قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&ريتشارد ميرفي*

لأنني أحد الذين تابعوا عن كثب العلاقات الأميركية ـ السعودية منذ مطلع الستينات، فوجئت بالعاصفة المفاجئة من الانتقادات التي حفلت بها وسائل الاعلام الاميركية، من غير اسباب واضحة. فقد عبرت "مصادر رسمية" مكتومة الهوية عن امتعاض حاد حول المزاعم بأن السعودية لم تبد تعاونا مع واشنطن في ما يتعلق "بالحرب ضد الارهاب"، غير ان الرئيس جورج بوش ووزير الخارجية كولن باول اعربا عن ارتياحهما للتعاون السعودي منذ وقوع مأساة 11سبتمبر.
ولكوني دبلوماسياً سابقاً، اعرف انه عندما يقوم المسؤولون باصدار تعليقات علنية حول العلاقات بين دول تتمتع اساسا بعلاقات ودية، تكون تعليقاتهم عادة غامضة وغير محددة. ذلك انه عندما يلتقي كبار المبعوثين يصدر بيان صحافي روتيني فحواه ان "المحادثات كانت مثمرة وودية". واقرب ما يستشفه القارئ من حيث التلميح الى عدم الارتياح، هو عندما يتحدث البلاغ الرسمي عن ان البلدين "تبادلا وجهات النظر بصورة كاملة وصريحة"، إذ يشير هذا عادة الى بعض التوتر في الحوار، لكنه لا يفصح كثيرا للقارئ، او لا يلقي له ضوءا على حقيقة ما جري خلف الستار.
فهل ان اللهجة الاعلامية القاسية التي ترددت اخيرا في العاصمتين تشير الى وقوع خلل خطير في العلاقة السعودية ـ الاميركية؟ ليست هناك اسباب تدعو الى افتراض ذلك. اننا نتعاون في اربع قضايا رئيسية:
ـ الدفاع عن السعودية ضد التهديدات الخارجية.
ـ المصالح المتوازية في السياسات النفطية الاميركية والسعودية.
ـ الاشتراك معا في ادانة شبكة "القاعدة" الارهابية.
ـ عملية السلام العربي ـ الاسرائيلي.
واعرض هنا بشيء من التفصيل للجوانب الاربعة.
اولا ـ المجال الدفاعي: في عام 1990 تجاوبت الولايات المتحدة مع دعوة السعودية الى مساعدة دولية لطرد القوات العراقية من الكويت. وقادت القيادة السعودية ـ الاميركية المشتركة تحالفا دوليا سرعان ما انجز مهمته في عملية "عاصفة الصحراء". وكان هذا التعاون منسجما مع سياسة الدعم ضد العدوان الخارجي التي انتهجتها واشنطن في الثمانينات. ثم قدمت الولايات المتحدة وسائل الاستطلاع الجوي من خلال طائرات الانذار المبكر (اواكس) لمواجهة امكانية وقوع هجوم ايراني على المنطقة الشرقية في السعودية. لكن نظام صدام حسين المتشدد لم يسقط بعد "عاصفة الصحراء" بالرغم من انه اوقع العراق في كارثة عسكرية. وما زالت واشنطن مقتنعة بأن قوات صدام حسين العسكرية تملك قوة نيران كافية، وبأن قائدها لديه دوافع وحوافز قوية للانتقام للهزيمة التي مني بها عام 1991. واليوم تواصل الرياض تقديم دعم لوجيستي سخي لعمليات الاستطلاع الجوي الاميركي والبريطاني فوق جنوب العراق، لكنها لا تسمح بشن ضربات ضد الاهداف العراقية من الاراضي السعودية. وعندما تقتضي الحاجة توجيه ضربات كهذه فإن الطائرات الاميركية تقوم بها منطلقة من حاملات الطائرات العاملة في الخليج ومن قواعد في تركيا.
ثانيا ـ النفط: كان للاميركيين سبب واف لاحترام سياسة النفط السعودية والترحيب بها. فقد كانت هناك منذ زمن بعيد مصالح مشتركة بين واشنطن والرياض من حيث ضمان وضوح اتجاه اسعار النفط وانتاجه. وكلتاهما ترى ان الطفرات المفاجئة وما يعقبها من انهيار تزعزع استقرار الاقتصاد العالمي وتلحق الضرر بالمستهلكين والمنتجين على السواء.
ثالثا ـ الموقف من "القاعدة": تعرف القيادة السعودية انها المستهدف الاول من عدوانية اسامة بن لادن وشبكة "القاعدة" التي يتزعمها اسميا، فقد هاجم القيادة السعودية لأنها وافقت على تواجد قوات عسكرية من اميركا وغيرها من البلدان غير الاسلامية في البلاد عام 1990، ثم نجح في ان يضيف الى برنامجه قضايا اخرى تحظى بشعبية واسعة، مثل القضية الفلسطينية، ومعاناة اطفال العراق، وقضية كشمير، وهو يحاول ان يصبح الناطق باسم الذين يريدون اطاحة القادة الحاليين في بعض البلدان العربية وجنوب آسيا. ومن العجيب ان يوحي أحد، كما فعل بعض المعلقين العرب، بأن لاميركا اية مصلحة في رؤية شبكة "القاعدة" تحل محل القيادة السعودية(!). لقد تشاور المسؤولون السعوديون مع واشنطن حول ايجاد الآليات اللازمة لرصد وتعقب الاموال الصادرة من السعودية الى الارهابيين، سواء عبر المؤسسات الخيرية او كهبات مباشرة من الافراد. وليست هذه بالمهمة السهلة، كما تبين لاميركا ذاتها في السنوات الاخيرة وهي تطور اجراءاتها الخاصة لاقتفاء آثار التمويل الصادر من مصادر اميركية الى منظمات ارهابية.
وسعت الحكومة الاميركية بعد 11سبتمبر، من غير ان يحالفها النجاح، الى اقناع حكومة "طالبان" بتسليم اسامة بن لادن وغيره من اعضاء شبكة "القاعدة". وعندما رفضت قيادة "الطالبان" ذلك، قررت واشنطن القيام بحملة القصف لتغيير رأي "طالبان" وتأمين تسليم بن لادن. وكما في الحالة العراقية تحظر المملكة العربية السعودية على الطيران الاميركي استخدام اراضيها لضرب اهداف في افغانستان. غير ان دعمها للمتطلبات الاخرى هو دعم سخي وحيوي. وربما كان المسؤولون في وزارة الدفاع الاميركية هم مصدر الانتقادات الموجهة الى السعودية في الصحافة بالنظر الى انهم ارادوا التحرك بسرعة في الحملة العسكرية الراهنة، ووجدوا ان المفاوضات مع المسؤولين السعوديين تعرقلهم وتبطئ خطاهم.
رابعا ـ عملية السلام: هذه ايضا قضية اخرى مهمة وحرجة كانت موضع تشاور دائم بين الحكومتين السعودية والاميركية على مر السنين. وقد ضغطت الرياض على واشنطن لكي تبدي مزيدا من التوازن والتجرد في سعيها، ولم يكن هناك دائما اتفاق على افضل السبل لمتابعة السلام.
لقد قاومت ادارة بوش في البداية الرأي القائل بأن هناك ترابطاً بين قضايا عملية السلام والعراق، وعندما توجه وزير الخارجية كولن باول الى المنطقة في شهر فبراير (شباط) الماضي، قيل انه سعى الى اقناع السعوديين وغيرهم بأن مسألة العراق يجب ان تعالج كقضية منفصلة، وان تكون لها اولوية. لكن النظرة الاميركية تغيرت مع تنامي الانتفاضة الفلسطينية. وكان السعوديون، مع الاصدقاء الآخرين لاميركا في المنطقة، يلحون باستمرار على القول بأن لدى الولايات المتحدة القدرة وعليها الالتزام بالعودة الى ممارسة دور نشط في عملية السلام. وهذا يحدث الآن، قياسا على تصريحات الرئيس بوش في الاشهر الاخيرة.
فهل ان الاميركيين لا يدركون اهمية العلاقة الاميركية ـ السعودية؟
الواقع ان معظم الاميركيين على غير دراية، ولا يعرفون كثيرا عن تلك العلاقة، والمبادرات التي قامت بها السعودية في مجال العلاقات العامة لشرح موقفها، لم تكن ناجحة او موفقة تماماً. ويفهم الاميركيون ان هناك نوعا من الجدل بين الرياض وواشنطن حول التحقيق في حوادث تفجيرات الرياض والخبر، وهي التفجيرات التي وقع ضحيتها عدد من الجنود الاميركيين وافراد من جنسيات اخرى.
ويبدو ان المسؤولين في مكتب المباحث الفيدرالي قد سعوا لكي يكون لهم دور في التحقيق في تلك الجرائم اوسع مما اعتزمت السعودية السماح به. لكن، في هذا السياق، يبقى السؤال البديهي هو انه لو كانت التفجيرات قد وقعت في الولايات المتحدة وذهب ضحيتها مواطنون سعوديون، فهل كان المحققون الاميركيون يسمحون لنظرائهم السعوديين بمشاركة كاملة في التحقيق الاميركي؟ ويبقى ان من شأن التحقيق الجاري بشأن الاحداث المأساوية التي ادت الى ازهاق ارواح كثيرة في نيويورك وواشنطن، ان تشكل امتحانا عسيراً للتعاون السعودي ـ الاميركي في هذا المجال الحساس.
إن من الحقائق المسلم بها، انه لا توجد دولتان في العالم لهما مصالح متطابقة، ولا يشذ عن هذه القاعدة اي من الولايات المتحدة او المملكة العربية السعودية. فهناك قضايا يتخالف فيها كل منهما ولا يتفقان. وتطفو الفوارق على السطح عندما يواجه كل منهما مشكلات تواجه الجميع في هذا القرن الجديد القلق. فالروابط بيننا معقدة. واذا كان من نتيجة ايجابية للانشغال الراهن لوسائل الاعلام الاميركية في ما يتعلق بالسعودية، فهي انها ربما ادت الى تفهم الرأي العام في كلا البلدين لمدى اهمية وحيوية الحفاظ على صداقة استمرت اكثر من 60 عاما من اجل تحقيق السلام الاقليمي والاستقرار والازدهار.
* وكيل سابق للخارجية الاميركية، كما عمل سفيرا لبلاده لدى المملكة العربية السعودية، وهو الآن عضو بارز في "مجلس العلاقات الخارجية" في نيويورك ـ بالاتفاق مع "الديبلوماسي" ـ خاص بـ "الشرق الأوسط"
&