قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لندن ـ نصر المجالي: وجه العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني البارحة رسالة لافتة للانتباه الى عمه الامير الحسن بن طلال كلفه فيها الشروع في مواصلة مهامه في قيادة حوار الحضارات والاديان.
والموضوع هذا كان من المهمات التي كان يقودها الامير الحسن الذي عزل من ولاية العهد قبل عامين، وهذا المشروع الحواري الحضاري يتساوى في قيادته الامير الاردني مع ولي العهد البريطاني الامير تشارلز الذي يقود في الغرب هذه المهمة كرئيس فخري لمركز الدراسات الاسلامية في جامعة اكسفورد.
وحملت رسالة العاهل الهاشمي الى عمه عبارات من التقدير والاحترام والثناء لم تكن معهودة على ما بين الرجلين منذ تولي الملك عبد الله الثاني الحكم خلفا لوالده الراحل الحسين بن طلال.
ونشرت الصحافة الاردنية على صدر صفحاتها الاولى اليوم نص الرسالتين المتبادلتين اللتين هما اول اتصال مباشر وعلني بين الملك والامير، وقال الامير الحسن في لهجة العاتب "دماؤنا نحن الهاشميين مثل أي دم عربي لا يمكن ان تصير ماء".
ولكنه اعلن عن الولاء والوفاء لابن اخيه الملك، وعاهده على المضي في الشوط معا. وكانت العلاقات في السنتين الأخيرتين ازدادت سؤا بينهما واعتكف ولي العهد السابق مراقبا عن بعد التطورات التي تعيشها المملكة منذ بدء ولاية ابن الشقيق.
والرسالة التي وجهها العاهل الاردني الى عمه على نحو غير معهود تعتبر تجسيدا للمصالحة بين العم الامير وابن الشقيق الملك الذي اختير قبل نحو عامين مكانه لولاية العهد استنادا الى رغبة الملك الراحل الحسين.
والزمان الذي اختاره العاهل الاردني لتوجيه الرسالة كان غرة رمضان لما لهذا الشهر العظيم من فضائل في التوادد والتعاطف، والهدف كان استثارة مجهودات العم الخبير في قضايا لها الأهمية القصوى على صعيد اسلامي وحضاري.
فهو كلفه في الشروع باستئناف الجهود في ادارة الندوات واقامة المنتديات لتجسيد الحوار الحضاري بين الحضارات والاديان،
وكان الامير الحسن الذي اقصي قبل عامين عن ولاية العهد ناشط في مجال الحوار بين الحضارات، وهو مؤسس منتدى الفكر العربي الذي يضم نخبة النخبة العربية المفكرة، وفوق ذلك هو رئيس نادي روما الاقتصادي العالمي.
وهو ظل بعيدا عن الاضواء في العامين الفائتين منذ لقصائه عن ولاية العهد التي كان يمكن ان تنصبه على عرش البلاد، حيث كانت طريقه واضحة المعالم ومعبدة سواء بسواء الى الموقع الأعلى لو انه لم تكن هناك "هنات ليست هينات" اوقعت بينه وبين شقيقه الملك الراحل الذي ترك سرير المرض في مستشفى مايو كلينيك الاميركي على جناح السرعة للأعلان التغيير المفاجىء في بنية الحكم.
وفي رسالة وجهها الملك الراحل الى شقيقه "الذي كان يقول انه قرة عينه" في مطلع العام 1999 وجه فيها انتقادات لاذعة اليه في ادائه كولي للعهد.
وتولى الامير حسن ولاية العهد منذ العام 1965 ، حيث كانت في الاساس للملك الحالي عبد الله، واعطاها الملك الراحل لشقيقه الأصغر الخريج الجديد آنذاك من جامعة اكسفورد.
وأخذت رسالة الاقصاء الموجهة الى الامير حسن عليه مآخذ كثيرة في ادارة شؤون الدولة، واتهمه فيها بـ"شخصانية القرار" والتدخل في شؤون لا تعنيه، منها سحب منزل فخم من ملكية رئيس هيئة الاركان المشتركة آنذاك المشير عبدالحافظ مرعي الكعابنة وقضايا اخرى من هذا القبيل.
ولكن القضية التي فجرت الصراع بين الملك "قرة عينه ولي العهد كانت عدم ايفاء ولي العهد بوعده في تعيين الامير حمزة النجل الاصغر للملك حسين وليا للعهد، في حال تسلمه حكم البلاد".
هذا الوعد انجزه الملك عبد الله الثاني لحظة تسلمه الحكم معلنا الامير حمزة وليا للعهد متجاوزا اخوانه الآخرين الأميرين فيصل وعلي، والامير حمزة هو النجل الأكبر للملك حسين من زوجته الملكة نور السورية الاصل (الاميركية الجنسية).
وفي غضون سنتين، كظم الامير حسن الغيظ وانطوى على نفسه وكانت مشاركاته العلنية قليلة جدا في المنتديات العامة، بل ان موظفي مكتبه جميعا نقلوا الى مواقع اخرى، واكتفوا له بحرس قليل من الجند وميزانية تكفيه مؤونة العيش كأمير.
&ولا حظ مراقبون عديدون، انه كيف لم يكن يرتدي "الكوفية الاردنية الحمراء، لا هو ولا نجله الامير راشد" اثناء تشييع الملك الراحل، وكانت يومها رسالة على عدم الرضاء عند الامير الحسن عن القرارات التي اقصته عن تبوأ عرش الهاشميين.
وعلى مدى عامين، كانت هناك اياد تلعب في الخفاء سواء في اوساط القصر الملكي او على صعيد حكومي او حتى على صعيد شعبي بين الملك وبين عمه الكبير، وانحازت اطراف الى هذا الجانب او ذاك، حتى انه في مرات عديدة كان المكتب الصحافي في القصر يتدخل لالغاء تغطيات اخبارية تخص نشاطات الامير الحسن.
الرسالة الموجهة امس من الملك الى عمه، طالبا منه العودة الى الساحة ليست الداخلية بل العالمية من خلال دفة حوار الحضارات لها ابعادها المهمة في مصالحة الرجلين.
ومع تطورات الاحداث المتسارعة على نحو عالمي فيما يتعلق بقضية الحرب ضد الارهاب او حتى على صعيد الحل الدائم والشامل لأزمة الشرق الاوسط وما يتبع ذلك من قيام دولة فلسطينية مستقلة سيكون لها ارتباطات مع الاردن، فان دور الخبير الأمير الحسن يبدو واضح المعالم والآفاق.
لقد قاد الأمير الحسن لسنوات طوال خطط التنمية الأردنية، وهو اشرف على انجازات كبيرة في بلد محدود الموارد، وقامت مؤسسات تعني بالتكنولوجيا وتبادل المعلومات وانشئت جامعات ومعاهد ابحاث في تلك الفترة الصعبة من تاريخ الاردن.
وبينما كان الملك الراحل يسافر غربا وشرقا حاملا هموم قضية بلده الى عواصم الاض حينا وللراحة والاستجمام احيانا اخرى، كان ولي العهد عاكفا على استمرار عمليات البناء والتنمية.
هذه كلها ذهبت ادراج الرياح بجرة قلم اقصته عن ولاية العهد، ولم يرفع الامير الحسن صوته او ينحاز الى أي معسكر من المتناحرين على الساحة الاردنية ولم ينجر الى دعوات كثيرة طالبته في الخفاء او العلن الى اتخاذ رد فعل ما.
وتسلم الملك عبد الله الحكم، والغي مكتب الامير الحسن في الديوان الملكي وانيطت به مهمات يمكن ان يقوم بها أي موظف باقل من درجة وزير، وبدأت المشاحنات تجري على الساحة في الانتصار الى مرة الى "العم الكبير" ومرة الى "الملك الجديد".
ومر عامان، والمركب هادىء على ضفة الملك والامير، لكنه لم يكن هادئا فيما بين بين من المحازبين والمحاسيب، وقيل كلام كثير، لكن الرسالة الأخيرة من الملك الى العم لها معانيها الكثيرة، وجواب الامير كان له معانيه هو الآخر.
في الدستور الأردني لا توجد صلاحيات محدد لولي العهد اطلاقا، لكن الامير الحسن خلال ولايته اخذ صلاحيات كثيرة، ومن دون اقدامه على اخذ تلك الصلاحيات بقرار منه، لا يمكن ان يتسنى للاردن الشروع في اية خطوات تقدم او تنمية.
صحيح ان تلك الخطوات ظلت قاصرة عن تحقيق انجازات ملموسة ومرضية، لكنها كانت تمر تحت شعار "في الحركة بركة".
واذ الملك الاردني الآن معني في خطوات تصحيحية على الواجهة الاقتصادية، لمواجهة المديونية العالمية الهائلة، فان حوله مجموعة من المخططين الذين لم يقدموا الى اللحظة تصورا مقنعا في تجاوز الازمة الاقتصادية والخروج بالاردنيين من تحت خط الفقر.
ربما تكون رسالة المصالحة بين الملك والعم مقدمة ليس فقط لادارة الحوار بين الاديان والحضارات فحسب بل "لادارة الحوار على الساحة الاردنية نفسها، خصوصا وانها مقبلة على ظروف ومعطيات جديدة على خلفية تداعيات الحلول المطروحة في الشرق الأوسط، ومع ما لذلك من ارتباطات اردنية وفلسطينية".