ما قاله هات، أطلق الكلب صيحة مقتضبة خافتة، كصرير، ثم صمت الى الأبد.. هام مان مان على وجهه لأيام، مذهولا غائب الذهن. لم يعد يكتب كلمات فوق الرصيف. لم يعد يتحدث معي، أو مع الأولاد الآخرين. بدأ يكلم نفسه. يشبك يديه ويرتجف كما لو أنه مصاب بالملاريا. وذات يوم. قال انه بعد انتهائه من الاستحمام رأى الرب!!
ولم يدهشنا ما قاله. فرؤية الرب كانت امرا شائعا في "بورت أوف سبين" باسرها وتحديدا في ترينداد في ذلك الوقت! كان "جانيش بنديت" المدلك الصوفي أول من افتتح هذا التقليد. ونشر في ذلك كتابا صغيرا أسماه "ما قال الرب لي". كثيرون من المتصوفة، وغير قليل من المدلكين أعلنوا نفس الشيء. وفكرت في تلك الاثناء بان ما دام الرب في المنطقة، فمن البديهي ان يراه مان مان!
بدأ يعظ الناس على ناصية شارع ميجيل، تحت باكية "متجر ماري". وكان يفعل ذلك كل سبت ليلا. أهمل لحيته وارتدى جلبابا ابيض طويلا. يجلس هناك، يعظ تحت مصباح الاسيتيلين، والى جواره الكتاب المقدس وبعض الأشياء المقدسة الأخرى. كان واعظا مؤثرا، يخطب بطريقة مختلفة عن سابقيه، فأبكي النساء وجعل أناسا من مثل "هات" يشعرون بالقلق.
اعتاد ان يحمل الكتاب المقدس في يده اليمنى، ثم يخبط فوقه بيسراه ويقول بلكنته الانجليزية الدقيقة:
لقد كنت أتحدث مع الرب في الأيام القليلة الماضية. وما اخبرني به عنكم أيها الناس لن يسعدكم سماعه بأية حال. انكم تسمعون هذه الأيام كل رجال السياسة وهم يتحدثون عن تحويل الجزيرة الى منطقة مكتفية بذاتها. أتعرفون ما قاله الرب لي ليلة أمس؟ فقط بالأمس، بعد أن انهيت عشائي؟ حسنا. لقد قال لي: "يا مان مان اقترب وأنظر الى هؤلاء الناس" رأيت رجلا يأكل ابنه وأما تأكل ابنتها. رأيت أخا يأكل اخته، واختا تأكل أخاها. ذلك تحديدا ما كان يعنيه الساسة بقولهم ان الجزيرة سوف تكون مكتفية بذاتها! ورغم ذلك يا أخوتي، ما زال أمامكم وقت كي ترجعوا الى الرب.
أعتدت أن أصاب بالكوابيس كلما استمعت الى مان مان كل ليلة سبت. لكن الأمر الغريب، هو ان الناس كانوا يتزاحمون لسماع خطبته كلما أرعبهم أكثر. وعندما بدأوا يجمعون له الأموال، أغدقوا عليه بنصيب أوفر.
في أيام الأسبوع الآخرى، ينفق مان مان وقته في التجوال بجلبابه الأبيض وتسول الطعام من الناس. ويقول انه يفعل ما يأمره به "يسوع" وأنه يقوم بتوزيع كل ما يحصل عليه منهم. لا يمكنك ان ترفض له طلبا وأنت ترى هذه اللحية السوداء الطويلة وهاتين العينين عميقتي البريق، لم يعد يلحظني بعد ذلك. ولم يعد يسألني "أنت ذاهب اذن الى المدرسة؟". ولم يعرف أناس شارع ميجيل كيف يمكنهم تفسير هذا التغير. حاولوا ان يقنعوا أنفسهم بأن مان مان مجنون. لكنهم، مثلي، لم يكونوا على ثقة تامة من ذلك.
ما حدث بعد ذلك كان مفاجئا بكل المقاييس.
فقد أعلن مان مان انه "مسيح جديد"!!
قال هات ذات يوم:
سمعتم آخر الأخبار؟
ماذا؟
مان مان يقول انه سوف يصلب في يوم من هذه الأيام!
قال ادوارد:
لا أعتقد ان احدا يمكن ان يلمسه، فكلهم يخشونه الآن.
قال هات:
لا. الأمر مختلف هنا، فسوف يصلب نفسه بنفسه، في احد ايام الجمعة القادمة. سيذهب الى "البلو بيسين" ويشد نفسه الى صليب ويدع الناس يقذفونه بالحجارة!
ضحك أحدنا أظنه إيرول لكنه أمسك على الفور عندما لم يجد أحدا منا يشاركه.
رغم قلقنا ودهشتنا، كنا نشعر بالفخر لحقيقة أن مان مان ينتمي الى شارع ميجيل.
بدأت تظهر اشارات مكتوبة بخط اليد، على واجهات المحلات والمقاهي والبيوت، كلها تعلن عن صلب مان مان الوشيك
قال هات:
ستكون هناك جمهرة كبيرة في البلوبيسين
وأضاف فخورا:
لقد سمعت أنهم سوف يرسلون الشرطة أيضا!
في وقت مبكر، من صباح ذلك اليوم الموعود، قبل ان تفتح أبواب المحلات، أو تقرقع عجلات التروللي باص فوق طريق آريابيتا، تجمعت حشود الناس على جانب شارع ميجيل، كان هناك كثيرون من الرجال يرتدون ملابس سوداء، وعدد أكبر من النساء في ملابس بيضاء. وكانوا جميعا يرددون الترانيم وفضلا عن هؤلاء، كان هناك قرابة عشرين شرطيا، لكنهم لا يرددون الترانيم مع الجموع. عندما ظهر مان مان وقد بدا مخيفا وتقيا جدا ناحت النساء واندفعن يلمسن رداءه. ووقف رجال الشرطة عن كثب، يتأهبون للتعامل مع أي شيء قد يطرأ.
جاءت سيارة وفوقها صليب كبير.
استاء هات الذي كان يرتدي حلة صوفية في ذلك اليوم:
ما هذا؟ لقد أخبروني بأن الصليب سيكون من خشب ملائم. هذا خفيف، خفيف جدا:
قال ادوارد:
أهذا هو المهم؟ المهم القلب والروح.
قال هات:
لم أقل شيئا، ولكن.
حمل بعضهم الصليب من العربة وتقدموا به نحو مان مان، لكنه أوقفهم. وبدت لكنته الانجليزية شديدة التأثير في هذا الصباح المبكر.
لا. ليس هنا، أحملوه الى البلو بيسين. استاء هات مرة اخرى.
مشينا نحو البلو بيسين.. وهو مسقط مائي بين الجبال، شمالى غرب بورت أوف سبَين. ووصلنا هناك بعد ساعتين. حمل مان مان الصليب الى ممشي صخري، ثم هبط به الى البيسين. وهناك، نصبه بعضهم وربطوا مان مان اليه. وعندئذ قال مان مان للجموع: "هيا يا أخوتي، أرجموني" بكت النساء، وقذفن بالحصي والرمل نحو قدميه. تأوه مان مان وقال:
"يا أبي، أصفح عنهم. انهم لا يفقهون ما يفعلون" ثم صاح بصوت مرتفع: "ارجموني، ارجموني يا أخوتي"
أصاب صدره حجر في حجم البيضة، فصرخ. "ارجموني ارجموني. فأنا اسامحكم".
قال ادوارد: الرجل شجاع بحق.
بدأ الناس يقذفون بأحجار كبيرة، ويصوبون نحو وجهه وصدره. فجرح وبدأ مأخوذا، ثم صاح فيهم.
ما هذا بحق الجحيم؟ أي شيء تظنون أنكم تفعلونه؟ اسمعوا.. انزلوني عن هذا الشيء.
أنا وادوارد وهات واخرون، سمعنا الصيحة كصرخة ألم عظيم سمعناه يجأر بصوت واضح عال "اوقفوا هذا الغباء! أقول لكم أوقفوا هذا الغباء، لقد اكتفيت بهذا القدر من الهراء! اسمعتم؟" ثم بدأ يهدر بالسباب واللعنات بطريقة منظمة حتى توقف الناس في ذهول!! أخذ البوليس مان مان. وضعته السلطات تحت الملاحظة، أول الأمر،
ثم احتفظت به، بعد ذلك، الى الأبد!!
&ترجمة: مكتب القاهرة- ايلاف
&