الإرهاب ملعون مرتكبه ، ومن أرسله، ومشجعه ومؤويه، ومن اشترى له تذكرة السفر، ولكن...
إذا كان من فائدة واحدة للإرهاب الذي تعرضت له الولايات المتحدة فهو أنه جعل العلاقة مع اسرائيل موقع بحث على جانبي المحيط الأطلسي، وكل عميل اسرائيلي يقول أن اسرائيل غير مسؤولة عن كره السياسة الخارجية الأميركية، يطرح الموضوع للبحث شاء أو أبى.
ولعل من القراء من يذكر أنني في 21 من الشهر الماضي تحدثت عن صحافي لم أكن سمعت به من قبل هو ديفيد سكربينا الذي كتب في " دتريت نيوز" فدعا إلى التخلي عن تأييد اسرائيل، وحث بلاده على إقامة علاقات وثيقة مع العرب والمسلمين لأنهم أكثر بنسبة مئة إلى واحد من اليهود ، والمصالح الأميركية معهم أهم كثيراً.
لم يكن سكربينا صوتا منفردا صارخا في البرية، ففي اليوم الذي كتبت عنه ثار جدل مماثل على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، فالصحافي البريطاني المعروف أ . ن. ويلسون كتب في " إيفننغ ستاندارد" التي تؤيد اسرائيل عادة، وشكك في حق اسرائيل في الوجود بالنظر إلى ما ترتكب من جرائم في الأراضي الفلسطينية، وقال حرفياً:"هل يوجد إرهاب أكبر من سياسة الغزو التي ينفذها شارون بالدبابات والقنابل الأميركية؟".
المقال هذا كان له وقع القنبلة على أنصار اسرائيل، ولا أزال أقرأ تعليقات عليه أكثرها يدافع عن اسرائيل، ويفضح نفسه وهو يحاول أن يغطي على جرائمها.
أعترف بأنني فوجئت بأن صحافياً نافذاً يطرح للتساؤل" حق اسرائيل في الوجود" بعد أن سلم به أكثر العرب، غير أن ما سرني شخصياً في المقال إشارة كاتبه إلى كونراد بلاك، ناشر جريدة ال" دايلي تلغراف" ، وكيف أنه يدافع عن آرييل شارون ويتهم من يهاجمه باللاسامية.
بلاك رد فورا على ويلسون، وفضح نفسه رغم محاولته انكار أنه يؤيد الإرهاب الاسرائيلي ضد الفلسطينيين، فهو زعم أنه دعا إلى انسحاب اسرائيل من معظم ما يسمى الأراضي المحتلة" وهي عبارة أرجو من القارىء أن يلاحظ فيها " ما يسمى فهل هناك اسم آخر غير الاحتلال؟
المشكلة مع المتطرفين من أنصار اسرائيل أنهم يغذون التطرف المقابل، بل هم يبررون أن يقف عربي أو مسلم ويتحدث عن " ما يسمى اسرائيل".
فلسطين كلها أرض محتلة، وقد قبل الفلسطينيون أن يبقى لهم منها 22 في المئة فقط، ومع ذلك لا يقبل شارون ومجرمو الحرب أمثاله، ويؤيدهم أمثال كونراد بلاك، فيطيلون معاناة العرب واليهود معاً.
وكنت انتقدت بلاك مرة بعد مرة منذ انفجار ارهاب 11 أيلول سبتمبر، غير أنه يفترض في أن انتقده بعد تحويله جريدة المحافظين في بريطانيا إلى جريدة اسرائيلية، أما انتقاد صحافي بريطاني له، فهو أشد وقعاً ، لأن يتحدث كإنسان محايد وخبير، يرى جانبي الموضوع، ويقرر أن اسرائيل معتدية، وأن بلك يناصرها في عدوانها.
ويلسون ليس وحده، فجريدتا ال" غارديان" وال"إندبندنت" تنتقدان مواقف بلاك دورياً ، والمجلة الساخرة " برايفت أي" تسخر من هذا الكندي.
اليوم اسجل فقط أنني أقيم في وسط لندن منذ 25 سنة، ولست عضواً في أي حزب بريطاني طبعاً (لم انتم إلى حزب في بلدنا أيضا) غير أنني انتخبت دائماً مرشح الحزب المحافظ في منطقة تشيلسي، وأعرف أصدقاء كثيرين من العرب الذين يقيمون في منطقة كنزغتون وتشيلسي مثلي، وأعرف أنهم انتخبوا مرشح الحزب المحافظ كل مرة.
وقد قررت للمرة الأولى في حياتي أن أقوم بنشاط قريب من السياسة، فأنا سأطالب الأصدقاء بأن يفعلوا ما اعتزم أن أفعل ويرسلوا رسائل إلى رئاسة حزب المحافظين تحتج على مواقف جريدة ارتبط اسمها دائما بالحزب، فإما أن تكون ال"دايلي تلغراف" وال" صنداي تلغراف" جريدتين انكليزيتين، أو يقرر اللورد الوارد من كندا أنهما اسرائيليتان مثل "جيروزاليم بوست".
ولا بد من أن أعود إلى القراء يوما بتفاصيل الرد على بلاك وأمثاله، فدعمهم "ما يسمى اسرائيل" هو الذي يشجع أمثال شارون على مواصلة القتل والتدمير، لتضيع فرص السلام.(الحياة اللندنية)