&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& أمير طاهري
اذا سارت الامور حسب الخطة الموضوعة، فمن المتوقع ان تشهد طهران اليوم اكبر تظاهرة معادية لاميركا عرفتها لأكثر من عقدين. وقد نظمت المظاهرة احتفاء بمرور العام الثالث والعشرين لذكرى احتلال بعض "الطلاب" الثوريين للسفارة الاميركية في طهران. وتعتبر التظاهرة في نفس الوقت احياء لتقليد اهمل منذ انتخاب محمد خاتمي رئيسا لايران عام 1997، وترك للموت البطيء.
المبادرة بإحياء روح العداء لأميركا جاءت من المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يتوقع ان يظهر شخصيا في هذه المناسبة. وقد حرصت كل الشخصيات الهامة في المؤسسة الخمينية، على اعلان نيتها الالتحاق بسفينة العداء لأميركا والمشاركة في التظاهرة. وحتى الرئيس خاتمي، الذي يعتبره البعض مؤيدا خفيا لتطبيع العلاقات مع اميركا، حرص على التأكيد على نفسه كواحد من اعداء اميركا.
السؤال الذي يتبادر للأذهان هو: لماذا يحدث كل ذلك الآن؟
يمكن ان نجد جزءا من الاجابة عن هذا السؤال في احداث الشغب الاخيرة في طهران وفي عدة مدن أخرى. ويعتقد العديدون داخل المؤسسة الخمينية، أن احداث الشغب، وهي الأكبر حجما منذ استيلاء الملالي على السلطة، كانت بايعاز من عناصر تربطها بعض الروابط بأميركا. وتذكر السلطات هنا على وجه التحديد قناتين فضائيتين تبثان من كاليفورنيا، وتعتبرهما المحرضين الرئيسين على تلك الاحداث.
ولا يمكن، بالطبع، انكار الشعور بالضيق الذي ينتاب طهران حاليا. ويدل على ذلك ان الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني ذهب الى حد الزعم بأن الولايات المتحدة تعد العدة لضرب ايران بمجرد هزيمتها لافغانستان.
ان قرار واشنطن دعم الملك السابق لأفغانستان، محمد ظاهر شاه، ليكون على رأس السلطة الانتقالية التي تخلف طالبان، سبب ضيقا حقيقيا لبعض الملالي، باعتباره البداية لاعادة الملوك المخلوعين الى الحكم، في هذه المنطقة. وتزعم صحيفة ايرانية ان الولايات المتحدة تعمل بالاتفاق مع الاردن لاعادة الملكية العراقية، بينما تقوم في نفس الوقت "بتدريب" الامير رضا، الابن الاكبر للشاه، لتقلد الحكم في ايران.
قد يبدو ذلك محض خيال للخبراء في الشؤون الدولية. ولكن ملالي ايران، لهم طريقتهم الخاصة التي تتصور السياسة الدولية سلسلة من المؤامرات المستمرة والمعقدة، والتي يتآمر فيها كل طرف على كل الاطراف الأخرى.
هذه لحظات عصيبة بالنسبة للقيادة الايرانية. فمن جانبهم يدعو اغلب الملالي في صلواتهم لانتصار اميركا على طالبان، فهم يعرفون ان حكام طالبان، وتفسيرهم المتشدد للاسلام، يمثلون منافسا آيديولوجيا للخمينية، وتستدعي هذه المنافسة الى الاذهان النزاعات التي نشبت بين الاتحاد السوفياتي والصين الشيوعية في الستينات، عندما كانت الدولتان تدعيان تمثيل النموذج الصحيح والاصيل للآيديولوجية المشتركة.
من المفاهيم السائدة في الاوساط الراديكالية ان النظام القديم بمؤسساته الراسخة، يكون دائما اكثر محافظة من رصيفه الجديد، ولذلك يشعر الاول بالخطر وينتبه الى نقاط الضعف. وقد وضح الاحساس بقوة جذب المثال الطالباني داخل المؤسسة الايرانية الحاكمة نفسها. ونادى عدد من قادة الملالي، قبل فترة قصيرة من هجمات 11 ايلول (سبتمبر) الماضي على نيويورك وواشنطن، وبصورة علنية، الى تبني ايران منهج طالبان في الحكم.
ومع انهم يتمنون سرا انتصارا اميركيا على طالبان فإن ملالي طهران ينظرون بمنظار قاتم الى اصرار الولايات المتحدة على فرض وجودها في المنطقة. وهم يخشون ان ترضى الولايات المتحدة، بتشجيع او استغفال من باكستان، بنصر غير مكتمل، يسمح لطالبان بالبقاء في الحكم بصورة معدلة. ولكن السيناريو الأسوأ من وجهة نظر طهران هو قيام تحالف بين مجموعة جديدة من طالبان وبين الولايات المتحدة، مع قيام باكستان بدور الوسيط.
ولهذا السبب تريد طهران الابقاء على خياراتها مفتوحة، وستكون تظاهرة اليوم بمثابة تحذير للولايات المتحدة اضافة الى التعبير عن التضامن مع الشعب الافغاني. وايضا ستكون التظاهرة بمثابة تذكير للجميع بأنه وحينما يكون هناك اي تهديد لايران، فإن القوى المتصارعة فيها على السلطة تتوحد دوما حول محور آيديولوجية العداء لاميركا.
وترى بعض الشخصيات البارزة في المؤسسة الخمينية، ان الوضع الافغاني المعقد قد يوفر لطهران فرصة المبادرة بحوار مفتوح مع الولايات المتحدة. وتنتمي الدولتان لما يسمى بمجموعه (6 + 2) والتي تتكون من جيران افغانستان اضافة الى روسيا والولايات المتحدة. لذا فإنه من الطبيعي الا تقتصر المناقشات على سير الحرب فحسب، بل تمتد الى مناقشة مستقبل نظام الحكم في افغانستان ايضا. مثل ذلك النقاش قد يساعد على بناء الثقة بينهما وربما يتبع ذلك لاحقا محادثات حول مسائل تتعلق بالمصالح الثنائية بينهما.
وتمت بالفعل تحركات خجولة في ذلك الاتجاه. ففي حدث غير مسبوق، منذ عام 1978، التقى سفير طهران لدى الامم المتحدة بمجموعة من رجال الكونجرس ومجلس الشيوخ. وحقيقة ان الدعوة جاءت من السناتور آرلن سبنسر، السياسي اليهودي والشخصية البارزة بين مؤيدي اسرائىل في واشنطن، تكشف عن استعداد طهران للتغاضي عن دعايتها المناوئة لاسرائىل حينما يكون الامر متعلقا بمصالحها.
ولكن هل معنى ذلك ان التظاهرات المعادية لاميركا ليست سوى ذر للرماد في العيون، وغطاء لمحاولات سرية لاعادة العلاقات الودية مع واشنطن.
ربما كان الغرض من العرض المخطط "للغضب الشعبي" هو بث الذعر في معارضي النظام وبخاصة وسط الشباب والذين يحاولون السيطرة على الشارع السياسي وبنفس الطريقة التي اتبعها مؤيدو الخميني في 78 ـ 1979. وربما يكون المقصود هو عزل دعاة الاصلاح الحقيقيين داخل المؤسسة الخمينية والذين يعتقدون أنه لن يحدث تغيير حقيقي في ايران من دون عودة العلاقات الطبيعية مع واشنطن. يرى هؤلاء ان تدهور الاقتصاد الايراني والمتمثل في جزء منه في معدلات البطالة الضخمة المتزايدة، سببه الاساسي العقوبات المفروضة على ايران بقيادة الولايات المتحدة.
وتصر بعض الشخصيات البارزة من انصار الاصلاح، بأن الوقت قد حان لايران لترميم علاقاتها مع الولايات المتحدة والاستفادة من ذلك في التخلص من العدوين اللدودين للخمينية: نظام طالبان في قندهار، وحكومة الرئيس صدام حسين في بغداد.
ويقول احد انصار الاصلاح في ايران، من اعضاء المجلس الاسلامي "ان كل من له اي درجة من الفهم لمصالحنا القومية، يعرف انه من مصلحة ايران الحيوية ازاحة طالبان وصدام حسين عن السلطة، وانه لواضح ايضا أن ايران لن تقوى وحدها على التخلص من اي من الخطرين. واذا كانت الولايات المتحدة تفعل ذلك بالنيابة عنا، فلماذا الاحتجاج على ذلك".
ويذهب شخصيات بارزة أخرى في طهران بتلك التحليلات الى ابعد من ذلك، اذ انهم يعتقدون أن الولايات المتحدة خاب أملها في حلفائها الحاليين في العالم الاسلامي وانها تبحث عن حلفاء اسلاميين جدد بعد سقوط نظام طالبان. وستكون الولايات المتحدة حينها على استعداد لغض الطرف عن السياسات الداخلية للحلفاء الجدد، وهذا يعني إمكانية بقاء النظام الخميني متماسكا بينما يطور في الوقت نفسه تحالفا مع واشنطن حول المصالح المشتركة بينهما في الاقليم.
ان فكرة اعادة العلاقات مع واشنطن، ودعك من التحالف معها، مرفوضة من قبل العديد من الرموز القوية في طهران. فقد اعلن علي اكبر ولايتي، وزير الخارجية السابق، ان العداء لاميركا هو حجر الاساس لآيديولوجية النظام الثورية. وفي خطاب القاه مؤخرا في جامعة طهران قال: "اذا ازيح ذلك الحجر سينهار كل البناء العتيد الذي اقامه الإمام". ويعبر علي شامخاني، وزير الدفاع الذي نافس خاتمي في معركة الرئاسة في يونيو (حزيران) الماضي، عن وجهة نظر مماثلة. وفي حديث له في الاسبوع الماضي اتهم خاتمي بـ"الرخاوة" تجاه الشيطان الاميركي الاكبر. وقال ربما تقوم الولايات المتحدة بالمساعدة في تحقيق هدف ايران بالتخلص من صدام حسين والملا عمر، لكنها لن تسمح للثورة الخمينية بجني الفوائد.
وبعد 23 عاما من تاريخ احتجاز الرهائن الاميركيين في طهران لا يزال موضوع العلاقات مع واشنطن متقدا وحيا. (عن الشرق الاوسط" اللندنية)
&















التعليقات