قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فهد السلمان.. لا يحتاج مجتمعنا إلى من يشهد له بتماسك نسيجه الاجتماعي.. وكثرة الخيرين فيه.. وتأصل العمل الخيري بين معظم أبنائه.. وتعكس حملات المساعدة التي ُتنظم من حين لآخر.. بما تحمله من مواقف.. هي في غاية النبل والإيثار.. تلك النزعة الإيمانية الرائعة.. التي تؤججها العاطفة الإنسانية.. لتتحول بالنتيجة.. إلى نوع من الفعل التجاوزي.. الذي يخترق كل قواعد الأنا.. باتجاه الإحساس بالآخر.. والتفاعل معه.. وهو مصاغ سلوكي باهر.. بكل المقاييس.. لكنه لا يستجيب غالباً.. إلا تحت غطاء إعلامي.. قادر على تحريك شجونه.. مما يجعله في الأغلب الأعم.. عملاً موسمياً.. وهو ما يسلبه القدرة على التفاعل مع القضايا الأصغر.. أو تلك التي لا تقع تحت بصر الإعلام.. رغم خطورتها وأهميتها.
.. أفكر في هؤلاء الأطفال.. الذين يغادرون طفولتهم باكراً.. تحت وطأة الضرورة.. ليقذفوا بحقائبهم المدرسية.. وكراريسهم ولعبهم جانباً.. وليجدوا أنفسهم بغتة في أسواق العمل!
.. تأملوا أسواق الخضار تحديداً.. وتلك الأكف الصغيرة.. التي تدفع عربات الزبائن بمشقة كبيرة.. وجهد لا تستطيع أعمارهم الغضة توفيره.. لمهنة كهذه!!.. ما الذي يدفع طفلاً كان يُفترض أن يكون في صفه الابتدائي أو المتوسط على الأكثر.. للركض خلف كل متسوق.. أملاً في بضعة ريالات.. لا يحددها عقد ولا عرف.. قدر ما تحددها الشفقة أو اللؤم؟!!
.. ما الذي يجعل مثل هؤلاء الأطفال.. الذين كانوا بالكاد يفيقون من مناماتهم إلى المدرسة.. يتربصون بالشمس ليسبقوها إلى سوق الخضار؟!!
.. قال لي أحد الأصدقاء انه لم يستطع أن يغالب دموعه.. بعد أن استأجر صبياً.. قال انه لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره فيما يبدو.. لنقل بضاعته.. حينما وجده على حين غفلة.. يستبق مع بعض أقرانه.. وهو يطلق بعض الأصوات.. يتمثل بها صوت محرك السيارة.. لأنه لم يبلغ بعد.. مرحلة التفريق بين اللهو والعمل.. ثم وهو ينوء بدفع تلك العربة الثقيلة صعوداً مع أحد الممرات.. حيث كان يتعثر بثيابه التي تنطوي تحت قدميه الصغيرتين.. المرة تلو الأخرى.. في مشهد هو البؤس بعينه وأنفه وفمه!!
.. لماذا تُنتهك الطفولة هكذا؟.. أمام سمع وبصر كل الخيّرين.. ما الذي يجعلنا نفشل في قراءة هذه الوقائع.. التي نحتك بها يومياً.. وتضمر لنا كمجتمع الكثير الكثير من المخاطر.. خاصة إذا ما وضعنا في الحسبان.. أن دفع هؤلاء الصغار إلى أسواق العمل.. معناه أننا نوفر أداة مزجاة لكل الجانحين.. لاستغلال نقاء الطفولة وبياضها ـ لا قدر الله ـ فيما هو أسوأ!!
.. يجب ألا نزعم أنهم خرجوا إلى الأسواق.. بدافع التمرد على المدرسة.. أو الفشل في الانتظام فيها وحسب.. بل يجب أن نعترف أن الحاجة وحدها.. هي من زج فيهم بكل قسوة.. حتى وإن بدا لنا أنهم مغتبطون بما يفعلونه.. إلى ساحة العمل.
.. هذه ليست مسئولية الجمعيات الخيرية وحدها.. وإنما هي مسئولية أولئك الذين حين يوجعهم هذا الواقع.. يعودون إلى محافظهم ليضعوا في أكفهم الصغيرة.. حفنة أكبر من الريالات.. رغم أنهم يعلمون يقيناً ـ أن الشفقة وحدها ليست هي الحل!!
.. لذلك وطالما أننا نستهل شهر المكرمات ـ شهر الخير والبركات.. فليس أقل من أن يتصور كل واحد منا.. أن هذا الذي يدفع عربة الخضار خلفه في السوق.. هو ابنه.. أو ابن أخيه.. ليرى ماذا سيفعل بعدئذ.
.. إنها دعوة صادقة.. لإعادة الطفولة إلى موقعها الطبيعي قبل أن تنبجس عن المزيد من المخاطر.. دعوة للحفاظ على بياض الطفولة!(الرياض السعودية)