&
فـداء عيتانـي: في الخمسينيات من القرن الماضي شرع الاقتصاديون في الولايات المتحدة وأوروبا بالتلويح بما سيعرف لاحقا باسم "نهاية التاريخ"، لقد انطلقت نظرية دولة الرخاء والمكارثية ونهاية الصراعات ذات الطبيعة الطبقية أو الساعية إلى المزيد من التنمية، انطلقت هذه النظريات من رحم واحد في الولايات المتحدة، ومن قاعدة الثقة بالانتصار على حليف الحرب الثانية وعدو الحرب الباردة الاتحاد السوفيتي، وقامت الدول الغربية بالترويج لهذه النظرية ومكافأة أصحابها واتباعها على قاعدة التعامل المشرف مع المثقفين والعلماء. |
إلا انه وللآسف لم ينته التاريخ، ودولة الرفاه شبه غائبة، والنمو الاقتصادي في وضع اقل ما يقال فيه على المستوى العام هو انه صعب، فيما كانت النظرية التي تبشر بدولة الرفاه تقول بان وقوف الدول على الحياد وإفلات قوى السوق للتحكم بالإنتاج وبالتطور سيؤدي إلى حالة من النمو الشامل، في كافة المجالات.
على الأقل هذا ما بشرت به الليبرالية والتي امتدت إلى البنك الدولي وصندوق النقد، وسيطرت على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وان كانت الليبرالية هي في التعريف مضادة (كمثل المضادات الحيوية) للنظريات الكليانية والأيديولوجيات، فانها الآن تمثل الأيديولوجيا الوحيدة المسموح بها دوليا، وما عداها سيعيش الفقر والتراجع والنمو السلبي، واصبح الاقتصاديون، من فرط هيمنة الليبرالية وتحقق مفاهيمها، يخشون ان يتهموا بغيرها من المدارس الاقتصادية.
ولكن، توقف التاريخ للحظة حين انهار الاقتصاد الأميركي بعد الانتعاش الذي عرفه عقب حرب الخليج الثانية، لقد عاش الاقتصاد نموا ملحوظا في الولايات المتحدة، وحصلت الدول الأوروبية الصناعية، أو الغربية، سمها ما شئت، على بعض من هذا الانتعاش، الذي لم يغب عن الأسواق اليابانية وهي الاقتصاد الثاني في العالم. لقد توقف التاريخ مع انهيار افتراضي كان يمكن للمراقبين رؤيته في الفصل الثاني من العام الحالي، كانت كافة المؤشرات تتجه وتؤكد حقيقة شبه رياضية، ان الأسواق تتجه إلى التراجع الذي لن يوقفه شيء، ربما تمكنت بعض المؤثرات من رفع القيم والسندات والأسهم والسلع ولكن على المستوى العام وفي النظرة الشمولية كان الاقتصاد الأول والاقتصاديات المرتبطة به والموازية له تتجه وئيدا نحو الأسفل.
يمكن للساسة ان يتشدقوا ما شاء الله لهم بالكلام عن ربح وخسارة الولايات المتحدة في الحرب، ولكن عليكم ان تراقبوا المضاربون في البورصات الرئيسية في أميركا واليابان وأوروبا الغربية وخاصة المملكة المتحدة، ان هؤلاء سيحصلون على فوائدا عالية مع مرور بضعة اشهر، ويمكن للصحف ان تكتب ما ترغب فلا فرق.
لا يتردد الرئيس الأميركي جورج بوش بان يطالب الكونغرس بالإقرار الفوري بمبلغ لإنعاش الاقتصاد الأميركي، يفترض بالليبرالية الاقتصادية ان ترتعش هنا، وان ترتعد عظام العلماء والاقتصاديين الذين دفنوا عقب نهاية التاريخ وانتصار الليبرالية والليبرالية الحديثة، فالدولة تتدخل بشكل سافر في آليات السوق، وهو ما قد ينتج، نظريا على الأقل، اقتصاد رأسمالية الدولة (لاحظ ان الدول المسماة اشتراكية هي رأسماليات دولة حيث تمتلك الدولة القدرة على التدخل في كافة تفاصيل الاقتصاد كما إنها تمتلك وسائل الإنتاج والمواد الأولية وتشتري قوة العمل من المواطنين)، الرئيس الأميركي المتمتع بكافة مواصفات "الرجل الخيّر" بحسب ما يصف هو الحرب بأنها حرب "الأخيار ضد الأشرار"، يكاد يطيح هو وادارته بابسط مكونات الاقتصاد الليبرالي، هل ذلك عن جهل؟
طبعا لسنا من السذاجة التي تدفع إلى الاعتقاد بان الإدارة الأميركية ساذجة، إنها بالأحرى خلية نحل من الباحثين والمحللين وتتمتع باليات اتخاذ قرار شديدة التعقيد والسعة، إنها ببساطة "لا تنطق عن هوى"، وهي قد اضطرت إلى التدخل المباشر في الاقتصاد بالمعنى الواسع لمنع انهيار حقيقي مرتقب، وان كانت أسباب الانهيار المرتقب لا تعود بأية حالة لبن لادن أو الملا عمر، أو أي إرهابي مفترض، فإنها تعود إلى سيرورة الاقتصاد نفسها التي عاشها ما بعد الحرب الأولى.
شركات الطيران الأميركية تم دعمها ماليا مباشرة، لقد تم تقديم النقد لمنع انهيار الشركات، إلا ان الشركات نفسها كانت شبه متعثرة، وتشهد على ذلك تقارير نتائجها الفصلية في بداية هذا العام، وكذلك الشركات الرئيسية لتصنيع الأسلحة، لقد تم إنعاش شركات التصنيع الرئيسية بعد البدء باستخدام إنتاجها المتفوق والذي بقي عمليا في المخازن منذ قصف كوسوفو، الأمر ليس افضل حالا بالنسبة للشركات المصرفية، لقد انتعشت الشركات المصرفية بعد إطلاق الولايات المتحدة سلسلة من التقارير التي تطالب فيها الشركات المالية في العالم بالكشف عن الحسابات المشبوهة لديها، مما يهدد خاصة سير أعمال المصارف السويسرية المتفوقة، لقد تم توجيه إنذار جدي للشركات المالية وهي اليوم تدافع عن نفسها، الإنذار تم توجيه عبر الاقنية الديبلوماسية والسياسية، ونتائجه كانت اقتصادية محضة.
الليبرالية الحديثة الممثلة بالولايات المتحدة ستدافع عن اكثر من موضوع خلال دورة المفاوضات التجارية التي ستفتتح في الدوحة، أبرزها تحرير الخدمات المالية وإجراءات مكافحة الإغراق والزراعة وحقوق الملكية الفكرية.
وفي ما يتعلق بالخدمات المالية، تريد واشنطن مزيدا من التحرير من الدول النامية. وقد بلغ حجم صادرات هذا النوع من الخدمات من قبل الولايات المتحدة حوالي عشرين مليار دولار العام الماضي لكن هذا المبلغ لا يشمل العمليات التي أجرتها فروع الشركات الأميركية في الخارج والتي تبلغ ثلاثة أضعاف هذا الرقم.
وقال مساعد وزير الخزانة الأميركي جون تايلور "من المهم ان تلتزم الدول التي وضعت حواجز مهمة بتجاوز الممارسات الحالية وإلا تكرر ما فعلته في الدورة السابقة من المفاوضات حيث اعتبر مستوى التحرير السائد حينذاك سقفا وليس عتبة".
وحول إجراءات مكافحة الإغراق، تريد واشنطن الاحتفاظ بحق اتخاذ إجراءات من جانب واحد لحماية قطاعاتها واقتصادها التي تواجه صعوبات في الاستيراد بأسعار قليلة وهذا ما تستعد له بالنسبة للحديد.
وتعترف منظمة التجارة العالمية بهذا الحق لكن بعض الشركاء التجاريين للولايات المتحدة مثل اليابان والاتحاد الأوروبي وكندا تأمل في تحديد اكثر دقة لذلك.
وفي ما يتعلق بالزراعة التي شكلت إحدى النقاط الأكثر صعوبة في الدورة السابقة التي أطلق عليها اسم "جولة الأوروغواي" وانتهت في 1994، كلف الرئيس الأميركي جورج بوش المفاوض روبرت زوليك "فتح الأسواق الأجنبية للمنتجات الأميركية".
واكد زوليك "قلنا بوضوح في اجتماعات المنظمة ومع دول أخرى ان الولايات المتحدة تريد فتح الأسواق أمام منتجاتها الزراعية عبر خفض كبير أو حتى إزالة حواجز التعرفة الجمركية وغيرها وآليات الدعم الوطني التي تضر بالتجارة".
ويعترض الاتحاد الأوروبي على أي التزام مبدئي حتى قبل بدء مفاوضات لإلغاء دعم القطاعات الزراعية.
أما موقف الولايات المتحدة من الحقوق التجارية للملكية الفكرية، فيبقى ملتبسا.
فبعد ان حصلت في جولة الأوروغواي على مستويات عالية من الحماية وخصوصا للشركات المصنعة للأدوية، أجبرت الولايات المتحدة تحت ضغط الرأي العام على إبرام اتفاق مع البرازيل لتسويق الأدوية النوعية لمكافحة الإيدز التي تملك براءاتها مجموعات أميركية.
وعندما وجدت نفسها مؤخرا في الوضع نفسه مع المضاد الحيوي "سيبرو" الذي يستخدم في معالجة مرض الجمرة الخبيثة، لم تتردد الإدارة الأميركية في لوي ذراع المجموعة الألمانية "باير" من اجل خفض الأسعار بعد ان هددت باستخدام براءتها لانتاج الدواء في مختبرات أخرى.
وتشكل النظم الاجتماعية وحماية البيئة موضوعا آخر يثير خلافا بين واشنطن من جهة والمعارضين الأميركيين للتحرير التي ينبغي عليها تقديم ضمانات لهم والدول النامية التي لا تريد ان يدرج الموضوع على جدول أعمال اجتماع الدوحة من جهة أخرى.
هل يمكن ان نقول وداعا لليبرالية الاقتصادية؟ ام ننتظر التاريخ حتى ينتهي مجددا؟









التعليقات