قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&
للضرورة احكام تستوجب ولو بعد حين اعادة النظر و"التفرمل" بمثل ما تستوجب احياناً الاندفاع والتصعيد. وامامنا في هذه الايام حالتان من شأن التأمل فيهما الوقوف على مسألة كيف ان رمزي الحالتين انتقلا من الاندفاع والتصعيد الى اعادة النظر و"التفرمل". وتتراوح ظروف هذا الانتقال بين الاقتناع بما فعله الرمزان وبين المصلحة الشخصية التي توجب هذا الانتقال الذي هو اشبه باستدارة من مئة وثمانين درجة.
المثال الاول على اعادة النظر هو عمرو موسى الامين العام للجامعة العربية الذي تألق في السنتين الاخيرتين اللتين سبقتا انتقاله من منصب وزير خارجية جمهورية مصر العربية الى منصب الامين العام للجامعة العربية خلفاً للدكتور عصمت عبد المجيد. ففي هاتين السنتين بدا عمرو موسى من خلال التصريحات التي يدلي بها وبالذات في الوقت الذي تتأزم فيه العلاقة مع الولايات المتحدة او يزداد الاسرائيليون صلفاً وعدواناً انه صقر وسط حمائم. وقد افاد بهذا الموقف كثيراً حيث ان ارتباكاً في صفوف اهل القرار الاميركي بدأ ينشأ، وحدث في وسط الحكومة الاسرائيلية نوع من التهيب للموقف المصري. وفي الوقت نفسه انعش موقف عمرو موسى الروح المعنوية للرأي العام العربي الذي ظن ان مصر نفضت اليدين الاثنتين من الهموم والاهتمامات العربية وأن تعاطيها بعد الآن سيكون في الاطار الديبلوماسي وبما لا يعكر الصفو الاميركي او يهز الخيط الرفيع الذي يتمثل بمعاهدة السلام الكاذب بين مصر واسرائيل.
ومن اجل ذلك فإنه عندما اختار الرئيس حسني مبارك وزير خارجيته عمرو موسى ليكون الامين العام للجامعة العربية خلفاً للدكتور عصمت عبد المجيد، وعلى اساس ان هذا المنصب حق مكتسب لمصر ساد شعوران في الوقت نفسه: شعور بأن الصقر المصري سيخضع لعملية تقليم مخالب فلا يعود جارحاً عندما يصرح كما حاله من قبل، ولن يكون طائراً يغرد خارج السرب كما اعتاد الرأي العام العربي عليه في الماضي غير البعيد. وشعور بأن عمرو موسى سينقل صقوريته الى الجامعة العربية فلا تبقى على نحو ما هي عليه مهيضة الجناح، قليلة الحيلة، مهمشة، محظّر على امينها العام التصرف على نحو ما تفرضه عليه واجباته ومسؤولياته وما يراه من اجتهادات كفيلة برأب الصدع والتوفيق بين اطراف النزاعات الحادة.
وجاء عمرو موسى يعلن منذ اللحظة الاولى نيته في جعل الجامعة العربية صاحبة دور يتخطى المهمات التنظيمية للاجتماعات العربية وباشر على الفور المهمة إلاّ انه وجد استحالة في تحقيق ما هو في خاطره، بل ان فكرته في ان تكون الدكتورة حنان عشراوي ناطقة باسم الجامعة العربية وتتخذ في احدى غرف مبنى الأمانة العامة مكتباً لها وتكون مهمتها الادلاء يومياً بتصريح يعكس موقف العرب من خلال جامعتهم، ما دامت التطورات بالتسارع الذي هي عليه وتستوجب اعلان موقف عربي بصيغة التعليق.. ان فكرته هذه اصطدمت بالكثير من التحفظات، التي لمجرد ان تبلّغها استوعبها تماماً، فقرر عدم المضي في فكرته وانتهى الامر بالدكتورة عشراوي مجرد معلِّقة على بعض الاحداث وبالذات ما يتعلق بالشؤون الفلسطينية وانتهى مقرها.. منزلها في الاراضي المحتلة. وهي كانت من النباهة بمكان، لأنها استوعبت تماماً ماذا يعني ان يقال ان سيدة وفلسطينية هي الناطقة باسم 22 دولة عربية ليس هنالك جوامع مشتركة بينها حول الامور الجوهرية التي تستوجب التعليق اليومي نطقاً بإسم الجامعة العربية.
بعد هذا الاخفاق بدأ عمرو موسى يشعر أن ريشه الصقوري قابل للنتف اذا هو لم يتصرف على اساس أن التغريد العربي لا يتحمل خروجاً عن "النوتة" التقليدية، فبات صوته دون اصوات الانظمة او على الاقل بات غير متقاطع معها. ونحن الذين نتابع تحركه واقواله وبالذات الصيغ الهجومية المبتكرة التي كانت تصدر عنه في ذروة تأزم العلاقة المصرية - الأميركية او العلاقة المصرية ـ الاسرائيلية، بدأنا نلاحظ ان الرجل "تفرمل" او أنه، عن حسن قراءة من جانبه لواقعه الجديد، وكيف انه في المنصب الذي يكبله اشد تكبيل، ارتأى ان "يفرمل" وبذلك يأمن شر منغصات القيل والقال في حقه. كما انه ارتأى ان يكون موقفه من العراق دون موقفه عندما كان وزيراً للخارجية المصرية فلا يشمله بزيارة. كذلك ارتأى ان صوته في مسألة النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي والعلاقة العربية ـ الأميركية يجب ألاّ يعلو على صوت الدولة المصرية والسلطة الوطنية الفلسطينية. وارتأى ايضاً وايضاً ان يكون صوته من موضوع "الحرب الأميركية ـ البريطانية على الارهاب" بمثل صوت الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي لا اكثر علواً ولا أقلَّ انخفاضاً.. وبذلك انتهى الرجل وهو في ذروة الحيوية والعطاء شبه محال على المعاش العربي انما بوظيفة من مستوى 5 نجوم.
وهكذا فللضرورة احكام.. ولو بعد حين.
تلك حالة من حالات اعادة النظر التي نتطرق لها هنا. اما الحالة الثانية فهي حالة الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط الذي فاجأ أبناء طائفته ومعهم الطائفة الحليفة له، أي الطائفة المارونية، وفاجأ ايضاً حليفه التاريخي الرئيس رفيق الحريري، بل وفاجأ اللبنانيين والحكم السوري باعادة نظر صاعقة في موقفه من عهد رئيس الجمهورية اللبنانية العماد اميل لحود. وجاءت اعادة النظر التي نشير اليها ضمن سيناريو مدروس وكثير الدقة بدأ بمهادنة من جانب جنبلاط للرئيس لحود الذي طالما امطر جنبلاط عهده ومنذ اليوم الاول بقذائف سياسية لم يفعلها، ولا نظن ان احداً سيفعلها غيره. وبالعودة الى تلك القذائف يخرج المرء بانطباع خلاصته ان الود ما كان ليعود بين الاثنين ولن يكون هنالك تآلف للقلوب بسبب الحملة كثيرة الشراسة من جانب جنبلاط على الرئيس وطاقم ادارته، التي معظمها من العسكريين الذين ومن خلال الحلقة المباشرة المسماة "غرفة الاوضاع"، لم يقصروا في الرد على القذائف الجنبلاطية بالمثل. وهي خدمة اداها هؤلاء للزعيم الدرزي الذي وجد ان من الافضل له ان يعيد خلط اوراقه من جديد، ففتح حواره الشهير مع المتشددين في الصف الماروني بدءاً بالبطريرك صفير ومروراً بالرموز السياسية، التي تعتبر نفسها مقهورة او محروقة او مضطهدة من جانب التحالف القائم بين العهد في لبنان والحكم في سورية. وعندما انتهى الحوار المشار اليه الى زيارة قام بها البطريرك الماروني الى قصر "المختارة" رمز الزعامة الجنبلاطية، وكان ذلك يحدث للمرة الاولى في العصر الجنبلاطي ـ الماروني الحديث، زادت حدة النفور السوري من تغريد وليد جنبلاط خارج السرب والذي ـ أي النفور ـ وصل الى حد القطيعة واعتبار جنبلاط شخصاً يمكنه زيارة سورية كمواطن عادي، انما غير مرحب به في سورية كزائر سياسي متميز وعالي الشأن والمقام في طائفته وبلده.
لكن ما لبث هذا النفور ان بدأ يتلاشى واستؤنفت العلاقة بين جنبلاط والحكم السوري، انما ضمن رؤية جديدة وود مختلف ومشاعر غير التي كانت عليه في الماضي. وهذه الاستعادة للعلاقة الجنبلاطية ـ السورية وكذلك الحضور البارز للهالة الجنبلاطية في اوساط اقطاب الطائفة المارونية الذين بدأوا يزورون جنبلاط، وكما لو انه الرئيس الرابع في لبنان وأن "المختارة" على صعيد الشأن السياسي، هي بأهمية بقية الرئاسات اللبنانية من الاولى المارونية الى الثانية الشيعية الى الثالثة السنية... هذه الاستعادة جعلت الدفء يقتحم البرود السائد في العلاقة بين الرئيس اميل لحود ووليد جنبلاط. ثم تزايدت نسبة الدفء بالزيارة التي قام بها جنبلاط الى الرئيس لحود، ثم وصل الدفء الى حد أن رئيس الجمهورية قام بزيارة قصر "المختارة" يوم السبت 27 اكتوبر (تشرين الاول) 2001 مسجلاً بذلك خطوة هي الاولى من نوعها حيث ان الرئيس لحود لم يزر حتى الآن قطباً سياسياً لبنانياً في منزله او قصره. ولولا ان هنالك اواصر علاقة قديمة وعريقة تعود الى اربعة عقود بين والد الرئيس من جهة (الراحل اللواء جميل لحود) ووالد وليد جنبلاط (الزعيم الراحل كمال جنبلاط) لبدت الزيارة اختراقاً صاعقاً للمعادلة اللبنانية. لكن هذه العلاقة التي نشير اليها اعطت بعداً عائلياً للزيارة من دون ان تلغي انها حدثت، وايضاً، تحت سقف "للضرورة احكام... ولو بعد حين"، فضلاً عن ان لهذه الزيارة ولهذا الود اللحودي ـ الجنبلاطي بعض الدواعي والتطلعات ولولا ذلك لما كان للود ان يستعاد ولذاكرة الابناء ان تستحضر ما كانت عليه العلاقة بين الآباء، وهما هنا رئيس الجمهورية اللبنانية الحالي اميل جميل لحود والزعيم الدرزي الدائم وليد كمال جنبلاط، وما يجب ان تكون عليه العلاقة بين الاحفاد وهما هنا اميل اميل لحود الذي خطا الخطوة الاولى على طريق السياسة بعد انتخابه نائباً في البرلمان وتيمور وليد جنبلاط، الذي يتم تأهيله بشكل مكثف لكي يرث الزعامة الموروثة بعد طول عمر والده.
وتبقى ملاحظة جديرة بالتسجيل بالنسبة الى حالة وليد جنبلاط لا تنطبق على حالة عمرو موسى. وخلاصة هذه الملاحظة ان جنبلاط في اعادة النظر يتطلع اذا جاز الاعتقاد او الاجتهاد الى ان يحقق في الولاية الثانية للرئيس اميل لحود (مفترضين ان الرئيس سيجدد الولاية، او أن التجديد سيأتيه صاغراً) ما سبق ان تمناه والده الراحل ولم ينله ربما لانه سعى اليه عن طريق التحدي ومن خلال خلطة من الاتجاهات المتجانسة شكلاً المتنافرة من حيث المنطلقات الثورية والتغييرية موضوعاً، فضاعت التمنيات وأضاع لبنان معها كمال جنبلاط الذي سقط مضرجاً باستحالة ما تمناه ولم يحصل عليه. وما تمناه هو أن تكون الرئاسة الثالثة من نصيبه في الحد الادنى في حال استحالت الأمنية في حدها الاقصى ونتيجة ثورة دستورية عارمة وهي ان يكون رئيساً لجمهورية لبنان ثوري جديد. وما اراده جنبلاط الوالد بالثورة ربما يريده جنبلاط الابن ببراعة العمل السياسي. ومن علامات هذه البراعة انه اعاد النظر مستديراً مئة وثمانين درجة عندما وجد أنه قد آن الاوان لكي يكون للضرورة احكام، فقرر الاستدارة واستقبل مبتهجاً في "قصر المختارة"، وكأنما هو الرئيس الرابع، الرئيس اميل لحود الذي هو الآخر يتطلع الى ما بعد ثلاث سنوات ويرى ان يكون وليد جنبلاط يساند الرغبة او الضرورة في تجديد الولاية... او كلاهما معاً.(الشرق الأوسط اللندنية)
&