اسلام اباد - من احمد قريشي: على مشارف مدينة "مزار الشريف" الاستراتيجية، التي تحاول قوات "التحالف الشمالي" هذه الايام انتزاعها من ايدي قوات "طالبان"، بدعم لوجستي اميركي، تقع "قلعت جنك" او قلعة الحرب.
شيدت في القرن التاسع عشر,, تجمع القلعة بين ميزات حصون النبلاء الاوروبيين في القرون الوسطى وبين الملامح الساحرة للقصور العربية في دمشق وبغداد، كما جاء ذكرها في قصص "الف ليلة وليلة"، باحجارها الضخمة وردهاتها واقواسها, وتحيط خنادق مائية بالقلعة، وتتوسط العمارة قبة، حولها زعيم الحرب الافغاني - الاوزبكي عبد الرشيد دوستم، في بدء التسعينات، الى مكتب خاص له يستقبل فيه الديبلوماسيين الايرانيين والاوزبكستانيين والباكستانيين والاتراك، ويبهر به الديبلوماسيين الغربيين باستخدام مزيج من سحر المكان، ونفوذ ميليشياته في المنطقة، ومزايا شخصيته القوية كرجل مفتول العضلات، اجش الصوت، وطويل القامة (اكثر من ستة اقدام).
دوستم كان عضوا في حكومة المجاهدين الاولى التي قامت عام 1992 عقب الانسحاب الكامل للقوات السوفياتية, ولم يكن واحدا من "المجاهدين الافغان" الذين قاتلوا السوفيات، بل جنرالا في الجيش الافغاني الموالي لحكومة الاحتلال ما بين العامين 1979 و1989. لكنه سارع الى ترك الحكومة العميلة في كابول وانضم للمجاهدين قبل انهيار الاتحاد السوفياتي.
حكومة المجاهدين، التي تسمى اليوم بـ "التحالف الشمالي" بعدما طردتها "طالبان" من الحكم، كانت مقسمة ما بين العامين 1992 و1996 حسب نفوذ الميليشيات المتعددة, الميليشيا الاوزبكية بقيادة الجنرال دوستم كانت احداها، وسيطرت على نحو ست ولايات شمالية محاذية لاوزبكستان بينها مزار الشريف.
هذه المدينة، وحتى منتصف التسعينات، كانت المدينة الاكثر تحررا في سائر افغانستان, فاسواق المدينة كانت عامرة بالعطور الفرنسية والنبيذ الفرنسي والفودكا الروسية، التي كانت مطلبا رئيسيا لجنود الاوزبك التابعين لدوستم والمعروف عنهم حبهم للشراب وللنساء, كانت البضائع تأتي من دبي على طائرات "بلخ ايرلاينز"، وهو مشروع تجاري مؤقت سمي باسم اقليم بلخ الذي تقع فيه المدينة.
وانشأ دوستم الخط التجاري الجوي من الاموال الاميركية والباكستانية و الايرانية (وهي الدول التي عمل لمصلحتها في اوقات مختلفة), اخذت المدينة طابعها المتحرر لكونها خليطا سكانيا من اثنيات افغانستان، وتحت ادارة دوستم كانت جامعة مزار الشريف تضم نحو 1800 طالبة، يلبس معظمهن اللباس الغربي والاحذية ذات الكعب العالي، وفيها خدمات صحية وتعليمية فاعلة, احد اهم ميزات المدينة، انها لم تتعرض سوى لرذاذ الحرب بين قوات الاحتلال السوفياتي وقوات المجاهدين.
الاوزبك هم من بين اشد القوميات بأسا في آسيا الوسطى, ومعروف عن القبائل الاوزبكية ولعها بالغزوات وقطع الطريق والنهب والسلب، وربما يعود ذلك الى كون الاوزبك ينحدرون من جنود القائد المغولي التاريخي جنكيز خان, الجنرال دوستم كان مهاب الجانب بين القادة الافغان، اذ انه عرف بشدته وكونه صارما عديم الرحمة، كما انه لم يحب ابدا الميول الاجتماعية المحافظة المعروفة لدى قبائل الباشتون.
في منتصف التسعينات، زار الصحافي الباكستاني احمد رشيد، مراسل كل من "ذي نيشن" الباكستانية، و"دايلي تلغراف" البريطانية، مقر دوستم في "قلعت جنك".
والفقرة التالية مأخوذة من كتابه بالانكليزية والمعنون "طالبان: الاسلام، والنفط، واللعبة الجديدة في آسيا الوسطى" وفيها يشرح رشيد اتصاله الاول بدوستم: "عندما وصلت الى القلعة لملاقاة دوستم للمرة الاولى، كانت هناك قطع من اللحم وآثار دم في ساحة القلعة الممتلئة طينا ورملا, وببراءة سألت الحراس ما اذا تم ذبح خرفان في المكان؟ وردوا قائلين انه قبل ساعة قام دوستم بمعاقبة جندي متهم بالسرقة, تم ربط الرجل بالسلاسل التي تحيط بعجلات دبابة روسية الصنع والتي اخذت تدور حول الساحة و هي تقطع جسد الرجل قطعا صغيرة، فيما وقف دوستم وجنوده يتفرجون".
ما كان يفعله دوستم بسيط - وربما مبرر - مقارنة بما حدث في باقي مناطق افغانستان اثناء السنوات الاربع من حكم المجاهدين الاولى، والتي كانت عبارة عن حكومة ائتلاف مكونة من قادة ميليشيات متصارعين، يحكم كل واحد منهم منطقة من مناطق البلد, وتفصل سجلات اهم منظمتين دوليتين مستقلتين في مجال حقوق الانسان - وهما منظمة العفو الدولية في لندن ومنظمة "هيومن ر ايتس ووتش" في نيويورك - في آلاف حالات القمع والقتل والنهب المنظم على ايدي ميليشيات المجاهدين الحاكمة.
ومن بين تلك الوقائع، ثمة مئات حالات الاغتصاب المنظم لفتيات افغانيات على يد جنود ميليشيات المجاهدين وكان يتم ارجاع بعضهن الى اهاليهن بعد ليلة او ليلتين، فيما يتم قتل بقية الفتيات بعد ان يغتصبهن عدد كبير من الجنود ، او يصبحن زوجات لامراء الحرب, هذه الاغتصابات مهمة لانها لعبت دورا مهما في تطور الاحداث في افغانستان في باقي التسعينات.
ظهور عمر
في اواخر العام 1993، وبعد نحو سنتين من قيام حكومة المجاهدين في افغانستان، اختطفت في نواحي قندهار فتاة عمرها 15 ربيعا من منزلها في ليلة باردة, تم اغتصابها وضربها بوحشية، وتركت لتموت ببطء في العراء, وعقب ايام، اختطفت فتاة صغيرة اخرى من قرية نائية في نواحي المدينة, لكن هذه المرة، وصل الخبر الى مسامع مدرس ديني مغمور في قندهار، يحيط به عدد من طلبة الدين والشريعة، او كما يشار اليهم باللغة المحلية: "طالبان دين".
قام المدرس وطلبته بتخليص الفتاة من ايدي من كانوا ينوون هتك عرضها، وبعد تسليم الفتاة الى ذويها، قاموا بمعاقبة الزناة حسب الشريعة الاسلامية، ثم نفذوا فيهم حكم الشرع الذي يأمر بزهق ارواح "المفسدين في الارض".
وفور سماع ذلك، جاءت الى المدرس، واسمه عمر، ام تطلب المساعدة في انقاذ ابنتها التي كان يحتفظ بها جنود تابعون لاحدى الميليشيات التي تشكلت منها حكومة المجاهدين الاولى, وكانت صدمة للكثيرين من الافغان وغيرهم في الخارج، ان يروا المقاومين الشجعان الذين قاتلوا "الدب الاحمر" وعجلوا بنهايته، يتحولون الى عصابات من المغتصبين و طلاب السلطة.
انتشرت سمعة عمر وطلبة الدين من اتباعه في نواحي وسط افغانستان وجنوبها، الى ان وصلت الى مسامع الشيخ سميع الحق، رئيس "دار العلوم الحقانية" في مدينة جبلية صغيرة في شمال باكستان, "دار العلوم الحقانية"، وهذا اسمه الدقيق المعتمد، باللغة العربية، هو معهد كبير متخصص في علوم الشريعة الاسلامية، ويعمل على طراز الجامعات المسيحية في اوروبا واميركا، اذ يشهد حفلات للتخرج سنوية, وتعترف الحكومة الباكستانية بشهاداته، ووضعت وزارة التعليم الفيديرالية في اسلام اباد مقياسا خاصا من اجل معادلة شهادات "دار العلوم الحقانية" بشهادات نظام التعليم البريطاني والاميركي.
اكتشف الشيخ سميع الحق، ان عمر القندهاري الذي ذاع صيته في نواحي افغانستان الجنوبية، ليس سوى طالب سابق من طلبة الدار، لم يكمل تعليمه وعاد الى افغانستان من دون شهادة.
واستدعاه سميع الحق واصبغ عليه لقب "الملا"، وهو لقب يعتبر درجة دينية في دار العلوم الحقانية، لا يحوزها طالب الا بعد دراسة وعناء.
هذه بدايات الملا عمر، الزعيم الروحي لحركة "طالبان", وبعد عام واحد، اي في اواخر 1994، برزت "طالبان" كحركة سياسية اسلامية جذبت عددا كبيرا من المتطوعين الافغان من سائر الاثنيات: الباشتون، الطاجيك، الاوزبك، التركمان، الى جانب عدد كبير من العرب والباكستانيين والاتراك والشيشانيين والكشميريين.
درس في السياسة
المكاسب السياسية والعسكرية - المعنوية والجغرافية - التي حققها الملا عمر وطلبته على الارض ليس لها مثيل ربما في التاريخ السياسي والعسكري للميليشيات والحركات الايديولوجية في النصف الثاني من القرن العشرين.
ارنستو تشي غيفارا، المقاتل الثوري الشيوعي الذي الهم مخيلة الحركات الليبرالية في العالم اجمع في النصف الثاني من القرن العشرين، لم يحقق نجاحا على الارض يقترب من ذلك الذي حققه الملا عمر في فرض السيطرة على بلد يصوب حكمه مثل افغانستان.
وقبل سقوط كابول، وباقي افغانستان، في ايدي "طالبان" في خريف عام 1996، اصرت الولايات المتحدة على ان الحركة على وشك السقوط، بعد نحو سنتين من قيامها, ورفضت واشنطن مطالب مبعوثين عدة ارسلتهم رئيسة وزراء باكستان حينذاك بنازير بوتو من اجل حض الاميركيين على النظر ايجابا في التقدم الذي كان يحققه "الطالبان".
زارت روبن رافل، مساعدة وزير الخارجية الاميركية، اسلام اباد وقالت للصحافيين في 11 مايو من عام 1996، ان "الطالبان" منقسمون في ما بينهم وعديمو الخبرة ولا يملكون قيادة متمكنة او ادارة ناجحة, واضافت: "نقاط الضعف هذه، الى جانب قوة (احمد شاه) مسعود المتزايدة، تبدو كأنها تميل توازن القوى ضد طالبان الى حد ما، وستمنعهم من تحقيق هدفهم بالسيطرة على كابول".
المسؤولون المتعاطفون مع "طالبان" في اسلام اباد وفي بعض العواصم الخليجية نقلوا الى الحركة رسائل تؤكد نفاد صبرهم بسبب اصرار مسؤولي الحركة على القتال ورفضهم المستمر للدعوات من اجل الدخول في مفاوضات مع قادة المجاهدين لتشكيل حكومة ذات تمثيل واسع تشمل كل الفرقاء في الحرب الافغانية.
لكن مسؤولي "طالبان" اقنعوا سائر المتعاطفين معهم ان بامكانهم اعادة الهدوء والانضباط إلى افغانستان واخراج الميليشيات المتناحرة منها.
وبدأت "طالبان" في اواخر صيف 1996 حملتها العسكرية المكثفة التي انتهت بالسيطرة على كابول، وشملت معارك وتكتيكات عسكرية اذهلت المراقبين.
ففي 25 اغسطس، اطلقت الحركة هجوما على مدينة جلال اباد من الجنوب، وفي الوقت ذاته، انطلق المئات من مؤيدي "طالبان" المسلحين من باكستان وهبطوا على مشارف المدينة من الشرق.
سقط نحو 70 من مقاتلي الحركة قبل ان تسيطر على المدينة وتطرد ميليشيات المجاهدين السابقين منها، وبدل ان يرتاح المقاتلون ويجددوا ذخائرهم، انطلقوا نحو العاصمة.
وتم الهجوم على المدينة، التي كان يدافع عنها ببسالة احمد شاه مسعود مع قواته، من الجهات الاربع، باسلوب "طالبان" التقليدي المتمثل في خطوط سيارات النقل الصغيرة المتدفقة تحت غطاء من نيران المدفعية، تحمل مئات المقاتلين الذين ينتشرون في لمح البصر في مسرح العمليات.
وبالنسبة الى المراقبين في الخارج، كان سقوط كابول في يد "طالبان" في سبتمبر 1996، تطورا لافتا في الحرب الافغانية، اعاد لها شيئا من الاهتمام الدولي الذي كاد يخبو تماما بعد الانسحاب السوفياتي.
المسؤولون في واشنطن كانوا من بين المراقبين الاجانب الذين فوجئوا بقدرة ميليشيا طلاب الدين، وغالبيتهم من الشباب نسبيا، على هزم ميليشيات المجاهدين المخضرمة وقادتها الاسطوريين امثال حكمتيار ومسعود وسياف ودوستم.
واشنطن لم تكن مهتمة سياسيا بحركة "طالبان"، لكن كانت مهتمة اكثر بضمان دور اساسي للشركات النفطية الاميركية في تطوير الثروة البترولية في منطقة آسيا الوسطى, لذا، تطورت العلاقة في شكل لافت بين الديبلوماسيين ورجال الاعمال الاميركيين وبين "طالبان" في النصف الثاني من التسعينات، وحتى الى ما قبل 11 سبتمبر بقليل, وتفصيلات العلاقة بين واشنطن و"طالبان"، تجعل الحرب التي تدور رحاها الآن بين الطرفين امرا يكاد يكون غير قابل للتصديق.
القناة الاميركية
في الاسبوع الثاني من ديسمبر 1997، وصل وزير الخارجية حينها في حكومة "طالبان"، الملا محمد غوث اخوند، الى فندق فخم في مدينة هيوستن - تكساس، على رأس وفد من الحركة.
كان الوفد يحمل صفة "مهم جدا" (VIP) في الفندق الذي يقيم فيه، اذ كانت لدى ادارة الفندق ارشادات بتقديم اقصى درجات الاهتمام والخدمة, وتم وضع سيارة ليموزين وسيارات اخرى فاخرة تحت تصرف اعضاء الوفد.
جدول الزيارة الرسمي شمل جولات للتسوق والراحة، لكن اخوند لم يكن مهتما بذلك، ولم يقم بأي تسوق سوى شراء مشط للشعر، وزار الوفد مقر وكالة الفضاء الاميركية (ناسا) وانبهروا به، كما ابدوا الاعجاب بحمام السباحة وبالحديقة المنزلية في مقر سكن مارتي ميلر، نائب رئيس مجلس الإدارة يومها في شركة "يونيكال" النفطية الاميركية.
الغزل الاميركي مع "طالبان" لم ينته عند مثل هذه الزيارات, فلم يزر مدينة كابول تحت حكم الحركة مسؤولون غربيون بأعداد كبيرة مثلما فعل المسؤولون الاميركيون، مثل روبن رافل، مساعدة وزير الخارجية، ثم كارل اندرفرث، خليفتها في المنصب، وتوماس بيكرنغ نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، وبيل ريتشاردسون، سفير واشنطن لدى مجلس الأمن ووزير الطاقة السابق، الذي اصبح ارفع ديبلوماسي اميركي يزور افغانستان بعد هنري كيسنجر.
ادارة الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون كانت مهتمة ومتحمسة لضمان حصة الاسد للشركات الاميركية في مشروعات استغلال النفط والغاز في تركمانستان، والتي تقرر ان تنقلها انابيب تمر عبر افغانستان وباكستان, وادركت واشنطن انها اذا لم تتدخل سياسيا لدى حكومات كل من كابول واسلام اباد وعشق اباد (عاصمة تركمانستان)، فان شركات اخرى قد تفوز بالصفقات، خصوصا ان الروس كانوا يستخدمون نفوذهم المعنوي على حكومات جمهوريات آسيا الوسطى من اجل ابقاء الشركات الاميركية خارج المنطقة.
"يونيكال" واجهت منافسة حادة من شركة "بيرداس" الارجنتينية, لكن الشركة الاميركية كانت محظوظة، فإدارة كلينتون، كونها اول ادارة اميركية في فترة ما بعد الحرب الباردة، اعادت هيكلة وزارة الخارجية ليصبح عدد الديبلوماسيين من ذوي الخلفيات الاقتصادية اكثر من اي وقت مضى، ومهمتهم بسيطة: دعم المنتجات والشركات والمصالح التجارية الاميركية حول العالم، وفتح الاسواق المغلقة امامها.
وحتى قبل سقوط كابول في يد "طالبان"، كان الديبلوسيون الاميركيون يحضون اسلام اباد والاحزاب الافغانية على تحقيق السلام والاستفادة من الفرص الاقتصادية في المنطقة.
في 21 ابريل عام 1996 في ختام زيارتها لاسلام اباد، خمسة اشهر قبل سقوط العاصمة الافغانية في يد "طالبان"، اعلنت رافل: "لدينا شركة اميركية مستعدة لمد انبوب (بترول) من تركمانستان الى باكستان, هذا الانبوب سيكون مفيداً لكل من باكستان وافغانستان وسيوفر فرص عمل ومصدراً للطاقة".
ورغم احتجاجات منظمات نسائية حول سياسة "طالبان" ازاء النساء، تفادى المسؤولون الاميركيون الذين كانوا يزورون كابول التعليق على ذلك, وحدها وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت شذّت عن هذه القاعدة، ووصفت بـ "القميئة" سياسة "طالبان" تجاه المرأة خلال زيارة رسمية لاسلام اباد في نوفمبر العام 1997. وتمحورت زيارتها حول الفرص التجارية في المنطقة امام الشركات الاميركية.
لكن سائر المسؤولين الاميركيين الذين زاروا كابول واسلام اباد بعد اولبرايت التزموا الصمت ازاء تلك النقطة، بل ان احدهم، وهو اندرفرث، دعا وسائل الاعلام الاميركية والدولية الى محاولة فهم "طالبان" وقال الديبلوماسي الاميركي لصحيفة "واشنطن بوست" في 12 يناير 1998 "نرى انهم (اي الطالبان) يمكنهم ان يعدلوا سلوكهم ويأخذوا في الاعتبار بعض المقاييس الدولية" في ما يتعلق بالنساء.
ريتشاردسون، زار ايضا اسلام اباد وكابول، وقابل كبار مسؤولي "طالبان" في ابريل 1998 بعد شهرين من صدور "فتوى" عن تنظيم "القاعدة" دعت الى "قتل الاميركيين وحلفائهم، مدنيين وعسكريين", وذكرت التقارير وقتها ان ريتشاردسون عرض على الحركة اعتراف الولايات المتحدة بها كحكومة شرعية لافغانستان، مقابل تسليم اسامة بن لادن وكان ذلك اربعة اشهر قبل تفجير سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا.
وقامت واشنطن بقصف مدينة جلال اباد وضواحيها في اغسطس العام 1998 بصواريخ "كروز" رداً على رفض "طالبان" تسليم بن لادن, لكن القصف لم يستهدف ايا من مواقع "طالبان" بل مواقع وصفتها واشنطن انها مراكز تدريب يديرها بن لادن وتنظيمه "القاعدة".
تلك الزيارات المستمرة لمسؤولين اميركيين كبار الى كابول تحت حكم "طالبان"، كانت سببا في انتشار شائعة تقول ان الحركة مدعومة اميركياً, لكن الحقيقة هي ان واشنطن نأت بنفسها عن الحركة في المحافل الدولية في الوقت الذي استمرت في اجراء حوار مباشر معها طمعاً في دعم موقف شركة "يونيكال".
شركة النفط الاميركية انسحبت من المشروع، رغم توقيع اتفاقات مبدئية مع حكومات تركمانستان وافغانستان وباكستان، بعد القصف الاميركي لافغانستان, واعلنت الشركة انها ستعود عندما تصبح المنطقة اكثر أمناً واستقراراً.
وشهدت تلك الفترة تجميد مشروعات استغلال النفط والغاز في سائر آسيا الوسطى وليس في افغانستان فحسب وهي مشاريع أميركية في مُجملها والسبب لا يعود الى الوضع في افغانستان، بل الى حقيقة ان الشركات الاميركية اكتشفت انها لن تستطيع ان تضخ مليارات الدولارات، لتطوير الصناعة النفطية في منطقة تحكمها حكومات ديكتاتورية فاسدة وقابلة للانهيار، وفي الوقت ذاته تحركها موسكو من وراء الستار.
لكن القصف الاميركي لافغانستان لم يعن قطع الاتصالات بين واشنطن وكابول تحت حكم "طالبان", وكان قرار الابقاء على الاتصالات بين الجانبين استمرارية لسياسة واشنطن في الحوار مع الحركة التي اعلنتها رافل، التي امضت اسبوعا كاملا في كابول في اكتوبر 1996، بعد شهر واحد من سيطرة "طالبان" على مقاليد الأمور في معظم انحاء افغانستان.
المراقبون الذين تابعوا تطور الاحداث في افغانستان على مدى العقد الفائت يشعرون بالدهشة ـ على اقل تقدير ـ لرؤية صدام عسكري على هذا المستوى بين الولايات المتحدة و"طالبان"، خصوصاً ان واشنطن قدمت مساعدات مالية انسانية الى الحركة في النصف الاول من العام الحالي بلغت قيمتها 124 مليون دولار.
وقبل شهرين فحسب من 11 سبتمبر، زارت كريستينا روكا، مساعدة وزير الخارجية العاصمة الافغانية في يوليو 2001، واعلنت من هناك تقديم مساعدة مالية انسانية لحكومة "طالبان" قيمتها 43 مليون دولار.(الرأي العام الكويتية)
شيدت في القرن التاسع عشر,, تجمع القلعة بين ميزات حصون النبلاء الاوروبيين في القرون الوسطى وبين الملامح الساحرة للقصور العربية في دمشق وبغداد، كما جاء ذكرها في قصص "الف ليلة وليلة"، باحجارها الضخمة وردهاتها واقواسها, وتحيط خنادق مائية بالقلعة، وتتوسط العمارة قبة، حولها زعيم الحرب الافغاني - الاوزبكي عبد الرشيد دوستم، في بدء التسعينات، الى مكتب خاص له يستقبل فيه الديبلوماسيين الايرانيين والاوزبكستانيين والباكستانيين والاتراك، ويبهر به الديبلوماسيين الغربيين باستخدام مزيج من سحر المكان، ونفوذ ميليشياته في المنطقة، ومزايا شخصيته القوية كرجل مفتول العضلات، اجش الصوت، وطويل القامة (اكثر من ستة اقدام).
دوستم كان عضوا في حكومة المجاهدين الاولى التي قامت عام 1992 عقب الانسحاب الكامل للقوات السوفياتية, ولم يكن واحدا من "المجاهدين الافغان" الذين قاتلوا السوفيات، بل جنرالا في الجيش الافغاني الموالي لحكومة الاحتلال ما بين العامين 1979 و1989. لكنه سارع الى ترك الحكومة العميلة في كابول وانضم للمجاهدين قبل انهيار الاتحاد السوفياتي.
حكومة المجاهدين، التي تسمى اليوم بـ "التحالف الشمالي" بعدما طردتها "طالبان" من الحكم، كانت مقسمة ما بين العامين 1992 و1996 حسب نفوذ الميليشيات المتعددة, الميليشيا الاوزبكية بقيادة الجنرال دوستم كانت احداها، وسيطرت على نحو ست ولايات شمالية محاذية لاوزبكستان بينها مزار الشريف.
هذه المدينة، وحتى منتصف التسعينات، كانت المدينة الاكثر تحررا في سائر افغانستان, فاسواق المدينة كانت عامرة بالعطور الفرنسية والنبيذ الفرنسي والفودكا الروسية، التي كانت مطلبا رئيسيا لجنود الاوزبك التابعين لدوستم والمعروف عنهم حبهم للشراب وللنساء, كانت البضائع تأتي من دبي على طائرات "بلخ ايرلاينز"، وهو مشروع تجاري مؤقت سمي باسم اقليم بلخ الذي تقع فيه المدينة.
وانشأ دوستم الخط التجاري الجوي من الاموال الاميركية والباكستانية و الايرانية (وهي الدول التي عمل لمصلحتها في اوقات مختلفة), اخذت المدينة طابعها المتحرر لكونها خليطا سكانيا من اثنيات افغانستان، وتحت ادارة دوستم كانت جامعة مزار الشريف تضم نحو 1800 طالبة، يلبس معظمهن اللباس الغربي والاحذية ذات الكعب العالي، وفيها خدمات صحية وتعليمية فاعلة, احد اهم ميزات المدينة، انها لم تتعرض سوى لرذاذ الحرب بين قوات الاحتلال السوفياتي وقوات المجاهدين.
الاوزبك هم من بين اشد القوميات بأسا في آسيا الوسطى, ومعروف عن القبائل الاوزبكية ولعها بالغزوات وقطع الطريق والنهب والسلب، وربما يعود ذلك الى كون الاوزبك ينحدرون من جنود القائد المغولي التاريخي جنكيز خان, الجنرال دوستم كان مهاب الجانب بين القادة الافغان، اذ انه عرف بشدته وكونه صارما عديم الرحمة، كما انه لم يحب ابدا الميول الاجتماعية المحافظة المعروفة لدى قبائل الباشتون.
في منتصف التسعينات، زار الصحافي الباكستاني احمد رشيد، مراسل كل من "ذي نيشن" الباكستانية، و"دايلي تلغراف" البريطانية، مقر دوستم في "قلعت جنك".
والفقرة التالية مأخوذة من كتابه بالانكليزية والمعنون "طالبان: الاسلام، والنفط، واللعبة الجديدة في آسيا الوسطى" وفيها يشرح رشيد اتصاله الاول بدوستم: "عندما وصلت الى القلعة لملاقاة دوستم للمرة الاولى، كانت هناك قطع من اللحم وآثار دم في ساحة القلعة الممتلئة طينا ورملا, وببراءة سألت الحراس ما اذا تم ذبح خرفان في المكان؟ وردوا قائلين انه قبل ساعة قام دوستم بمعاقبة جندي متهم بالسرقة, تم ربط الرجل بالسلاسل التي تحيط بعجلات دبابة روسية الصنع والتي اخذت تدور حول الساحة و هي تقطع جسد الرجل قطعا صغيرة، فيما وقف دوستم وجنوده يتفرجون".
ما كان يفعله دوستم بسيط - وربما مبرر - مقارنة بما حدث في باقي مناطق افغانستان اثناء السنوات الاربع من حكم المجاهدين الاولى، والتي كانت عبارة عن حكومة ائتلاف مكونة من قادة ميليشيات متصارعين، يحكم كل واحد منهم منطقة من مناطق البلد, وتفصل سجلات اهم منظمتين دوليتين مستقلتين في مجال حقوق الانسان - وهما منظمة العفو الدولية في لندن ومنظمة "هيومن ر ايتس ووتش" في نيويورك - في آلاف حالات القمع والقتل والنهب المنظم على ايدي ميليشيات المجاهدين الحاكمة.
ومن بين تلك الوقائع، ثمة مئات حالات الاغتصاب المنظم لفتيات افغانيات على يد جنود ميليشيات المجاهدين وكان يتم ارجاع بعضهن الى اهاليهن بعد ليلة او ليلتين، فيما يتم قتل بقية الفتيات بعد ان يغتصبهن عدد كبير من الجنود ، او يصبحن زوجات لامراء الحرب, هذه الاغتصابات مهمة لانها لعبت دورا مهما في تطور الاحداث في افغانستان في باقي التسعينات.
ظهور عمر
في اواخر العام 1993، وبعد نحو سنتين من قيام حكومة المجاهدين في افغانستان، اختطفت في نواحي قندهار فتاة عمرها 15 ربيعا من منزلها في ليلة باردة, تم اغتصابها وضربها بوحشية، وتركت لتموت ببطء في العراء, وعقب ايام، اختطفت فتاة صغيرة اخرى من قرية نائية في نواحي المدينة, لكن هذه المرة، وصل الخبر الى مسامع مدرس ديني مغمور في قندهار، يحيط به عدد من طلبة الدين والشريعة، او كما يشار اليهم باللغة المحلية: "طالبان دين".
قام المدرس وطلبته بتخليص الفتاة من ايدي من كانوا ينوون هتك عرضها، وبعد تسليم الفتاة الى ذويها، قاموا بمعاقبة الزناة حسب الشريعة الاسلامية، ثم نفذوا فيهم حكم الشرع الذي يأمر بزهق ارواح "المفسدين في الارض".
وفور سماع ذلك، جاءت الى المدرس، واسمه عمر، ام تطلب المساعدة في انقاذ ابنتها التي كان يحتفظ بها جنود تابعون لاحدى الميليشيات التي تشكلت منها حكومة المجاهدين الاولى, وكانت صدمة للكثيرين من الافغان وغيرهم في الخارج، ان يروا المقاومين الشجعان الذين قاتلوا "الدب الاحمر" وعجلوا بنهايته، يتحولون الى عصابات من المغتصبين و طلاب السلطة.
انتشرت سمعة عمر وطلبة الدين من اتباعه في نواحي وسط افغانستان وجنوبها، الى ان وصلت الى مسامع الشيخ سميع الحق، رئيس "دار العلوم الحقانية" في مدينة جبلية صغيرة في شمال باكستان, "دار العلوم الحقانية"، وهذا اسمه الدقيق المعتمد، باللغة العربية، هو معهد كبير متخصص في علوم الشريعة الاسلامية، ويعمل على طراز الجامعات المسيحية في اوروبا واميركا، اذ يشهد حفلات للتخرج سنوية, وتعترف الحكومة الباكستانية بشهاداته، ووضعت وزارة التعليم الفيديرالية في اسلام اباد مقياسا خاصا من اجل معادلة شهادات "دار العلوم الحقانية" بشهادات نظام التعليم البريطاني والاميركي.
اكتشف الشيخ سميع الحق، ان عمر القندهاري الذي ذاع صيته في نواحي افغانستان الجنوبية، ليس سوى طالب سابق من طلبة الدار، لم يكمل تعليمه وعاد الى افغانستان من دون شهادة.
واستدعاه سميع الحق واصبغ عليه لقب "الملا"، وهو لقب يعتبر درجة دينية في دار العلوم الحقانية، لا يحوزها طالب الا بعد دراسة وعناء.
هذه بدايات الملا عمر، الزعيم الروحي لحركة "طالبان", وبعد عام واحد، اي في اواخر 1994، برزت "طالبان" كحركة سياسية اسلامية جذبت عددا كبيرا من المتطوعين الافغان من سائر الاثنيات: الباشتون، الطاجيك، الاوزبك، التركمان، الى جانب عدد كبير من العرب والباكستانيين والاتراك والشيشانيين والكشميريين.
درس في السياسة
المكاسب السياسية والعسكرية - المعنوية والجغرافية - التي حققها الملا عمر وطلبته على الارض ليس لها مثيل ربما في التاريخ السياسي والعسكري للميليشيات والحركات الايديولوجية في النصف الثاني من القرن العشرين.
ارنستو تشي غيفارا، المقاتل الثوري الشيوعي الذي الهم مخيلة الحركات الليبرالية في العالم اجمع في النصف الثاني من القرن العشرين، لم يحقق نجاحا على الارض يقترب من ذلك الذي حققه الملا عمر في فرض السيطرة على بلد يصوب حكمه مثل افغانستان.
وقبل سقوط كابول، وباقي افغانستان، في ايدي "طالبان" في خريف عام 1996، اصرت الولايات المتحدة على ان الحركة على وشك السقوط، بعد نحو سنتين من قيامها, ورفضت واشنطن مطالب مبعوثين عدة ارسلتهم رئيسة وزراء باكستان حينذاك بنازير بوتو من اجل حض الاميركيين على النظر ايجابا في التقدم الذي كان يحققه "الطالبان".
زارت روبن رافل، مساعدة وزير الخارجية الاميركية، اسلام اباد وقالت للصحافيين في 11 مايو من عام 1996، ان "الطالبان" منقسمون في ما بينهم وعديمو الخبرة ولا يملكون قيادة متمكنة او ادارة ناجحة, واضافت: "نقاط الضعف هذه، الى جانب قوة (احمد شاه) مسعود المتزايدة، تبدو كأنها تميل توازن القوى ضد طالبان الى حد ما، وستمنعهم من تحقيق هدفهم بالسيطرة على كابول".
المسؤولون المتعاطفون مع "طالبان" في اسلام اباد وفي بعض العواصم الخليجية نقلوا الى الحركة رسائل تؤكد نفاد صبرهم بسبب اصرار مسؤولي الحركة على القتال ورفضهم المستمر للدعوات من اجل الدخول في مفاوضات مع قادة المجاهدين لتشكيل حكومة ذات تمثيل واسع تشمل كل الفرقاء في الحرب الافغانية.
لكن مسؤولي "طالبان" اقنعوا سائر المتعاطفين معهم ان بامكانهم اعادة الهدوء والانضباط إلى افغانستان واخراج الميليشيات المتناحرة منها.
وبدأت "طالبان" في اواخر صيف 1996 حملتها العسكرية المكثفة التي انتهت بالسيطرة على كابول، وشملت معارك وتكتيكات عسكرية اذهلت المراقبين.
ففي 25 اغسطس، اطلقت الحركة هجوما على مدينة جلال اباد من الجنوب، وفي الوقت ذاته، انطلق المئات من مؤيدي "طالبان" المسلحين من باكستان وهبطوا على مشارف المدينة من الشرق.
سقط نحو 70 من مقاتلي الحركة قبل ان تسيطر على المدينة وتطرد ميليشيات المجاهدين السابقين منها، وبدل ان يرتاح المقاتلون ويجددوا ذخائرهم، انطلقوا نحو العاصمة.
وتم الهجوم على المدينة، التي كان يدافع عنها ببسالة احمد شاه مسعود مع قواته، من الجهات الاربع، باسلوب "طالبان" التقليدي المتمثل في خطوط سيارات النقل الصغيرة المتدفقة تحت غطاء من نيران المدفعية، تحمل مئات المقاتلين الذين ينتشرون في لمح البصر في مسرح العمليات.
وبالنسبة الى المراقبين في الخارج، كان سقوط كابول في يد "طالبان" في سبتمبر 1996، تطورا لافتا في الحرب الافغانية، اعاد لها شيئا من الاهتمام الدولي الذي كاد يخبو تماما بعد الانسحاب السوفياتي.
المسؤولون في واشنطن كانوا من بين المراقبين الاجانب الذين فوجئوا بقدرة ميليشيا طلاب الدين، وغالبيتهم من الشباب نسبيا، على هزم ميليشيات المجاهدين المخضرمة وقادتها الاسطوريين امثال حكمتيار ومسعود وسياف ودوستم.
واشنطن لم تكن مهتمة سياسيا بحركة "طالبان"، لكن كانت مهتمة اكثر بضمان دور اساسي للشركات النفطية الاميركية في تطوير الثروة البترولية في منطقة آسيا الوسطى, لذا، تطورت العلاقة في شكل لافت بين الديبلوماسيين ورجال الاعمال الاميركيين وبين "طالبان" في النصف الثاني من التسعينات، وحتى الى ما قبل 11 سبتمبر بقليل, وتفصيلات العلاقة بين واشنطن و"طالبان"، تجعل الحرب التي تدور رحاها الآن بين الطرفين امرا يكاد يكون غير قابل للتصديق.
القناة الاميركية
في الاسبوع الثاني من ديسمبر 1997، وصل وزير الخارجية حينها في حكومة "طالبان"، الملا محمد غوث اخوند، الى فندق فخم في مدينة هيوستن - تكساس، على رأس وفد من الحركة.
كان الوفد يحمل صفة "مهم جدا" (VIP) في الفندق الذي يقيم فيه، اذ كانت لدى ادارة الفندق ارشادات بتقديم اقصى درجات الاهتمام والخدمة, وتم وضع سيارة ليموزين وسيارات اخرى فاخرة تحت تصرف اعضاء الوفد.
جدول الزيارة الرسمي شمل جولات للتسوق والراحة، لكن اخوند لم يكن مهتما بذلك، ولم يقم بأي تسوق سوى شراء مشط للشعر، وزار الوفد مقر وكالة الفضاء الاميركية (ناسا) وانبهروا به، كما ابدوا الاعجاب بحمام السباحة وبالحديقة المنزلية في مقر سكن مارتي ميلر، نائب رئيس مجلس الإدارة يومها في شركة "يونيكال" النفطية الاميركية.
الغزل الاميركي مع "طالبان" لم ينته عند مثل هذه الزيارات, فلم يزر مدينة كابول تحت حكم الحركة مسؤولون غربيون بأعداد كبيرة مثلما فعل المسؤولون الاميركيون، مثل روبن رافل، مساعدة وزير الخارجية، ثم كارل اندرفرث، خليفتها في المنصب، وتوماس بيكرنغ نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، وبيل ريتشاردسون، سفير واشنطن لدى مجلس الأمن ووزير الطاقة السابق، الذي اصبح ارفع ديبلوماسي اميركي يزور افغانستان بعد هنري كيسنجر.
ادارة الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون كانت مهتمة ومتحمسة لضمان حصة الاسد للشركات الاميركية في مشروعات استغلال النفط والغاز في تركمانستان، والتي تقرر ان تنقلها انابيب تمر عبر افغانستان وباكستان, وادركت واشنطن انها اذا لم تتدخل سياسيا لدى حكومات كل من كابول واسلام اباد وعشق اباد (عاصمة تركمانستان)، فان شركات اخرى قد تفوز بالصفقات، خصوصا ان الروس كانوا يستخدمون نفوذهم المعنوي على حكومات جمهوريات آسيا الوسطى من اجل ابقاء الشركات الاميركية خارج المنطقة.
"يونيكال" واجهت منافسة حادة من شركة "بيرداس" الارجنتينية, لكن الشركة الاميركية كانت محظوظة، فإدارة كلينتون، كونها اول ادارة اميركية في فترة ما بعد الحرب الباردة، اعادت هيكلة وزارة الخارجية ليصبح عدد الديبلوماسيين من ذوي الخلفيات الاقتصادية اكثر من اي وقت مضى، ومهمتهم بسيطة: دعم المنتجات والشركات والمصالح التجارية الاميركية حول العالم، وفتح الاسواق المغلقة امامها.
وحتى قبل سقوط كابول في يد "طالبان"، كان الديبلوسيون الاميركيون يحضون اسلام اباد والاحزاب الافغانية على تحقيق السلام والاستفادة من الفرص الاقتصادية في المنطقة.
في 21 ابريل عام 1996 في ختام زيارتها لاسلام اباد، خمسة اشهر قبل سقوط العاصمة الافغانية في يد "طالبان"، اعلنت رافل: "لدينا شركة اميركية مستعدة لمد انبوب (بترول) من تركمانستان الى باكستان, هذا الانبوب سيكون مفيداً لكل من باكستان وافغانستان وسيوفر فرص عمل ومصدراً للطاقة".
ورغم احتجاجات منظمات نسائية حول سياسة "طالبان" ازاء النساء، تفادى المسؤولون الاميركيون الذين كانوا يزورون كابول التعليق على ذلك, وحدها وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت شذّت عن هذه القاعدة، ووصفت بـ "القميئة" سياسة "طالبان" تجاه المرأة خلال زيارة رسمية لاسلام اباد في نوفمبر العام 1997. وتمحورت زيارتها حول الفرص التجارية في المنطقة امام الشركات الاميركية.
لكن سائر المسؤولين الاميركيين الذين زاروا كابول واسلام اباد بعد اولبرايت التزموا الصمت ازاء تلك النقطة، بل ان احدهم، وهو اندرفرث، دعا وسائل الاعلام الاميركية والدولية الى محاولة فهم "طالبان" وقال الديبلوماسي الاميركي لصحيفة "واشنطن بوست" في 12 يناير 1998 "نرى انهم (اي الطالبان) يمكنهم ان يعدلوا سلوكهم ويأخذوا في الاعتبار بعض المقاييس الدولية" في ما يتعلق بالنساء.
ريتشاردسون، زار ايضا اسلام اباد وكابول، وقابل كبار مسؤولي "طالبان" في ابريل 1998 بعد شهرين من صدور "فتوى" عن تنظيم "القاعدة" دعت الى "قتل الاميركيين وحلفائهم، مدنيين وعسكريين", وذكرت التقارير وقتها ان ريتشاردسون عرض على الحركة اعتراف الولايات المتحدة بها كحكومة شرعية لافغانستان، مقابل تسليم اسامة بن لادن وكان ذلك اربعة اشهر قبل تفجير سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا.
وقامت واشنطن بقصف مدينة جلال اباد وضواحيها في اغسطس العام 1998 بصواريخ "كروز" رداً على رفض "طالبان" تسليم بن لادن, لكن القصف لم يستهدف ايا من مواقع "طالبان" بل مواقع وصفتها واشنطن انها مراكز تدريب يديرها بن لادن وتنظيمه "القاعدة".
تلك الزيارات المستمرة لمسؤولين اميركيين كبار الى كابول تحت حكم "طالبان"، كانت سببا في انتشار شائعة تقول ان الحركة مدعومة اميركياً, لكن الحقيقة هي ان واشنطن نأت بنفسها عن الحركة في المحافل الدولية في الوقت الذي استمرت في اجراء حوار مباشر معها طمعاً في دعم موقف شركة "يونيكال".
شركة النفط الاميركية انسحبت من المشروع، رغم توقيع اتفاقات مبدئية مع حكومات تركمانستان وافغانستان وباكستان، بعد القصف الاميركي لافغانستان, واعلنت الشركة انها ستعود عندما تصبح المنطقة اكثر أمناً واستقراراً.
وشهدت تلك الفترة تجميد مشروعات استغلال النفط والغاز في سائر آسيا الوسطى وليس في افغانستان فحسب وهي مشاريع أميركية في مُجملها والسبب لا يعود الى الوضع في افغانستان، بل الى حقيقة ان الشركات الاميركية اكتشفت انها لن تستطيع ان تضخ مليارات الدولارات، لتطوير الصناعة النفطية في منطقة تحكمها حكومات ديكتاتورية فاسدة وقابلة للانهيار، وفي الوقت ذاته تحركها موسكو من وراء الستار.
لكن القصف الاميركي لافغانستان لم يعن قطع الاتصالات بين واشنطن وكابول تحت حكم "طالبان", وكان قرار الابقاء على الاتصالات بين الجانبين استمرارية لسياسة واشنطن في الحوار مع الحركة التي اعلنتها رافل، التي امضت اسبوعا كاملا في كابول في اكتوبر 1996، بعد شهر واحد من سيطرة "طالبان" على مقاليد الأمور في معظم انحاء افغانستان.
المراقبون الذين تابعوا تطور الاحداث في افغانستان على مدى العقد الفائت يشعرون بالدهشة ـ على اقل تقدير ـ لرؤية صدام عسكري على هذا المستوى بين الولايات المتحدة و"طالبان"، خصوصاً ان واشنطن قدمت مساعدات مالية انسانية الى الحركة في النصف الاول من العام الحالي بلغت قيمتها 124 مليون دولار.
وقبل شهرين فحسب من 11 سبتمبر، زارت كريستينا روكا، مساعدة وزير الخارجية العاصمة الافغانية في يوليو 2001، واعلنت من هناك تقديم مساعدة مالية انسانية لحكومة "طالبان" قيمتها 43 مليون دولار.(الرأي العام الكويتية)














التعليقات