&&&&&&&&&&&&&&&&& عباس بيضون
"نقد نقد العقل العربي" عنوان غير مستغرب فثمة في الفكر الفلسفي سوابق في نقد النقد ونقد النقد النقدي.. الخ. لكن المثير في مجلد جورج طرابيشي "وحدة الفكر الفلسفي العربي" هو انه الثالث في سلسلة، لم تنته، غرضها الأوحد نقد فكر محمد عابد الجابري. من العافية بالطبع ان نجد قراءة نقدية بهذه السعة لأطروحات واحد من أمراء الثقافة العربية المعاصرة، ولا أظن ان ثمة تكريما اكثر للجابري من ان يقف مفكر مشروعه الثقافي كله على نقده. لم يكن الجابري من هذا الرأي ولم يقبل دعوة طرابيشي للسجال. هذا شأنه على كل حال. أما القراء مثلي فيجدون في عمل طرابيشي تجديدا لقراءة الجابري وبمثل هذا وسواه يغدو مؤلف الجابري اكثر من أثر فردي. يغدو حدثا ثقافيا ومحطة فعلية في التاريخ الفكري العربي.
إذا تنحينا عن ذلك بدا لنا ان المثير في كتاب طرابيشي ليس عنوانه ولكن غرضه. فهذا الكتاب مغامرة فكرية فريدة لأنه يجعل همه ومشروعه كله في رصد ومتابعة كاتب آخر، أي إنه على نحو ما مطاردة للجابري. مطاردة تستحق اسمها، فهي اقتفاء أثر الجابري خطوة خطوة وفحص آثاره ورسومه واحدا واحدا.
والمطاردة بخلاف ما نظن تتسع كلما طالت. يفضي الاثر الى الاثر والحجة الى غيرها فيغدو مدى المغامرة أبعد. كلما تحققنا من شيء بدا اننا لم نتحقق تماما فثمة حجج اخرى في الخفاء وثمة جديد في الانتظار. مطاردة من جملة الى جملة ومن استشهاد الى استشهاد ومن تفصيل الى تفصيل. وكلما أحكم الطوق وبدا ان المواجهة محققة والنهاية قريبة. ينزاح طرابيشي عنها ونجده وقد عاد الى نقطة البدء وعادت المطاردة ثانية مفتوحة والمدى أمامها واسعا، ثمة ما يبدو عصابا هوسيا في ذلك، ليس هوس الإلحاح على موضوع الجابري وحده، بل هوس التتبع والتقصي والجمع والترتيب والتحقق، والحال انه أشبه بالعصاب لأنه لا يرتوي ولا يجد خاتمة وكأن المجلدات الثلاثة وما يتبعها هي سيرته في تطلبه الدائم ويقظته المستمرة ونهمه الذي لا سبيل الى إشباعه.
مغامرة فريدة ولا نجد في الكتابة العربية المعاصرة لها مثيلا. يبدأ طرابيشي مجلده الأول باتهام الجابري بأنه لا يقرأ مراجعه بل يجد استشهاداته في قاموس فلسفي. تهمة يحولها طرابيشي الى مطاردة والى حكاية. أما "مشرقية" ابن سينا فهي ايضا تتحول الى مطاردة وحكاية. فنصّ جورج طرابيشي ليس فقط بأطروحاته بل بذلك النسيج التفصيلي الذي يبلغ حد "السرد الفكري" اذا جاز التعبير.
انها لعبة ايضا. دحض أشبه بتسجيل نقاط. ونقطة بعد نقطة، لا ينتهي الدحض ولا يسقط الخصم وما من ضربة قاضية رغم إمكانها (اذا تابعنا منطق الرد) فاللعبة أهم من نتائج لا نعرف في أي مجلد سنجدها.
مغامرة فريدة في تقصيها وبحثها ودقتها وتأنيها، فنادرا ما نجد في الفكر العربي محاكمة بهذه السعة والتملي والتقميش، لكن الاكثر فرادة هو ان يقف مفكر من وزن الطرابيشي مشروعه وفكره على قراءة للجابري. هذه ايضا رواية: التكلم بصيغة الآخر. (عن "السفير" البيروتية)









التعليقات