قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إسلام أباد - من أحمد القريشي: أسوأ المتشائمين في الغرب إزاء التدخل الأميركي في أفغانستان يستذكرون كمبوديا والصومال وكوسوفو و,,, فيتنام, لكن لا أحد يتذكر مثالا أكبر أهمية قد يُصبح - في حال حصل الأسوأ - المثال الذي يذكره المؤرخون مستقبلا عند الكلام عن حرب واشنطن في أفغانستان.
ذلك المثال هو الكويت، وتحديدا حرب تحرير الكويت.
فالمسببات ذاتها التي جعلت الولايات المتحدة تقبل في 1991 ببقاء صدام في السلطة، هي ذاتها الآخذة في التبلور اليوم، في 2001، التي قد تجعل واشنطن تقبل في النهاية ببقاء "طالبان" في السلطة, وربما اكتشف بوش الأب والابن ان ما يجمعهما هو أكثر من مجرد الفوز بالرئاسة.
مع دخول القصف المكثف في أفغانستان أسبوعه الخامس، بدأ الصحافيون الذين غطوا حرب تحرير الكويت قبل عشر سنوات، ينتشرون اليوم للغرض ذاته في أوزبكستان وأفغانستان وباكستان، يشعرون أن ثمة مقارنات شديدة الصلة بدأت تبرز بين أداء القوات الأميركية في كل من العراق وأفغانستان، أهونها ان العسكريين الأميركيين بالغوا في تقدير قدرة الجيش العراقي على المقاومة قبل عشر سنوات، لكنهم بخسوا هذه المرة تقدير روح القتال لدى "طالبان".
جون أنسباخر ديبلوماسي أميركي متقاعد يستشعر الأمر ذاته، لكن لأسباب أخرى, فهو صُعق عندما قرأ خبرا الأسبوع الفائت مفاده ان واشنطن ستزيد من أعداد "المستشارين" العسكريين الأميركيين الذين يرابطون مع جنود "التحالف الشمالي" في شمال أفغانستان، ليرتفع عددهم من عشرين الى نحو مئة "مستشار", قام انسباخر فزعا وكتب رسالة الى صحيفة نيويورك تايمز نشرتها في زاوية صغيرة من الصفحة 24 في عددها يوم الخميس الماضي.
كتب أنسباخر: "قبل نحو أربعين عاما، كنت الملحق الصحافي في سفارة الولايات المتحدة في مدينة سايغون (فيتنام الجنوبية), وأخبرتني وزارة الخارجية الأميركية والسفير أن أميركا أرسلت مستشارين عسكريين الى جيش فيتنام الجنوبية (لقتال الشيوعيين في الشمال), وقيل لي أن الرقم الرسمي لعدد المستشارين هو 683. لكن خلال الأيام المقبلة أصبح عدد الذين يمكن عدهم في شوارع سايغون أكبر بكثير, وفي النهاية أرسلنا نصف مليون جندي، عشرة في المئة منهم انتهى الأمر بهم في احصاء للموتى".
ما أراد أنسباخر قوله، باختصار، هو ان واشنطن تورطت في المستنقع الفيتنامي حسب رأيه بالاسلوب ذاته الذي يرى أنها تتبعه الآن: ارسال "مستشارين" إلى أفغانستان.
لكن ثمة مراقبين لا يرون سببا للعودة أربعين عاما الى الوراء من أجل تحذير واشنطن من أخطاء مقبلة محتملة، بل يكفي في نظرهم الرجوع عشر سنوات فحسب.
سواء هنا في إسلام أباد، أم طشقند ودوشانبه، يجمع المسؤولون الحكوميون والمحللون المستقلون على ان الولايات المتحدة ستحقق الهدف الرئيسي في المستقبل القريب من حربها في أفغانستان، وهو تدمير تنظيم "القاعدة" والقصاص من أسامة بن لادن "حيا أو ميتا"، مثلما فعلت في حرب الخليج الثانية عندما حققت الهدف الأساسي المتمثل بتحرير الكويت.
لكن في الأيام الأولى من انطلاق الحرب الراهنة، تبلور هدف أميركي آخر هو الاطاحة بحكومة "طالبان" في كابول وقتل زعيمها الملا عمر، تماما مثلما تبلور في بدايات "عاصفة الصحراء" هدف جديد هو الاطاحة بحكومة "البعث" وقتل زعيمها صدام حسين.
وتتم الآن تعبئة وتجنيد المعارضين المنفيين، الحقيقيين والوهميين، للنظام الحاكم في كابول الذي ستتم الاطاحة به "قريبا"، كما تم تجنيد وتعبئة المعارضين المنفيين المناوئين للنظام الحاكم في بغداد, ومثلما تكلم الخبراء يومها عن منشورات "تسقطها" المقاتلات الأميركية فوق العراق تؤكد للشعب ان الحرب ليست ضدهم وتحضهم على الثورة، وان الـ "سي آي ايه" تحاول اقناع شيوخ القبائل والعشائر العراقية على الانقلاب ضد النظام، وان انهيار النظام سيكون قريبا مع الحصار الاقليمي والدولي، تتكرر الصورة ذاتها بشكل يقشعر له البدن في أفغانستان، حيث المعارضون والمنشورات والحصار والقبائل ذاتهم.
وعندما تبدأ هذه المقارنة تبدو ربما كيدية وغير جادة، يبرز عند هذه النقطة أمر آخر يدعو لإعادة النظر: فمثلما تم طرح مسألة تقسيم العراق بين القوميات والعرقيات بسبب استحالة جمع أطراف المعارضة لتشكيل حكومة موسعة تستلم السلطة بعد اسقاط النظام، يتم الآن طرح احتمال تقسيم أفغانستان كحل لمرحلة ما بعد سقوط النظام، بعدما بدأ الأميركيون والحلفاء يشعرون بالاحباط من عدم قدرة أطراف المعارضة على تشكيل حكومة ذات تمثيل واسع تضم سائر الأقليات والأكثريات.
ولا تزال فكرة تقسيم أفغانستان في بداياتها، فقد طرحتها في افتتاحيتها الرئيسية ثاني أكبر صحف باكستان الانكليزية، وهي "ذي نيوز"، بداية الاسبوع الجاري, وفوجئ المراقبون لصدور مثل هذا الاقتراح "الراديكالي" من صحيفة محافظة معروفة بقربها التقليدي من المؤسسة العسكرية.
ثم تلقفت "سي ان ان" المقترح على استحياء وجمعت مجموعة من الخبراء لمناقشته في برنامج حواري, ولا يمر يوم في هذه الأيام من دون ان تخرج صحيفة ما في بلد ما بتقرير ينسب الى مصادر مجهولة قولها ان ثمة نية لتأسيس "جمهورية أفغانستان الشمالية" تضم الأقليات الاوزبكية والطاجيكية، وجمهورية أخرى جنوبية تضم الغالبية البشتونية، مع جيب مستقل تحت حكم ذاتي للشيعة في الجنوب قريبا من الحدود مع إيران.
صدام حسين بقي إلى اليوم في السلطة، ليس بسبب ذكائه، بل لأن الولايات المتحدة، وقبلها سائر الدول المحيطة بالعراق، اقتنعت أن رغم كرهها لصدام ونظامه فان عراقا موحدا تحت سلطة مركزية - قوية داخليا ومكسور الجناح دوليا - هو أفضل خيار مُتاح بين الخيارات الأخرى المطروحة وقتها، والتي شملت عراقا مقسما أو عراقا تحت الانتداب الاميركي، يستمر كبؤرة توتر دائمة مع نزوح اللاجئين الى الدول المحيطة، وتنامي المشاعر المعادية للولايات المتحدة وللحكومات الصديقة في المنطقة.
"طالبان"، ويا للمفارقة، قد تنجو ربما للسبب نفسه, فأفغانستان مقسمة بين شمال وجنوب، على أحسن تقدير، سيعني انطلاق حرب باردة جديدة في آسيا الوسطي بين شمال أفغاني مدعوم روسيا وهنديا وإيرانيا، وجنوب مدعوم باكستانيا وخليجيا وصينيا, كما أن القبائل البشتونية لن تغفر أبدا لـ "الدخلاء" الأوزبك والطاجك تقسيم أرض الأفغان التاريخية، ما سيعني وضع أكثر من ثلث سكان باكستان وسائر سكان جنوب أفغانستان على طريق الثأر الآجل, وبدلا من تحقيق الاستقرار في آسيا الوسطى والتفرغ لتنمية ثرواتها، ستتحول المنطقة إلى برميل بارود جديد.
ستكتشف واشنطن وحلفاؤها في المنطقة ان مصلحة الجميع تكمن في أفغانستان موحدة تحكمها حكومة مركزية قوية تنطبق عليها أربعة شروط: القدرة على فرض الأمن وكبح الجرائم، وتنظيف البلد من الأسلحة، وحظر زراعة المخدرات، ومكافحة التنظيمات والشخصيات الإرهابية.
"طالبان" تنطبق عليها كل تلك الشروط ما عدا الشرط الأخير، بسبب "استضافتها" لبن لادن, لكن قد يشفع للحركة انها لم تتورط قط في مغامرات خارجية أو في محاولات لتصدير نظامها المتشدد لدول أخرى، وتاليا سيكون ممكنا ان تقوم واشنطن بما ترفض القيام به اليوم، وهو الجلوس إلى مائدة التفاوض مع الحركة والتوصل الى حل حول بن لادن في حال لم تتمكن من القاء القبض عليه أو قتله, وسيكون الاحساس بالمهانة أقل في الجانب الأميركي لو تمكن الأميركيون من قتل الملا عمر أثناء العمليات العسكرية قبل الوصول الى هذه النقطة، حينها سيكون سهلا التفاوض مع قيادة جديدة للحركة, وستشعر تلك القيادة الجديدة بالمرارة حتما ازاء واشنطن لكن ستكون منهكة من الحرب ومكسورة الجناح ومستعدة للتفاوض.
ورغم كل مساوئ "طالبان"، من تفسيرها المتشدد للاسلام الى قمعها للحقوق والحريات التي كفلها الدين ذاته، الا انها أقامت حكومة مستقرة وفاعلة، وتأكد ذلك مجددا مع فشل كل المحاولات الحثيثة التي جرت خلال الأسابيع الفائتة من أجل تشجيع التمرد بين السكان الخاضعين لحكم الحركة، أو حتى داخل صفوف الحركة بل ان المواطنين غدروا بالقائد عبدالحق الذي أرسلته الاستخبارات الأميركية محملا بالأموال لشراء ذمم زعماء القبائل ووشوا به الى "طالبان" التي أعدمته، كما ان الأفغان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة كادوا يفعلون الأمر ذاته مع قائد معارض آخر هو حميد كرزائي الذي أكد الأميركيون انهم أنقذوه في اللحظات الأخيرة قبل أن يقع في يد "طالبان" وأخرجوه من أفغانستان على متن مروحية أميركية, لكن لم يكن مساعدوه محظوظين مثله وألقت "طالبان" القبض عليهم وأعدمتهم.
الأميركيون مقاتلون أشداء، وتاريخهم القريب يشهد لهم, لذا، ثمة إمكان لسيناريو آخر، حيث يتمكن الجنود الأميركيون، باستخدام مزيج من القصف المكثف وحرب برية محدودة، من طرد "طالبان" من المدن الرئيسية مثل مزار الشريف وجلال أباد وقندهار وكابول، على أن تلجأ قوات "طالبان" الى الريف والجبال والهضاب, ويقيم الأميركيون حكومة أفغانية موالية لهم تبسط هيمنتها على المدن انتظارا لان يجهز الأميركيون على بقايا "طالبان".
الاشكال يكمن في ان "طالبان" مقاتلون أشداء أيضا، ومقتنعون لسبب ما بأن الأميركيين، رغم بأسهم، "ناعمون" مقارنة بالروس ولن يتحملوا ارقاما كبيرة للضحايا بين صفوفهم, لهذا سيعمد "الطالبان" الى شن حرب عصابات لا تستهدف المعدات والمواقع بل فقط الجنود الأميركيين, وإذا تمكن الطالبان من اطالة أمد مثل هذه الحرب، من الممكن ان يبدأوا في الحصول على دعم خفي ومستتر من دول محيطة، ولا يجب أن تكون باكستان بالضرورة بل حتى الصين وإيران.
وفي سائر الأحوال، فإن حربا طويلة ومنهكة ستؤدي الى إعادة طرح احتمال جمع المعارضين لـ "طالبان" في جبهة موحدة، ومع فشل ذلك سيعاد طرح فكرة تقسيم أفغانستان، وبعد أن يتوصل الكل - واشنطن والحلفاء في المنطقة - إلى أن تنفيذ مثل تلك على عواهنها ستسبب عدم استقرار في المنطقة، سيعود المجتمع الدولي الى النظر في الخيار الذي يرفضه اليوم: التفاهم والتفاوض بصورة ما مع "طالبان"، أومع فرق منها منهكة ومكسورة الجناح لكن منغمسة في حرب عصابات ضد أي ترتيب سياسي مستقبلي في أفغانستان مفروض من الخارج.(الرأي العام الكويتية)