&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& ريتشارد هولبروك *
سمها دبلوماسية شعبية، او شؤوناً عامة، او حرباً نفسية، واذا اردت ان تكون صريحا فقل "بروباغندا"، لكن مهما كانت التسمية فان تعريف ماذا تعني هذه الحرب في عقول مليار مسلم في العالم، سيكون ذات اهمية تاريخية حاسمة. كل خبير في شؤون الاسلام، وكل محلل لما يجري في العالم الاسلامي يرى ان اسامة بن لادن يبدو وقد كسب المبادرة في هذا الصراع عبر ادعاءاته بانها "حرب ضد الاسلام"، وليست حربا ضد الارهاب كما قال عن حق الرئيس بوش.
للوهلة الاولى يبدو الامر مذهلا، إذ كيف يمكن لقاتل جماعي بارك علناً الارهابيين الذين نفذوا عمليات 11 سبتمبر، ان يكسب قلوب وعقول اي افراد؟ كيف يستطيع رجل يقبع في الكهف ان ينجح اعلاميا مقابل المجتمع القائد عالمياً في الاتصالات؟ جزء من نجاح بن لادن يعود الى خليط المكر المعتمد على تقنية الاعلام الحديث ورموز القرون الوسطى، ومؤخراً كان شريط الفيديو اياه، الذي جاء من الصحراء والعالي الجودة، من افضل الامثلة. العامل الاخر هو استغلال غليان الشعور العربي تجاه دعم الولايات المتحدة لاسرائيل. لكن هذين العنصرين هما عموماً خارج تحكمنا، فابن لادن يتحكم في رسائله الذاتية، ونحن لا نستطيع مكافأة الارهاب بالحد من دعمنا لاسرائيل. ان ما يعنينا مباشرة وفوراً هو الاهتمام بفشل رسالتنا وتقصير رسولنا.
اذا عجزنا عن اقناع الشعوب المسلمة ان هذه الحرب ليست ضد الاسلام وانها ضد الارهاب، واذا نجح بن لادن في تعريف الصراع حسب شروطه، فسنكون قد ساعدناه على هدفه حتى لو استطعنا، كما اعتقد انا شخصياً بثقة اننا سنفعل، رصده والتخلص منه. اذ حتى في مماته قد يفرخ بن لادن جيلا جديدا من الارهابيين اذا تجذرت رسالته. لهذا فصراع الافكار ذو اهمية تعادل اياً من نواحي الصراع الذي نخوضه الان، ويجب ان نربحه.
لحل هذه المعضلة علينا مراجعة الرسالة والرسول.
اولاً، بالنسبة للرسالة: لقد احسن الرئيس بوش صنعا بزيارته للمركز الاسلامي في واشنطن واللقاء مع القيادات الاسلامية والعربية الاميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر. لكن منذ ذلك الفعل القوي تدحرجت الامور الى الحضيض. يعتقد الخبراء في الشؤون الاسلامية الذين استشرتهم، ان الحملة الاعلامية الاميركية هي حتى الان مزيج من التخبط. الامثلة كثيرة ومنها: الاستراتيجية العسكرية لرسائل الراديو الموجهة للافغان "انتبه يا طالبان! انت محكوم عليك، هل تعرف ذلك؟ من اللحظة التي استولى فيها الارهابيون الذين تؤيدهم على طائراتنا حكمت على نفسك بالموت". كذلك الفشل في فتح حوار علني متواصل مع مثقفين مسلمين مشاهير حول تبرير المتطرفين لعمليات القتل. ومثال ثالث على التخبط هو العجز في نشر حقيقة ان مئات من المسلمين كانوا بين القتلى في مركز التجارة العالمي. ثم الفشل في العثور على مسلم عربي اللسان ذي مصداقية ليتحدث بالحقائق عن بن لادن.
ثانيا بالنسبة للرسول: بالرغم من تفوق امتنا الهائل في تقنية الاتصالات الحديثة، فان حكومتنا تتحادث مبدئيا مع العالم الاسلامي عبر تقنيات بالية او غير مناسبة وبأطر بيروقراطية غير قادرة ابداً على المهمة. المسؤول الرسمي في واشنطن عن هذه المهمة هو السكرتيرة المسؤولة عن الدبلوماسية الشعبية والشؤون العامة، شارلوت بيرس، المديرة الدعائية الناجحة التي لم تملك سابقا خبرة حكومية او سياسية خارجية. الناس في التركيبة التي ورثتها (تسلمت عملها منذ بضعة اسابيع) هم بقايا هيئة الاستعلامات الاميركية، وهي هيئة من ايام الحرب الباردة ضُمت الى الخارجية في 98 ـ 99 وموظفوها ذوو تجارب محدودة في القضايا التي عليها التعامل معها. وفيما يخص "صوت اميركا" فهو، صدق او لا تصدق، ما زال يستعمل الموجة القصيرة او الراديو العادي الى جانب استعمال محدود جداً لمحطة تلفزيونية خاصة. لقد قال هاورد بيرمان عضو الكونغرس مؤخراً ان اذاعاتنا بالكاد مسموعة، ومستمعيها لا يزيدون عن اثنين في المائة او اقل، وغالباً لا تصل للمجموعات الاكثر اهمية، وهم من تحت سن الخامسة والعشرين. قالت شارلوت بيرس للكونغرس مؤخراً اننا نستعمل الان الانترنت، ولكن ذلك لا يفيد كثيراً في الشرق الاوسط كون انتشاره تحت الواحد في المائة في البلدان المهمة. هناك عامل مهم يتمثل في اقناع الحكومات الاسلامية الصديقة باستعمال محطاتها التلفزيونية لنشر الحقيقة عن بن لادن.
خلال العقود الستة الماضية واجهت واشنطن ثلاث مرات على الاقل تحديات مشابهة لما يسمى الان الدبلوماسية الشعبية، وفي كل مرة طورت آلية خاصة للتعامل مع التحديات، اولاً في البداية باشر الرئيس فرانكلين روزفلت شخصياً العمل في مكتب الاستعلامات خلال الحرب وفي مجلس الدعاية، وطالب الرئيس العقول المبدعة من ذلك الجيل باحكام الرسالة. ثانيا، اقر كل من ترومان وايزنهاور بمركزية الافكار في الصراع مع الشيوعية واقيمت "هيئة الاستعلامات الاميركية" التي كانت ذات شأن في الحرب الباردة وترأسها اناس مثل ادوارد مورو، وجورج ستيفنز الابن، وجون شانسلر. ثالثا، عندما اعترفت ادارة الرئيس كلينتون مؤخراً بان برامج المعلومات العامة العادية لا تحد من الدعم بين الصرب لسلوبودان ميلوشيفتش، قامت الادارة بتأسيس مكتب خاص لضبط الرسالة والعثور على طرق جديدة لتوصيلها لاسماع الصرب. هذه المساعي العلنية والسرية لعبت دورا هاما (غير معترف به للآن) في اسقاط ميلوشيفتش في العام الماضي.
هناك ضرورة ملحة لمكتب خاص الان ايضاً ويجب ادارته من البيت الابيض حيث المكان الوحيد في واشنطن الذي يمكنه التنسيق، واعني هنا توجيه نشاطات الشؤون العامة للخارجية والدفاع والعدل والمخابرات المركزية وغيرها تجاه الرأي العام الاسلامي. ستكون هناك حاجة لمصادر اضافية، ويجب تأسيس انظمة بث خاصة مقتصرة على هذه القضية، ليس للافغان فقط ولكن لكل العالم الاسلامي، وللمسلمين في دول مثل الهند والصين، وكذلك للمسلمين في غرب اوروبا حيث انغرست شبكات الارهاب بعمق.
حقاً، من الضروري الاستفادة مرة اخرى من افضل القدرات خارج الحكومة، كما كان الحال في الحرب العالمية الثانية. ان تعددية مجتمعنا تحتوي على خبرات هائلة في الاسلام وهي غير متوفرة الان في داخل الحكومة الاميركية.
ويبقى ان هذه المهمة يجب ان تكون جهوداً متواصلة منفصلة عن الحرب ضد الارهاب، ولكنها مؤيدة وداعمة لها مباشرة. وعمليا، هذه المهمة ستدوم اطول من الحرب ذاتها وستكون لها، اذا نجحت، فوائد اخرى. بالطبع لا يسعد احداً انشاء اطر اضافية في واشنطن المثقلة بالبيروقراطية، لكن الاطار الحالي لا يملك اي فرصة في النجاح. يجب ان نتذكر اننا لا نستطيع تحمل الخسارة، واذا خسرنا فإن صراعاً دائماً سيقود الى ازمات دائمة، وهذا ما يريده بن لادن وانصاره.
للوهلة الاولى يبدو الامر مذهلا، إذ كيف يمكن لقاتل جماعي بارك علناً الارهابيين الذين نفذوا عمليات 11 سبتمبر، ان يكسب قلوب وعقول اي افراد؟ كيف يستطيع رجل يقبع في الكهف ان ينجح اعلاميا مقابل المجتمع القائد عالمياً في الاتصالات؟ جزء من نجاح بن لادن يعود الى خليط المكر المعتمد على تقنية الاعلام الحديث ورموز القرون الوسطى، ومؤخراً كان شريط الفيديو اياه، الذي جاء من الصحراء والعالي الجودة، من افضل الامثلة. العامل الاخر هو استغلال غليان الشعور العربي تجاه دعم الولايات المتحدة لاسرائيل. لكن هذين العنصرين هما عموماً خارج تحكمنا، فابن لادن يتحكم في رسائله الذاتية، ونحن لا نستطيع مكافأة الارهاب بالحد من دعمنا لاسرائيل. ان ما يعنينا مباشرة وفوراً هو الاهتمام بفشل رسالتنا وتقصير رسولنا.
اذا عجزنا عن اقناع الشعوب المسلمة ان هذه الحرب ليست ضد الاسلام وانها ضد الارهاب، واذا نجح بن لادن في تعريف الصراع حسب شروطه، فسنكون قد ساعدناه على هدفه حتى لو استطعنا، كما اعتقد انا شخصياً بثقة اننا سنفعل، رصده والتخلص منه. اذ حتى في مماته قد يفرخ بن لادن جيلا جديدا من الارهابيين اذا تجذرت رسالته. لهذا فصراع الافكار ذو اهمية تعادل اياً من نواحي الصراع الذي نخوضه الان، ويجب ان نربحه.
لحل هذه المعضلة علينا مراجعة الرسالة والرسول.
اولاً، بالنسبة للرسالة: لقد احسن الرئيس بوش صنعا بزيارته للمركز الاسلامي في واشنطن واللقاء مع القيادات الاسلامية والعربية الاميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر. لكن منذ ذلك الفعل القوي تدحرجت الامور الى الحضيض. يعتقد الخبراء في الشؤون الاسلامية الذين استشرتهم، ان الحملة الاعلامية الاميركية هي حتى الان مزيج من التخبط. الامثلة كثيرة ومنها: الاستراتيجية العسكرية لرسائل الراديو الموجهة للافغان "انتبه يا طالبان! انت محكوم عليك، هل تعرف ذلك؟ من اللحظة التي استولى فيها الارهابيون الذين تؤيدهم على طائراتنا حكمت على نفسك بالموت". كذلك الفشل في فتح حوار علني متواصل مع مثقفين مسلمين مشاهير حول تبرير المتطرفين لعمليات القتل. ومثال ثالث على التخبط هو العجز في نشر حقيقة ان مئات من المسلمين كانوا بين القتلى في مركز التجارة العالمي. ثم الفشل في العثور على مسلم عربي اللسان ذي مصداقية ليتحدث بالحقائق عن بن لادن.
ثانيا بالنسبة للرسول: بالرغم من تفوق امتنا الهائل في تقنية الاتصالات الحديثة، فان حكومتنا تتحادث مبدئيا مع العالم الاسلامي عبر تقنيات بالية او غير مناسبة وبأطر بيروقراطية غير قادرة ابداً على المهمة. المسؤول الرسمي في واشنطن عن هذه المهمة هو السكرتيرة المسؤولة عن الدبلوماسية الشعبية والشؤون العامة، شارلوت بيرس، المديرة الدعائية الناجحة التي لم تملك سابقا خبرة حكومية او سياسية خارجية. الناس في التركيبة التي ورثتها (تسلمت عملها منذ بضعة اسابيع) هم بقايا هيئة الاستعلامات الاميركية، وهي هيئة من ايام الحرب الباردة ضُمت الى الخارجية في 98 ـ 99 وموظفوها ذوو تجارب محدودة في القضايا التي عليها التعامل معها. وفيما يخص "صوت اميركا" فهو، صدق او لا تصدق، ما زال يستعمل الموجة القصيرة او الراديو العادي الى جانب استعمال محدود جداً لمحطة تلفزيونية خاصة. لقد قال هاورد بيرمان عضو الكونغرس مؤخراً ان اذاعاتنا بالكاد مسموعة، ومستمعيها لا يزيدون عن اثنين في المائة او اقل، وغالباً لا تصل للمجموعات الاكثر اهمية، وهم من تحت سن الخامسة والعشرين. قالت شارلوت بيرس للكونغرس مؤخراً اننا نستعمل الان الانترنت، ولكن ذلك لا يفيد كثيراً في الشرق الاوسط كون انتشاره تحت الواحد في المائة في البلدان المهمة. هناك عامل مهم يتمثل في اقناع الحكومات الاسلامية الصديقة باستعمال محطاتها التلفزيونية لنشر الحقيقة عن بن لادن.
خلال العقود الستة الماضية واجهت واشنطن ثلاث مرات على الاقل تحديات مشابهة لما يسمى الان الدبلوماسية الشعبية، وفي كل مرة طورت آلية خاصة للتعامل مع التحديات، اولاً في البداية باشر الرئيس فرانكلين روزفلت شخصياً العمل في مكتب الاستعلامات خلال الحرب وفي مجلس الدعاية، وطالب الرئيس العقول المبدعة من ذلك الجيل باحكام الرسالة. ثانيا، اقر كل من ترومان وايزنهاور بمركزية الافكار في الصراع مع الشيوعية واقيمت "هيئة الاستعلامات الاميركية" التي كانت ذات شأن في الحرب الباردة وترأسها اناس مثل ادوارد مورو، وجورج ستيفنز الابن، وجون شانسلر. ثالثا، عندما اعترفت ادارة الرئيس كلينتون مؤخراً بان برامج المعلومات العامة العادية لا تحد من الدعم بين الصرب لسلوبودان ميلوشيفتش، قامت الادارة بتأسيس مكتب خاص لضبط الرسالة والعثور على طرق جديدة لتوصيلها لاسماع الصرب. هذه المساعي العلنية والسرية لعبت دورا هاما (غير معترف به للآن) في اسقاط ميلوشيفتش في العام الماضي.
هناك ضرورة ملحة لمكتب خاص الان ايضاً ويجب ادارته من البيت الابيض حيث المكان الوحيد في واشنطن الذي يمكنه التنسيق، واعني هنا توجيه نشاطات الشؤون العامة للخارجية والدفاع والعدل والمخابرات المركزية وغيرها تجاه الرأي العام الاسلامي. ستكون هناك حاجة لمصادر اضافية، ويجب تأسيس انظمة بث خاصة مقتصرة على هذه القضية، ليس للافغان فقط ولكن لكل العالم الاسلامي، وللمسلمين في دول مثل الهند والصين، وكذلك للمسلمين في غرب اوروبا حيث انغرست شبكات الارهاب بعمق.
حقاً، من الضروري الاستفادة مرة اخرى من افضل القدرات خارج الحكومة، كما كان الحال في الحرب العالمية الثانية. ان تعددية مجتمعنا تحتوي على خبرات هائلة في الاسلام وهي غير متوفرة الان في داخل الحكومة الاميركية.
ويبقى ان هذه المهمة يجب ان تكون جهوداً متواصلة منفصلة عن الحرب ضد الارهاب، ولكنها مؤيدة وداعمة لها مباشرة. وعمليا، هذه المهمة ستدوم اطول من الحرب ذاتها وستكون لها، اذا نجحت، فوائد اخرى. بالطبع لا يسعد احداً انشاء اطر اضافية في واشنطن المثقلة بالبيروقراطية، لكن الاطار الحالي لا يملك اي فرصة في النجاح. يجب ان نتذكر اننا لا نستطيع تحمل الخسارة، واذا خسرنا فإن صراعاً دائماً سيقود الى ازمات دائمة، وهذا ما يريده بن لادن وانصاره.
* مندوب اميركا الدائم لدى الامم المتحدة في عهد اداة الرئيس كلينتون ـ خدمة "واشنطن بوست" ـ خاص بـ"الشرق الأوسط"
&















التعليقات