&
&

من بين أهم المتغيرات التي أسفرت عنها الأحداث الأخيرة سقوط الإدعاء الغربي بالحرية الكاملة لتدفق الإعلام دون قيود من ناحية‏,‏ وبروز قناة عربية تليفزيونية كمصدر للأخبار العالمية غير الموجهة من ناحية أخري‏,‏ ونعني بها قناة الجزيرة القطرية‏.‏
ونحن هنا لسنا في مجال المديح أو الهجوم‏,‏ بل في مجال التقويم النقدي للوضع الإعلامي العام لوسيلة إعلامية عربية متميزة‏,‏ أثارت كثيرا من الجدل في الآونة الأخيرة‏,‏ بسبب إحتكارها‏,‏ أو بعبارة أدق إنفرادها بإذاعة أخبار الصراع الدائر في أفغانستان‏,‏ دون أن تحجب شيئا من تفاصيل الصورة‏..‏
قبل‏11‏ سبتمبر وإندلاع الأزمة الأفغانية‏,‏ كان إحتفال الإعلام الغربي بقناة الجزيرة وإنجازاتها غير المسبوقة كقناة مستقلة‏,‏ علي درجة عاليه من المهنية والسبق‏,‏ وعدم الخضوع لسيطرة الحكومات العربية وضغوطها‏,‏ والإندفاع أحيانا إلي عرض مختلف الآراء دون تهيب أو مراعاة للحساسيات التي أغضبت عددا لابأس به من الحكومات العربية‏,‏ من الأمور التي أثلجت صدر الغرب‏,‏ فأشادت بها الدوائر الغربية وإعتبرتها نموذجا يجب أن تحتذيه وسائل الإعلام العربية الأخري‏!‏
بعد‏11‏ سبتمبر إنقلبت الآية‏..‏ لم تعد الجزيرة هي القناة المفضلة عند الغرب‏.‏ بل هي في رأيهم مجرد بوق لبن لادن وطالبان‏,‏ وهي بالنسبة لنيويورك تايمز التي امتدحتها سابقا‏,‏ معادية لأمريكا واسرائيل‏,‏ وتذيع أخيارا غير مسئولة ومحرفة‏,‏ لأنها تروج إداعاءات بن لادن التي تلهب مشاعر المسلمين‏..‏
لم أكن يوما من المتحمسين لقناة الجزيرة‏,‏ أو لبعض برامجها التي يسميها خبراء الإعلام في قنواتنا الفاشلة صراع الديكة‏,‏ ولست من المترددين علي شاشتها‏,‏ ولكن النظرة الموضوعية تؤكد أن الإنقلاب المفاجئ ضدها من جانب الإعلام الغربي‏,‏ مبعثه إصرارها علي تقديم كل خبر يصلح للنشر‏,‏ سواء كان لصالح هذا الطرف أو ذاك‏.‏ ولكن هذا المعيار الذي دعا إليه أساتذة الإعلام وكهنته في الغرب‏,‏ لايلائمهم الآن لأسباب معروفة‏,‏ أهمها أن الميديا الأمريكية خصوصا والغربية عموما قد إنقلبت من الإعلام إلي الدعاية السياسية والعسكرية‏.‏
ولعل هذه هي المرة الاولي منذ إنتهاء الحرب الباردة‏,‏ التي تسقط فيها الحقيقة كأول ضحية من ضحايا الحرب‏,‏ وتخضع الأنباء المتعلقة بما يسمي الحرب ضد الإرهاب لفلتر الرقابة العسكرية والسياسية‏.‏ ويتساوي الجميع هنا وهناك في درجات القمع لأي فكر مخالف أو رأي مناقض‏..‏ إذ أقدمت معظم الحكومات الأوروبية علي إصدار تشريعات جديدة لتجريم ماتسميه لغة الكراهية‏.‏ متستخدمة نفس اللغة التي تستخدمها قوانين العالم الثالث‏.‏
وهكذا يبدو من الغريب أن هناك من يريد أن يظل الرأي العام العربي خاضعا لرؤية أحادية الجانب‏.‏ ويضيق كثيرا لأن بعض القنوات الأخري داخل العالم العربي وخارجه تحاول أن تتجاوز نطاق الإعلام الحكومي‏,‏ وتضييء العقل العربي بمعلومات وحقائق غير مصنوعة‏..‏ إنها حالة هلع من مواجهة الحقيقة‏!‏(الأهرام المصرية)