قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&
المصادفة وحدها حققت التزامن بين موعد بداية القمة الاميركية - الروسية، واعلان عن سقوط كابول تحت سيطرة قوات "تحالف الشمال".
وكانت مناسبة لتبادل التهاني بين الرئيسين جورج بوش وفلاديمير بوتين، قبل اجراء تقويم شامل للاوضاع المستجدة على الساحة الافغانية. وهي اوضاع بالغة الخطورة تحتاج الى رعاية دولية مشتركة من اجل تحويل الانتصار العسكري نصراً سياسياً قادراً على ضبط الاستقرار والامن في منطقة آسيا الوسطى. ومن المؤكد ان محادثات الرئيسين تطرقت الى اهمية دور روسيا في تسهيل عمليات القصف من طريق فتح الاجواء امام الطائرات الاميركية المغيرة. وتأثرت بجو التعاون الدولتان الجارتان اوزبكستان وطاجيكستان اللتان قدمتا تسهيلات اضافية شملت حرية استخدام المطارات والقواعد العسكرية. ويرى المراقبون ان هذه الدول الثلاث ساهمت بقسط كبير في دعم العمليات الحربية، وذلك من طريق تشكيل قواعد خلفية كانت تنطلق منها الطائرات الاميركية لتدمير اسلحة "طالبان" وتعطيل دفاعاتها الجوية والبرية. وبسبب القصف المتواصل والمركّز انهارت صفوف المقاومة على طول الجبهة الممتدة من مزار الشريف حتى العاصمة كابول.
فاجأ الانهيار الامين العام للامم المتحدة كوفي أنان الذي توقع صمود "طالبان" لمدة سنة على أقل تقدير، الامر الذي دفعه الى العمل على معالجة مأساة اللاجئين قبل ايجاد تسوية سياسية تملأ فراغ الحكم. وكما عتب الرئيس الباكستاني برويز مشرف على الرئيس جورج بوش، كذلك عتب الملك السابق محمد ظاهر شاه لأن واشنطن أخلّت بتعهداتها وسمحت لقوات "تحالف الشمال" بدخول كابول قبل تشكيل حكومة بديلة موسعة. وهذا ما طلبه الرئيس مشرف من نظيره الاميركي تفادياً لتقسيم افغانستان في حال ألغي دور البشتون الذين يشكلون اكبر مجموعة عرقية (40 في المئة).
ويدّعي وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد انه من الصعب لجم الاندفاع العسكري عند نقطة تبعد مسافة 15 كلم عن العاصمة خصوصاً ان فرار "طالبان" المفاجئ شجع المهاجمين على استكمال عملية الاقتحام.
ويجمع الديبلوماسيون في اسلام اباد على القول بأن استيلاء قوات تحالف المعارضة الشمالية على المدن الرئيسية ابعد فرص الحل السياسي على نحو ما اوصى به الممثل الخاص للامم المتحدة الاخضر الابرهيمي، والسبب ان القوى الموجودة على الارض هي التي تفرض شروطها. وبما ان زعماء هذه القوى بدءاً بالرئيس الطاجيكي السابق برهان الدين رباني، وانتهاء بالجنرال الاوزبكي عبد الرشيد دوستم، غير متفقين على دور الملك المخلوع محمد ظاهر شاه، او حتى على اسماء اعضاء مجلس الاعيان (لويا جيرغا) فان الارادة الدولية لن تترجم على ارض الواقع.
وعبّر الرئيس مشرف عن خشيته من عودة الوضع الامني في افغانستان الى ما كان عليه اثناء الغزو السوفياتي. اي ان سلطة القوات المحتلة انحصرت في المدن، بينما سيطر المجاهدون على مناطق الارياف والجبال الوعرة، ويرى المحللون ان انسحاب "طالبان" من المدن جاء بتوصية من اسامة بن لادن الذي نصح بنقل حملة الجهاد الى المناطق الريفية الواقعة في الجنوب الشرقي المحاذي لباكستان، حيث تنتشر غالبية عناصر البشتون.
ونشرت الصحف الروسية الاسبوع الماضي نبأ يتعلق بخلاف الرئيس بوتين مع بعض الجنرالات حول موقفه المؤيد للولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب. وذكرت ان رئيس لجنة المحاربين القدامى سيرغي موروزوف توقع انسحاباً مُذلاً للقوات الاميركية، الامر الذي دفعه الى تقديم نصيحة للرئيس بألا يراهن على خيار خاسر. كذلك حذّره رئيس الوزراء السابق يفغيني بريماكوف من الغرق في مستنقع حرب طويلة الامد، تماماً مثلما غرقت بلاده في المستنقع الافغاني. واعترضت قيادة المصانع الحربية على هذا القرار المتهور لتخوفها من هبوط مبيعات السلاح الى دول الشرق الاوسط. والمعروف ان روسيا عقدت صفقة سلاح مع ايران بقيمة سبعة مليارات دولار، كذلك اتفقت مع سوريا ومصر وليبيا والجزائر على تحديث اسلحتها. وبما ان موسكو تحتاج الى العملة الصعبة المتوافرة لدى الدول العربية وايران، فان دعم اميركا في الحرب ضد افغانستان سيؤثر حتماً على مبيعاتها من الاسلحة الى دول المنطقة.
الرئيس فلاديمير بوتين لم يقتنع بكل هذه الحجج، وبقي مصراً على ادخال بلاده في الحرب ضد الارهاب، وشجعته على اتخاذ موقف مخالف لآراء السياسيين وبعض خبراء الجيش، مجموعة اسباب اقليمية ودولية يمكن اختصارها بالآتي:
أولاً: عقد رؤساء الدول المنتمية الى معاهدة الامن المشترك، وهي روسيا وارمينيا وبيلاروسيا وقرغيزستان وطاجيكستان وكازاخستان قمة طارئة لمواجهة حملات الارهاب التي تشنها "طالبان" ضد دول آسيا الوسطى. واتفق رؤساء جمهوريات الدول الست على تشكيل قوات امن مشتركة لوقف تدخل افغانستان في الشؤون الداخلية،. ويرى بوتين ان حملة الولايات المتحدة ستنوب عن الدول الست في تأديب "طالبان" وازاحة حكم يمثل خطراً على الاستقرار والامن.
ثانياً: إن افغانستان تنتج 75 في المئة من محاصيل الهيرويين المستهلك في العالم، وتهريب المخدرات ينطلق عبر حدودها ليمر الى اوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان. وبما ان اكثر من ربع هذه الكمية يدخل الى روسيا، فان اسقاط نظام "طالبان" اصبح الهمّ المشترك بين دول المنطقة. اضافة الى هذا، فان تجارة المخدرات هي مصدر التمويل الرئيس لـ"طالبان".
ثالثاً: توفر "طالبان" مراكز تدريب لمئات المتطوعين لنصرة الشيشان. والمعروف ان حرب الشيشان ساعدت بوتين على الوصول الى الحكم بحجة انه الوحيد القادر على تحقيق نصر عسكري. ولكن الاحداث اثبتت عجز القوة الروسية الغازية عن قمع المقاومة الشيشانية وعليه يعقتد بوتين ان هزيمة "طالبان" ستعزل الشيشان وتحبط معنوياتهم وتضعف ارادة القتال بطريقة تسهّل عملية التفاوض.
رابعاً: خسرت روسيا حربها في افغانستان، ثم خسرت معها موقعها السياسي بعد وصول "طالبان" الى الحكم وعزل "تحالف الشمال" فوق رقعة نائية لا تزيد مساحتها على عشرة في المئة من المساحة الاجمالية لافغانستان. ويرى الرئيس بوتين ان اي تغيير في نظام الحكم يعتبر فرصة تاريخية لوصول اصدقاء موسكو الى كابول، وفي طليعتهم الجنرال دوستم.
ويستفاد من حصيلة التغيير في افغانستان ان الخيار الذي اتخذه بوتين كان الخيار الصحيح، باعتبار ان& الاميركيين حققوا له كل الانتصارات التي فشل في تحقيقها.
وفي ظل المتغيرات المفاجئة تبرز الآن اسئلة ملحة تتعلق بشكل التسوية السياسية المطلوبة، وبهوية الجهة القادرة على فرض الحل، خصوصاً ان الولايات المتحدة اعلنت عن رغبتها في الاقتصاص من اسامة بن لادن ومن رئيس النظام الذي وفّر له ولجماعة "القاعدة" مظلة الحماية والرعاية، اي الملا محمد عمر. ومعنى هذا ان ادارة الرئيس بوش لا ترى حاجة لاستعجال الحل السياسي ما دامت الاهداف الامنية لم تتحقق بعد، خصوصاً ان مشروع الاخضر الابرهيمي يشدد على ضرورة ايجاد حل افغاني بعيد عن المداخلات الخارجية، ومثل هذا المشروع - كما تراه باكستان - سيكون صعب التنفيذ لأن زعماء المعارضة في "تحالف الشمال" مرتبطون بولاءات خارجية، خصوصاً دوستم المحسوب على الروس، وقياساً على هذه القاعدة يمكن تصنيف الملك السابق ظاهر شاه ضمن ممثلي اميركا في التشكيلة المقترحة، وكذلك انصاره مثل سيد احمد جيلاني وعبد الستار سرت.
ويرى ديبلوماسيون في الامم المتحدة ان حديث الابرهيمي عن "حل افغاني" يناقض توجهه لتشكيل مجموعة الدعم المسماة 6 زائد،2 اي الدول المحيطة بأفغانستان وهي: باكستان وايران وتركمانستان واوزبكستان وطاجيكستان والصين، اضافة الى الولايات المتحدة وروسيا. ومثل هذه المحاصصة الموزعة حسب الاعراق والولاءات الخارجية، ستجعل التسوية صعبة بل مستحيلة، ذلك ان زعيم "الحزب الاسلامي" قلب الدين حكمتيار لجأ الى طهران (مع انه بشتوني) انتقاماً من باكستان التي أيّدت "طالبان" على حسابه. وهو يجهر بمعارضته لأي حكم لا تكون له حصة كبيرة فيه، او لصديقه زعيم "حزب الوحدة" الشيعي ممثل اقلية الهزارة كريم خليل، والاثنان يعارضان حلول قادة "تحالف الشمال" لايمانهما بأن برهان الدين رباني يفتقر الى الدعم الشعبي، في حين يطالب رباني باستمرار دوره كرئيس شرعي في نظر الامم المتحدة، ولكنه في الوقت ذاته يريد "تحرير الارض والوطن من نفوذ طالبان العميلة لباكستان"، وهو يدعي بأنه حافظ على تماسك "تحالف الشمال" وبأن سفراءه في اكثر من ثلاثين دولة منعوا "طالبان" من تشويه صورة افغانستان الخارجية، لهذه الاسباب وسواها يرى انه من حقه كزعيم طاجيكي، وكأستاذ شريعة سابق في جامعة كابول، قيادة البلاد الى مرفأ السلام بعكس منافسه على الزعامة الملك المخلوع محمد ظاهر شاه.
اثر اعلان استعداده لتأليف حكومة انتقالية تمثل النسيج الاتني في افغانستان، استقبل الملك ظاهر شاهر في منفاه الايطالي شخصيات كثيرة شجعته على العودة. كذلك زاره وفدان من الكونغرس الاميركي لاقناعه بضرورة المساهمة في عملية بناء نظام جديد. والمعروف تاريخياً ان الولايات المتحدة دعمت الانقلاب الذي نفذه ضده ابن عمه الجنرال محمد داود (17 تموز 1973) اثناء وجوده في ايطاليا، ويعترف الاميركيون انهم تضايقوا في حينه من سياسته المحايدة ومن التودد الى الاتحاد السوفياتي وفرنسا. وهو لا يخفي اعجابه بالثقافة الفرنسية التي يعتبرها اداة الصقل الفكري لكل الانجازات التي حققها، وهي انجازات بالغة الاهمية بدأت بالخطة الخمسية لتحديث افغانستان، وانتهت باجتراح اصلاحات سياسية وانتخاب اول برلمان وضع مشروع فصل السلطات والملكية الدستورية، ولكن عودته لا تلقى الترحيب الكامل من دول مجاورة تأتي ايران في طليعتها، ويعتقد قادة النظام في طهران ان واشنطن تؤيد فكرة احياء الملكية في افغانستان بهدف الالتفاف على ثورتها ونظامها الاصولي.
الادارة الاميركية تريد اطالة فترة الوضع المتردي لان انتصاراتها العسكرية، لم تترجم انجازات سياسية، وهي تخشى تكرار اختباراتها السابقة في افغانستان يوم زودت استخباراتها المقاومة بصواريخ "ستينغر" المضادة للطائرات، وبفضل تلك الصواريخ تغيّر ميزان المعركة لمصلحة المجاهدين وخسر السوفيات الحرب بسبب فقدانهم السيطرة على الاجواء، ويرى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ان " تحالف الشمال" خطف الانتصار الذي حققته الطائرات الحربية الاميركية، واعتبر ان دوره انتهى عند ابواب كابول.
ولهذا تحفظت واشنطن عن اعلان الانتصار الناجز ما لم يتم القضاء على نظام "طالبان" ورموزه الكبرى مثل الملا محمد عمر واسامة بن لادن وايمن الظواهري. وهذا ما طالبت به بيجينغ هذا الاسبوع عندما دانت اسامة بن لادن واعتبرته المحرض الاول لانشاء حركة انفصال 50 مليون مسلم عن الصين. وذكر متحدث رسمي ان "القاعدة" دربت آلاف المتطوعين من اجل القيام بأعمال ارهابية كانت بينها عملية نسف السفارة الصينية في اسطنبول.
وكما تشكو الولايات المتحدة من التصرفات المريبة التي يمارسها زعماء "تحالف الشمال" كذلك تشكو باكستان من تهميش دورها في ادارة الازمة، علماً بأنها مثلت جسر العبور الى النصر. ويرى المراسلون في اسلام اباد ان الرئيس مشرف قد يضطر الى تغيير دور بلاده اذا شعر بأن المعارضة الافغانية لن تتجاوب مع شروطه. وهو في هذه الحال قادر على تمزيق وحدة البلاد ومنع اي حكم جديد من الاستقرار. وربما استفاد زعماء "طالبان" من نقمته على "تحالف الشمال" لعقد صفقة تحفظ البشتون من حرب الابادة والابعاد. ولقد ظهرت منذ يومين مؤشرات اعلامية تنبئ عن احتمال قيام جبهة مقاومة على طول الحدود الافغانية مع باكستان على ان تكون مخيمات اللاجئين عمقها البشري. وربما تنبه الاوروبيون الى المخاطر المحدقة بعملية السلام، لذلك طالبوا كوفي انان بضرورة استعجال البحث عن "ديغول افغاني" قادر على جمع صفوف المعارضة تحت راية واحدة قبل ان تسيطر على كابول اجواء الحرب الاهلية التي أفرزت "طالبان" .(النهار اللبنانية)