تونس- رشيد خشانة: تبدو متغيرات الوضعين الدولي والمحلي في تونس دافعة في اتجاه اتخاذ اجراءات تكرس الانفراج وتضع حداً لأجواء الانتظار التي أعقبت أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) في نيويورك وواشنطن، فبعدما حبس الجميع انفاسهم امام هول ما حدث استعادت النخبة السياسية وهيئات المجتمع المدني حيويتها وعادت ملفات كانت مطروحة في أواخر السنة السياسية الماضية لتوضع علي جدول الاعمال مجدداً، بل باتت محل جدل بين الحكم ومعارضيه.
واكيد ان هناك استحقاقات آتية ستضع هذه القضايا السياسية في الصدارة مما يجعلها تتقدم علي الشأنين الاقتصادي والاجتماعي علي اعتبار ان المفتاح لحل جميع المعضلات الكبري يبقي بأيدي صناع القرار علي رغم ان الجمهور الواسع يهتم بالجفاف وغلاء الاسعار وسواهما من القضايا التي تتجاوز الدائرة الضيقة للنخب المسيسة وتخص قطاعات أوسع. والظاهر ان انتظار الانفراج سيطول علي رغم كون ظروفه الموضوعية ناضجة، فالانعطاف الذي مرت به المعركة الدولية ضد الارهاب اقنع كثيراً من السياسيين في الغرب والعالم العربي بأنه ليست الديموقراطية هي التي تولد العنف، وانما غيابها هو الذي يهيئ أسباب الارهاب ويدفع مواطنين من بلدان عربية واسلامية الي الانسياق وراء خيار التشدد والعنف.
محلياً ليست هناك حركة اسلامية قوية مسيطرة علي الساحة وبالتالي لا يخشي من ان تكون المستفيدة الأولي من الانفراج أو تبادر الي حصد ثماره مثلما هي الحال في بلدان مغاربية وعربية اخري. وربما من خصوصيات الوضع التونسي ان الصراع السياسي وتحديداً التجاذب في شأن الحريات والتعددية وحقوق الانسان ظل محصوراً منذ مطلع التسعينات بين الحكم والمجتمع المدني العلماني ، فلماذا الخوف من التنازل لفئات مثقفة مقطوعة عن الجسم الاجتماعي؟
صحيح ان المجتمع المدني، علي نخبويته، أثبت قدرة كبيرة علي الحركة والتأثير علي نحو استقطب اهتمام المنظمات غير الحكومية ووسائل الاعلام في الغرب وحتي الحكومات نفسها. لكن يبدو ان التطورات الدولية التي حولت مركز الاهتمام نحو الحرب الاميركية علي الارهاب سرقت الأضواء من القضايا الداخلية، إلا انها لم تهمشها بالكامل مثلما دلت مضامين المحادثات الأخيرة التي تمت بين مسؤولين تونسيين وغربيين اخيراً.
أبعد من الصراع بين الدولة والمجتمع المدني علي مسائل الحريات وحقوق الانسان، شكل الانفتاح الاعلامي مقياساً اساسياً للانفراج لدي قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصاً بعدما أظهر تعاطي الناس الواسع مع الفضائيات وشبكة انترنت انقطاع الاعلام المحلي عن العصر. وعلي رغم الوعود المتكررة برفع القيود عن الاعلام وإحداث نقلة تقطع مع الرأي الواحد والصوت الواحد لم يتغير شيء، بل ان كثيراً من الفرص السانحة لتكريس التعددية الاعلامية وفتح مصادر المعلومة أمام الصحافيين اجهض أو ضيع قبل نضوج ثماره. ومع ان التردد والمراوحة أهدرا وقتاً كثيراً، فإن الظرف الراهن بتداعياته الدولية والمحلية يمنح فرصة اخري لتدارك بعض ما فات، فهل تستثمر في الاتجاه الصحيح؟ (عن "الحياة" اللندنية)